الشلل الدماغي أحد الاضطرابات التي تثير قلق الكثير من الآباء. في هذا المقال، سنجيب على أهم الأسئلة حول الإصابة الدماغية، ونستعرض الشلل الدماغي أسبابه وأعراضه، وأنواعه، وأفضل سبل التأهيل المتاحة لمساعدة أطفالنا على تحقيق أقصى إمكاناتهم.
الإصابة الدماغية Brain Damage أو الشلل الدماغي Cerebral Palsy، يشيران إلى المعنى نفسه، وإن اعترض البعض على مصطلح الشلل الدماغي لتوصيف هذه المشكلة، كون الدماغ لا يعاني شللًا، وإنما إصابة أثرت في أدائه. والإصابة الدماغية وصف غير محدد لعجز الحركة الذي يبدأ عند الولادة أو في الأشهر الأولى من الحياة، بسبب عطل في الدماغ.
وتشير التقديرات العالمية إلى أن نسبة انتشار الشلل الدماغي عند المواليد تتراوح بين 2 إلى 3 أطفال لكل 1000 ولادة حية، مما يجعله أحد أكثر أسباب الإعاقة الحركية الناتجة عن الإصابة الدماغية شيوعًا في مرحلة الطفولة.
ماذا تعني الإصابة الدماغية؟
هي إعاقة حركية بسبب إصابة مراكز الحركة في الجهاز العصبي المركزي، وهي إما منتشرة، وإما محدودة، وهي حالة غير وراثية، وغير معدية، وغير متدهورة، ولا يوجد لها علاج جذري حتى اليوم، ولكن يمكن مساعدة المريض من خلال التأهيل ومساعدة المحيطين به على التكيف مع إصابة الطفل.

يصاحب الإصابة الدماغية المنتشرة حبسة كلامية، وتأخر في نمو اللغة، وتأخر عقلي، وكثيرًا ما يصاحبها صرع، وقد يصاحبها ضعف سمعي أو ضعف بصري. في حين أن الإصابة الدماغية المحدودة، لا يصاحبها تأخر في نمو اللغة، ولكن يصاحبها حبسة كلامية، حسب انتشارها في الجهاز العصبي المركزي.
حسب انتشارها في جسم المريض، قد يصاحب الإصابة الدماغية شلل في طرف واحد أو شلل في طرفين في جانب واحد فقط، أو الطرفين السفليين فقط، أو شلل في الأطراف الأربعة.
حسب تغير نغمة العضلة، فقد تكون إما زيادة في نغمة العضلة فتؤدي إلى إصابة دماغية تشنجية، أو متصلبة، أو متشددة، أو منقبضة، وتمثل الإصابة التشنجية نحو 65 % من حالات الإصابة الدماغية.
حسب نقص نغمة العضلة، فالإصابة هنا تؤدي إلى إصابة دماغية ارتخائية، وتمثل 25 % من حالات الإصابة الدماغية. تتبقى نسبة 10 % ما بين إصابة ارتعاشية أو تيبسية ويصاحبها عدم اتزان. وفي الحالة الثالثة قد تكون الإصابة مختلطة، بين النوعين السابقين.
مشكلة مريض الإصابة الدماغية بالأساس، حركية، كونه يتكلم على نحو طبيعي ولديه حصيلة لغوية جيدة، ولكنها نادرة الحدوث؛ لأن أغلب الحالات تعاني مشكلات حركية يصاحبها مشكلات لغوية. لذلك تُعرف الحبسة الكلامية على أنها لا تأتي بمفردها، ولكنها دائمًا ما تكون جزءًا من إعاقة حركية، فنجد أن مريض الحبسة الكلامية على سبيل المثال، يعاني مشكلة لغوية، مصاحبة لمشكلات حركية أخرى.
في حالات الضعف السمعي مثلًا، قد يعاني المريض إصابة في ناحية والأخرى سليمة، أما في حالات الإصابة الدماغية، فقد تكون الإصابة في ناحية واحدة، في الجانب الأيمن على سبيل المثال، وبالتالي يكون الجانب الأيسر سليمًا ويعمل جيدًا، والعكس صحيح. أما إذا حدث وأصيب فصا الدماغ، فإن المصاب سيعاني شللًا رباعيًا.
متى تؤثر الإصابة الدماغية في نمو اللغة لدى الطفل؟
يعاني طفل الإصابة الدماغية مشكلات حركية ولغوية، وقد يصاحبها ضعف سمعي مركزي، وضعف بصري، وتأخر عقلي، وكلما كانت منطقة الإصابة أكبر، أثرت مباشرة في الذكاء لدى الطفل. فالإصابة الدماغية المنتشرة تأخذ جزءًا كبيرًا من الدماغ، وتؤثر في اللغة نظرًا لإصابتها مراكز اللغة في الدماغ.
لذلك، يلجأ بعض الاختصاصيين إلى تدريبات أعضاء النطق؛ نظرًا لفائدتها بالنسبة للطفل، وأشهرها على الإطلاق تدريبات بيكمان التي تناسب الأطفال الصغار والإعاقات الشديدة بغض النظر عن السن، بخطوات بسيطة تبدأ بالضغط على الشفاه العليا من اليمين إلى اليسار، والعكس، وهكذا في الشفاه السفلى.
أسباب الإصابة الدماغية
تحدث الإصابة الدماغية نتيجة عطب في أنسجة الدماغ تؤثر في الوظائف الحركية والمعرفية للأشخاص المصابين بها، وتتفاوت في حدتها حسب انتشارها من إعاقة حركية بسيطة إلى تخلف عقلي عميق. وقد تحدث هذه الإصابة قبل أو في أثناء أو بعد الولادة على النحو التالي:

ما قبل الولادة
هناك مجموعة من العوامل المؤثرة في ذلك منها:
- سوء التغذية.
- نقص الأكسجين.
- التدخين السلبي والإيجابي.
- العدوى المختلفة (الحصبة الألمانية – الأمراض التناسلية – التهاب الكبد بأنواعه – داء القطط).
- التلوث والإشعاع والكحوليات.
- تناول بعض الأدوية أو العقاقير دون الرجوع للطبيب.
أسباب في أثناء الولادة
- الولادة المبكرة. تزداد مخاطر الإصابة الدماغية إذ تم ولادة الطفل قبل مرور 28 أسبوعًا على الحمل، حيث لم تكتمل أنسجة الجسم بعد. فالرئة على سبيل المثال تتخلق في وقت مبكر، غير أنها لا تبدأ العمل، إلا لحظة الانفصال عن المشيمة، ولذلك إذا خرج الطفل قبل اكتمال نموه، فإن نسيج الرئة يكون عاجزًا عن أداء مهامه بالصورة المثلى. ولذا كثيرًا ما أصبحنا نسمع عن حقنة الرئة التي تسرع من أدائها ووظيفتها.
- نقص الأكسجين.. وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية ملاحظة الأبوين لصرخة الميلاد عند نزول الجنين كونها علامة على أن الهواء دخل وخرج على نحو طبيعي إلى الرئتين. أما إذا تأخرت صرخة الميلاد، عندها يدرك الطبيب أن الطفل يعاني من نقص الأكسجين، ومن ثم يتم نقله إلى إحدى الحضَّانات.
- الالتهابات الفيروسية.
- الجفاف والصفرة.
السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل
من بين الأسباب العديدة التي تؤدي للإصابة الدماغية خلال السنوات الخمس الأولى:
- الحوادث.
- الإصابة بالأورام.
- الجلطات.
- الأمراض المعدية.
- حالات النزيف.
أعراض الإصابة الدماغية
تتفاوت هذه الأعراض من شخص لآخر، فقد تظهر منذ الولادة وقد تتأخر لسنوات لاحقة، وعلى حسب انتشار الإصابة في جسم المريض تتحدد المشكلة، بمعنى أنه إذا وصلت إلى اللغة، سيعاني من مشكلة لغوية، وإذا وصلت إلى البصر، سيعاني من مشكلة بصرية، وهكذا.. ومن بين هذه الأعراض أو العلامات:
أعراض أو علامات حركية.. وأشهرها الرضاعة، فالطفل حديث الولادة المصاب يبدو عليه أنه لا يستطيع الرضاعة أو المص من ثدي الأم. وهنا تتضح أهمية عمل تدريبات لأعضاء النطق للطفل في سن مبكرة، لا سيما تدريبات بيكمان، ليس بهدف تحفيز اللغة لديه، وإنما تحفيز أعضاء النطق التي هي نفسها أعضاء الرضاعة (استثارة حسية).
تجدر الإشارة هنا إلى أن تمارين بيكمان تُستخدم مع حالات الإعاقة الشديدة بغض النظر عن سن الطفل، ويمكن عملها للطفل في أثناء النوم أو في حالات فقد الوعي ومع صغار السن، فالأطفال الصغار عادة ما يعانون مشكلات في المضغ والبلع ويحتفظون بالتالي بالطعام داخل فمهم.

ويمكن للأمهات عمل هذه التدريبات من 5 إلى 8 مرات يوميًا، قبل تناول الرضاعة بنصف ساعة مثلًا على مدار اليوم، ومن السهل الوصول إليها عبر الإنترنت واليوتيوب تحديدًا.
من الضروري كذلك، على الأمهات في هذه المرحلة غمر الطفل لغويًا، والتحدث إليه كثيرًا في أثناء أداء التدريبات، والتفاعل مع ابتسامته، نظراته، حركة يديه ورأسه. لذلك يتعين على الأمهات ألا يتأخرن في غمر الطفل باللغة من سن مبكرة، وعدم الاستماع لمن يقول إن الطفل لا يسمع ولا يعقل ما تقول، فلم التحدث معه؟ إذ يجب على الآباء والأمهات أن يدركوا أن كثرة التحدث للطفل، تنشط اللغة الاستقبالية للطفل، بحيث إذا وصل الطفل عشرة أشهر يمكنه نطق كلمه بابا أو ماما.
الإجراءات الوقائية والتأهيل من الإصابة الدماغية
التدخل المبكر في البرامج العلاجية والتأهيلية من شأنها تخفيف تأثيرات الإعاقة. فرغم أن الإصابة الدماغية حالة غير قابلة للشفاء التام، فإن البرامج العلاجية والتأهيلية المبكرة من شأنها المساعدة في تحسن الحالة.
من الإجراءات الوقائية في هذا السياق، الاهتمام بصحة وتغذية الأم في أثناء الحمل وقبله، وإجراء فحص ما قبل الزواج، مع متابعة الفحوص الطبية في أثناء الحمل، وفحص ضغط الدم والسكر دوريًا، وتجنب تناول العقاقير والأدوية والكحوليات وكذلك التدخين السلبي منه والإيجابي وغيرها من الإجراءات الأخرى.
أنواع الشلل الدماغي
يمكن تصنيف أنواع الشلل الدماغي بناءً على عاملين رئيسين:
حسب الجزء المصاب من الجسم
-
شلل أحادي: يؤثر في طرف واحد فقط (ذراع أو ساق).
-
شلل نصفي: يؤثر في جانب واحد من الجسم (ذراع وساق في نفس الجانب).
-
شلل سفلي: يؤثر على الساقين بشكل أساسي.
-
شلل رباعي: يؤثر على الأطراف الأربعة والجذع.
حسب طبيعة ضعف العضلات
-
الشلل الدماغي التشنجي (Spastic): هو الأكثر شيوعًا (حوالي 65-80%)، ويتميز بزيادة توتر العضلات وتيبسها.
-
الشلل الدماغي الارتخائي (Athetoid/Dyskinetic): يتميز بحركات لا إرادية وتغير مستمر في توتر العضلات.
-
الشلل الدماغي الرنحي (Ataxic): يتميز بمشاكل في التوازن والتنسيق الحركي الدقيق.
-
الشلل الدماغي المختلط (Mixed): يجمع بين أعراض نوعين أو أكثر.
هل يؤثر الشلل الدماغي في الذكاء؟
الإجابة تعتمد على حجم ومكان الإصابة في الدماغ، الفرق بين الإصابة الدماغية المنتشرة والمحدودة هو العامل الحاسم:
-
الإصابة الدماغية المنتشرة: تأخذ جزءًا كبيرًا من الدماغ، وغالبًا ما تؤثر في القدرات المعرفية والذكاء ومراكز اللغة.
-
الإصابة الدماغية المحدودة: تكون محصورة في منطقة أصغر، وفي هذه الحالة قد لا تتأثر القدرات العقلية واللغوية للطفل، إذًا، ليس كل طفل مصاب بالشلل الدماغي يعاني من تأخر عقلي، فالكثير منهم يتمتعون بذكاء طبيعي أو أعلى من الطبيعي.
هل الإصابة الدماغية وراثية؟
هي حالة غير وراثية في معظم الحالات، بمعنى أنها لا تنتقل مباشرة من الآباء إلى الأبناء. ولكن، بعض العوامل الوراثية النادرة قد تزيد من خطر حدوث المشاكل التي تؤدي إلى الشلل الدماغي.

كيف يساعد التدخل المبكر في تحسين حالة الطفل؟
التدخل المبكر في حالات الإصابة الدماغية من شأنه تخفيف تأثيرات الإعاقة. فرغم أن الإصابة الدماغية حالة غير قابلة للشفاء التام، فإن البرامج العلاجية والتأهيلية المبكرة من شأنها المساعدة في تحسن الحالة بشكل كبير. من الإجراءات الوقائية في هذا السياق، الاهتمام بصحة وتغذية الأم، وإجراء فحص ما قبل الزواج، ومتابعة الفحوص الطبية في أثناء الحمل، وتجنب تناول العقاقير والكحوليات والتدخين.
ما أفضل طرق التأهيل للأطفال المصابين بالشلل الدماغي؟
يعتمد التأهيل على فريق متكامل من المتخصصين، وتشمل أفضل الطرق:
-
العلاج الطبيعي: لتحسين المهارات الحركية الكبرى مثل الجلوس والمشي وتقوية العضلات.
-
العلاج الوظيفي: لمساعدة الطفل على أداء مهام الحياة اليومية مثل الأكل وارتداء الملابس والكتابة.
-
علاج النطق واللغة: لمعالجة الحبسة الكلامية عند مرضى الشلل الدماغي وتحسين قدرتهم على التواصل.
-
تدريبات بيكمان لأطفال الشلل الدماغي: هي تمارين حسية تستهدف عضلات الوجه والفم، وتفيد بشكل كبير في تحسين الرضاعة والمضغ والبلع، وتمهد الطريق لتحسين النطق. ويمكن للأمهات تعلمها وتطبيقها يوميًا. ويبرز هنا دور الأم في تنمية لغة الطفل المصاب بالشلل الدماغي بغمره لغويًّا والتحدث إليه باستمرار، مما ينشط اللغة الاستقبالية لديه.
هل يمكن علاج الشلل الدماغي نهائيًّا؟
لا يوجد علاج شافٍ تمامًا للشلل الدماغي لأن الإصابة في الدماغ دائمة، لكن برامج التأهيل المستمرة يمكنها تحسين القدرات الوظيفية ونوعية الحياة بشكل كبير ومنع تدهور الحالة.
خلاصة القول.. مريض الإصابة الدماغية لديه مشكلة حركية ولغوية، وقد يصاحبها ضعف سمعي مركزي، وضعف بصري مركزي، وصرع وتأخر عقلي، وحبسة كلامية، وكلما كانت منطقة الإصابة أكبر، أثَّر ذلك في ذكاء الطفل (التأخر العقلي). هذا في حالة الإصابة الدماغية المنتشرة، أما في حالة الإصابة الدماغية المحدودة، فقد يصاحبها حبسة كلامية وقد لا يصاحبها، غير أنه وفي كل الأحوال لا يصاحبها تأخر عقلي أو لغوي أو صرع.
ويجب التأكيد على أهمية التدخل المبكر، ليس بهدف العلاج، فالإصابة الدماغية لا يوجد علاج لها، وإنما يمكن تحسين حالته ومنعها من التدهور من خلال التأهيل المناسب.
وأنتم أعزائي القراء، شاركونا آراءكم: هل تعتقدون أن هذه المقالة كانت مفيدة لكم؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.