الشمال الأردني.. التنوع الغذائي والاجتماعي والاقتصادي (ج 1)

تقع محافظات الشمال الأردني (إربد، وجرش، وعجلون)، بين وادي زرقاء شبيب ونهر اليرموك، حيث تغلب الشخصية الفلاحية على البدوية على الأردني هناك، وحيث يمثل الشمال اقتصادًا فلاحيًا بامتياز، يتنوع بين جبال الزيتون والعنب وحقول القمح.

وتمثل منطقة شرق إربد، بتربتها السوداء والحمراء، منطقة غلال وفيرة للشعير والقمح، وتقع إربد وسط سهل حوران، لذلك فإن قلب الشمال، يمثل قلبًا فلاحيًا.

وبحكم موقعها هذا، تمكَّنت إربد من بناء علاقات وطيدة بسائر حوران والجولان ودمشق (مركز الشام)، وشمال فلسطين، وجنوب لبنان؛ ما جعلها واسطة عقد في إقليم يمثل مفصل سوريا الطبيعية.

ونتيجة هذا الموقع، اقترح علي خلقي الشرايري عام 1920 قبل تكوُّن الدولة الأردنية الحديثة بسنة، إنشاء جامعة اليرموك، لخدمة أبناء الأقطار السورية (بلاد الشام) التي تضم سوريا والأردن ولبنان وفلسطين.

ومثَّل منزل الشرايري في إربد إياها، مكانًا للتجمعات واللقاءات السياسية والاجتماعية الكبيرة؛ ما جعل إربد ذات مكانة سياسية مرموقة في البلاد، فيما ارتبط بإربد الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل، الشهير بـ(عرار).

حتى عام 1922م، لم يكن في إربد سوى 2000 نسمة، فيما كانت تعرف بالسبع خرزات، كناية عن الآبار السبعة، التي كانت تختص كل عشيرة بواحدة منها، وتلك العشائر هي: الدلقموني والحجازي والتلول والشرايرة والعبندات والخريسات والرشيدات.

وخلال عام 1934م، تمكن الأردن من إيصال المياه لمدينة إربد، بواسطة الصنابير؛ ما جعل النسوة يُسهمن في نقل المياه من تلك الصنابير إلى البيوت، بدلًا من الآبار. 

وفي منتصف الأربعينيات، اندمجت البارحة في إربد، نتيجة الاتصال العمراني فيما بين البلدتين، فيما تمكن الناس من الاندماج في نمط غذائي مدني، بعد انصهار الشوام والفلسطينيين واللبنانيين والأرمن القادمين، مع البدو والفلاحين، في بوتقة مدينة إربد، مع منتصف القرن الفائت.  

جبال عجلون وجرش

تميزت جبال عجلون وجرش بطبوغرافية صعبة، كان لها تأثير في السكان، وبينما مثَّل ذلك عامل حماية أمنية، فإن إنسان هذه المنطقة، تميَّز بصعوبة الشخصية والمثابرة واعتياد قسوة الحياة.

ولقد مثَّلت عشائر المومني عصب هذه المنطقة، لاسيما أن تلك العشائر تُعد مركزًا لهم، وخلقت الطبيعة الصعبة للسكان، الحاجة للاستغلال الأقصى للأرض، حيث يتم الزراعة وتربية الحلال والدواجن وتجفيف العنب وزرع الحبوب وإنتاج مشتقات الألبان (الدر)، فيما يتوجه الإنتاج لتلبية الاستهلاك المحلي دون التجارة.

وعرف أهالي جرش وعجلون، بحكم النظام الاقتصادي القائم على الزراعة والرعي، نظام المقارضة، أو المبادلة، في الإطار المحلي، حيث كان الناس يقرضون بعضهم الطعام والمنتجات المحلية، على أمل أن يتلقوا هذا من أقرانهم، في تفاعل مشترك قائم على العونة، التي تميز المجتمعات الفلاحية الأردنية، حتى أوائل النصف الثاني من القرن المنقضي.

جبال عجلون بالأردن

وكانت الدكاكين، تتعامل بنظام البيع من أجل، حيث تُقضى الديون المرهقة للفلاحين، خلال المواسم، وكان التجار في تلك الدكاكين يستغلون الجهل، بغية تحصيل ديونهم أضعافًا مضاعفة.

وفيما يتعلق بالدائرة الخارجية، فقد كان فلاحو عجلون وجرش، يعتمدون على تجار إربد، في تصدير منتجاتهم إلى شتى أنحاء الجوار، لا سيما فلسطين وسوريا، وتعاملوا بالتجارة مع البدو.

وقبل نشوء «دولة إسرائيل» عام 1948م كان فلاحو عجلوش وجرش الكبار، يتبادلون المنتجات مع أهالي القدس وحيفا وطبريا ويافا وبيسان.

وكون الخبز هو العنصر الأساسي في طعام الفلاحين عادة، فإن الحوسات لا سيما حوسات البندورة، هي التي كانت تتسيد المائدة في جبال عجلون وجرش.

وتنوعت أدوات حفظ الطعام، حيث هنالك الجلود والفخار والطين والقماش، كلٌّ حسب طبيعة المواد المراد حفظها.

وخلال سنوات المحل، طبخ الناس، مجموعة من الأكلات الغريبة، منها خبز الذرة البيضاء، وطحنوا الحمص وعملوا الخبز من نبات البلوط، وحمَّصوا الشعير.

وأقام السكان طوابين على نوعين، الأول كان طابو التنور، حيث كان يستخدم الزبل فيه وقودًا، وأما النوع الثاني، فهو الطابون الوقادي، الذي يعتمد على الحطب.

وكان لموسم العنب واللبن (الدر) عادات خاصة، تظهر المكانة الاقتصادية لهذين العنصرين الغذائيين لا سيما في حياة المسيحيين، حيث كان العنب ينتج أصنافًا من النبيذ.

وكان المجتمع يبرر السرقة، سيما عندما يكون السارق فقيرًا، يسرق من أجل طعام عياله، وثقافيًا كان يعد ذلك من باب البطولة والواجب.

وكانت الماعز السوداء، هي الشائعة في عجلون وجرش، لوعورة الأراضي في المنطقة. 

أما العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، فقد كانت وطيدة، وطعامهم متشابه حد التطابق، فيما عرف الأرز المستورد من مصر قديمًا، وكان الجانبان يتشاركان في المناسبات المختلفة. 

عنجرة نموذج للحياة الفلاحية في عجلون

تكونت عنجرة حتى الأربعينيات من القرن الفائت، من ألف نسمة، وكان فيها مدرسة للذكور حتى الصف الرابع، إلى جانب الكتاتيب، وكان الفلاحون يعانون جشع التجار، واستغلالهم جهل الفلاح، حيث كانوا يسيطرون على الأراضي بحجة الدين، الذي كان يتراكم بفعل توقعات الفلاحين من مردود المواسم.

وكان يقال في عنجرة: «الفلاح الشاطر، فدانه ابن بقرته وحراثه ابن مرته»، وكان شائعًا لديهم نظام المداورة، حيث تُزرع الأرض بالحبوب، ومن ثم في موسم آخر تُزرع القيثاي والخضراوات.

عنجرة بالأردن

وعرف أهالي عنجرة، نظام المرابعي الذي يوكل له بمهام العمل في الأرض، مقابل حصة من المنتوج، فيما انتشر نظام الفلاج، فكان يستأجر راعٍ لرعي الأغنام.

وفي عنجرة، عُرف صنفان من الزعتر البري، هما العادي والفارسي، فيما كان الأخير يضاف إلى مشروب «الشاي»، ويقدم علاجًا لمن يصاب بالمغص.

وبمناسبة الزواج، الذي كان يستمر شهرًا بحاله، كان الناس يطبخون اللحم بالماء والجميد، إلى جانب البرغل.

وعمل رجال عنجرة على صيد الأرانب والغزلان والشنانير والضباع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة