من الصعب أن نتخيّل الحياة بلا روح، فما البشر إلا أرواح تمشي وتتكلم وتفكّر، ولكل شيء في العالم جوهر، والجوهر يعني القاعدة والأساس، فالمادة تنعدم بتلاشي الكينونة وسرّ الوجود، والنور هو قلب النهار وعلامة لرحيل الظلام.
وعلى هذا، فلا تزال الشمس هي ملكة الكون المتربعة على عرش الجمال والسحر، فإن بزوغ شعاعها يتسلّط على الأفئدة والعقول ليمنحها الراحة والاطمئنان، فالإنسان في حاجة دائمة إلى النور لأنه يكشف الأشياء ويحدّد ألوانها. وللشمس تأثير مباشر على حياة الإنسان، وبعض الناس يرون فيها رمزًا ربانيًا، على الرغم من أنها جرم سماوي كغيره، ولكن العلم الحديث يبيّن لنا اليوم مدى التأثير الفعلي للشمس على النظام الكوني كله.
تأثير الشمس لا يقتصر على الضوء فقط
ترتبط الشمس بالسعادة وجودًا وعدمًا، فإن غياب الشمس يتسبب للبعض في أمراض الاكتئاب، ولهذا ينصح أطباء نفسيون المرضى بالسفر إلى المناطق المشمسة والابتعاد عن المناطق المظلمة.
تعاني غالبية الدول الإسكندنافية من غياب الشمس المستمر، ما يجعل سكان تلك المناطق أكثر عرضةً للأمراض النفسية، وزيادة حالات الانتحار، على الرغم من التقدم الاقتصادي غير المسبوق والرفاهية الملحوظة التي تظهر على غالبية السكان، ولكنهم في حاجة ملحّة إلى روح الحياة «الشمس»، ما يضطر بعض منهم للسفر إلى الدول المشمسة للعلاج.

قد لا يشعر البشر المتعافون بتلك النعمة التي يمثّل اختفاؤها مرضًا ووجودها شفاءً، فمن يمتلك النعم قلَّما يعرف قيمتها لأنه لم يجرِّب انعدامها، فالاعتياد على الشيء يُفقده قيمته.
هل خطر ببالك أن يكون دواؤك في جرعة من الطاقة الشمسية؟
إن الفكرة في حد ذاتها ليست جديدة علميًا، ولكنها قد تبدو نوعًا من الفانتازيا الحوارية في البلاد التي تنعم بالشمس، فالنهار يأتي كل يوم بسطوع الشمس، وفي الليل يضيء القمر وتلمع النجوم، والأيام تدور على ذلك النهج المنظّم بلا تأخير أو تعجيل، وكل ساعة قادمة هي نفسها الساعة التالية. ولكنك في الحقيقة لا تعلم أن الأيام ليست بهذا التشابه إلا في مادتها ونسقها، أمّا كنهها وروحها فهو بما يجري فيها وما يحدث في داخلها، وبانعدام الأحداث ينعدم الوجود.
فالبلاد القطبية لا ترى النهار إلا ساعات قليلة، والبلاد الاستوائية لا ترى الليل إلا ساعات قليلة، ولهذا فالساعات والأيام لا تتشابه كما يصوِّر لك عقلك، ولكنك منغلق في دائرة أفكارك وروتينك اليومي وما جُبلت عليه نفسك.
الشمس هي روح الحياة، مثل أرواحنا التي تسكن أجسادنا لتهبنا الوجود، ولهذا كانت دائمًا مثارًا للبحوث والعلوم، فإن استغلال الطاقة الحرارية الصادرة منها كان ضمن أولويات العلماء في شتّى العصور، فقد فكَّر العلماء في كيفية إيصال أشعة الشمس لبعض الدول التي تغيب عنها، وذلك بسبب مرايا ضخمة تُثبت في التلال والجبال، وقد راودت هذه الفكرة منذ نحو 110 أعوام الصناعي النرويجي «سام إيد»، مؤسس قرية راجوكان النرويجية التي تغيب عنها الشمس طول فصل الشتاء، ما جعله يفكر في المرايا لتعكس ضوء الشمس، ولكنه لم يستطع تطبيق فكرته في تلك الحقبة بسبب النقص في الإمكانات التقنية.

بحلول شهر أكتوبر عام 2013، تمكّن «أويستن هوغان» من تنفيذ فكرة المرايا، أول مرة في التاريخ، فقد كان سكان قرية راجوكان في جنوب النرويج على موعد مع ضوء الشمس في الشتاء، وذلك بفضل المرايا الضخمة التي ثُبتت في التلال المجاورة المطلة عليها.
وعلى جانب آخر، فإن ارتفاع حرارة الشمس في كثير من البلاد الإفريقية كان سببًا في زيادة درجات حرارة الأرض، ما أنذر بعواقب وخيمة أدَّت إلى نشوب حرائق الغابات، وكان ذلك دافعًا للمبرمج ورجل الأعمال «بيل غيتس» لتبنِّي فكرة تبريد الأرض باستخدام غبار الطباشير.
وقد موَّل غيتس فعلًا، مع عدد من رجال الأعمال، مشروعًا يجريه علماء متخصصون لاكتشاف مدى إمكانية السيطرة على الاحتباس الحراري الذي ينوي إطلاقه قريبًا جدًّا، بإطلاق بالون كبير في السماء بالسويد لتعتيم الشمس بالقرب من مدينة كيرونا في القطب الشمالي، حسبما أفادت صحيفة «التايمز». وهذه التجربة الخارقة لها مسمى علمي هو «تجربة الاضطراب المتحكم في الستراتوسفير» التي أطلقها علماء جامعة هارفارد الأمريكية.
إلى الأمام
شكرا جزيلا استاذ عبد الله
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.