الشعيبية طلال رائدة الفن العصامي في المغرب وتحليل تجربتها الفنية

نادرة هي التجارب المتمحورة على العصامية، والمتشبِّعة بمفاهيمها. على سبيل المثال، ضمن هذا المقال سنتطرَّق إلى إبداع المغربية الرَّاحلة الشعيبية طلال، بوصفها فنانة عالمية، نشأت خارج المؤسسة الأكاديمية، وتحوَّلت سريعًا إلى ظاهرة فنية كبيرة يُشار إليها بالبنان.

نستعرض في مقالنا هذا، جدليَّة الفنِّ والعصاميَّة من خلال تسليط الضوء على السيرة الفنية للشعيبية طلال، وما تضمنته هذه التجربة الفنية من أسرار للألوان، ومضامين جمالية، وأبعاد نفسية واجتماعية، ودلالات إستطيقية تعكسها روح العصامية الفنية، وترعى معانيها الوجودية والهوياتية، خارج النظام التقليدي المعتاد للفن. تُعد الشعيبية طلال المثال الأبرز لـ الفن العصامي في المغرب.

جدلية الفن والعصامية: المفهوم وعلاقة العصامية بالفن التشكيلي

في هذا السياق، تتخطى الممارسة الفنية، مجرَّد كونها صناعة بصرية أو تشكيلية، إلى ما يؤهلها لتقمص الأدوار الثقافية والتراثية من موقع تاريخي واجتماعي، يشير إلى حجم الارتباط وقداسة الصلة بـ الفن الشعبي المغربي المتحرر من القواعد الأكاديمية الصارمة والمتحجرة، أي حين يمارس سلطته على المتلقي، باعتباره فنًّا فطريًّا.

أما العصامية فالمقصود بها تلكم القدرة التي يمتلكها الفرد على المباشرة الذاتية بالإبداع، من غير اعتماد كلي على رهانات التكوين الرسمي أو الدعم المؤسَّساتي. وتُعرف العصامية الفنية بأنها عملية التعلم والإنتاج الفني التي تعتمد على الموهبة الداخلية والتجربة الشخصية، وهي تمثل تحديًا مباشرًا لمقولة «هل يحتاج الفنان إلى تكوين أكاديمي؟».

لذا فالعصاميَّة تقف عند تقاطع «المبادرة الفرديَّة» و«خيارات الأنساق»، أي أنها تحمل ضمنيًا، وفي طيَّاتها جملة من التناقضات: استقلالية الإرادة، وهشاشة إن لم نقل شحُّ الموارد والدعم.

السيرة الفنية للشعيبية طلال: من البداوة إلى العالمية

 تتجسّد تجربة الشعيبية طلال في رحلة فنية استثنائية بدأت من عمق البداوة المغربية بكل ما تحمله من بساطة وصدق، لتنتهي إلى اعتراف عالمي بصوتٍ تشكيلي فريد، بعد أن حولت تجاربها الإنسانية القاسية ومخزونها الشعبي إلى لوحات تنبض بالحياة.

الشعيبية طلال من مواليد سنة 1929، أزمور، المغرب

المناخ الاجتماعي والملامح الأولى للتجربة

الشعيبية طلال من مواليد سنة 1929، بجماعة اثنين اشتوكة، أزمور، المغرب. أما عن النشأة ففي محيط شعبي جدًا، غير حضري، أكسبها روح البداوة وبساطتها كما عمقها، في الوقت الذي حال دون تمكُّنها من الاستفادة من التلقين الرسمي.

قبل بروز موهبتها في الرسم، اضطرت للعمل خادمة إثر وفاة زوجها كي تتمكن من إعالة ابنها علي طلال، كي تدخل جميع هذه العناصر: الفاقة والحرمان والعمل البدني الشاق والانتماء البدوي، في تكوين شخصيتها النموذجية والاستثنائية انتهاء. يظهر تأثير البيئة الشعبية في الكوين الفني لطلال في اختيارها للموضوعات اليومية والاحتفالية، ورفضها للمفاهيم الفنية المعقدة.

الاكتشاف والتحول: دور الناقد بيار غودير

يعد الناقد الفرنسي بيار غودير (Pierre Gaudibert) الذي كان له دور رائد في الكشف عن الفن الفطري أول من أثارت اهتمامه موهبة الشعيبية طلال، في بدايات الستينيات، على نحو صنَّف بصمتها الأولى في الرسم خارج الإطار الاعتيادي لـ الفن التشكيلي المغربي، ليكون عام 1969 بالضبط هو التاريخ الرسمي لانطلاق الشعيبية طلال نحو العالمية، عبر أعمال فنية بديعة عُرضت في أحد الصالونات الفنية لباريس.

هو تحول وانفلات من أعمال بسيطة ورسومات عفوية جدًا، إلى حركية فنية عالمية، تتم من خلالها ترجمة الغائية العصامية، في حالة «الفنان العصاميِّ» المنطلق من نقطة الصفر.

أسرار أعمال الشعيبية طلال: قراءة نقدية في الأسلوب الجمالي

 تكشف أعمال الشعيبية طلال عن عالم بصري متفرّد، يتجاوز حدود البساطة الظاهرة ليغوص في عمق التعبير الجمالي الشعبي.

تأثير البيئة البدوية في لوحات الشعيبية طلال

لقد استمدت تجربتها الاستثنائية، من إيحاءات طبيعة الريف، وإلهام الحياة البدوية البسيطة جدًا والمنطوية على الجلال والرهبة والعمق، بحيث ميَّز تفاصيلها الحضور القوي لألوان تعرية الجزئيات، وكثافة التشكيل المبسَّط. إن تحليل تجربة الشعيبية طلال الفنية يُظهر أن لوحاتها تمثل سجلاً بصريًّا حيًّا لذاكرتها البدوية، فتُستخدم الألوان الجريئة والحارة (الأحمر والأصفر والأخضر) بتلقائية شديدة، ما يُكوِّن أسرار ألوان الشعيبية طلال. ويشير الناقد المغربي محمد شبعة إلى أن هذا الفن هو احتفال بالبدائية الجميلة.

إنه وعلى الرغم من عدم إحاطتها بقواعد الفن الأكاديمي، استطاعت أن تصقل الخام والفطري في تجربتها، كي تطوره وتحوله إلى لغة بصرية معبِّرة وصافية وهادئة.

بذا قد تبوأت من خلال تجربتها حيِّز المابين، فتوسَّطت؛ نظرًا لقوة المبادرة الفنية الذاتية التي تمتَّعت بها، مدرسة «الفن الشعبي» و«الفن العصري».

متلازمة الاعتراف: تحديات الدعم المؤسساتي والشك المحلي

اصطدمت موهبة الشعيبية الفطرية في بداياتها بغياب الدعم المؤسساتي وبحاجز الشك المحلي الذي لم يستوعب فرادة أسلوبها، وواجهت نظرة مترددة تجاه فنّها “غير الأكاديمي”، قبل أن تأتي المعارض الدولية لتكشف قيمته الجمالية وتمنحها اعترافًا واسعًا فتح لها أبواب العالمية.

كيف انتقلت الشعيبية طلال من المحلية إلى العالمية؟

إن الإجابة على سؤال كيف انتقلت الشعيبية طلال من المحلية إلى العالمية؟ تكمن في الذاتية والتميُّز الفطري. إن إبداع اللغة الفنية ذات الهوية الخاصة والمستقلة، عبر التقاط أدق تفاصيل ما يوحي به تشابك المعطيات الآنفة الذكر، في نظير هذه التجربة المتجذرة، في غياب التكوين والتجهيزات الأساسية، يعتبر أكبر انتصار للعصامية الفنية، كما هو الحاصل مع الفنانة المغربية الكبيرة الشعيبية طلال. ومردُّ كامل هذا إلى الإرادة الفولاذية والإقدام الذكي والاستمرارية.

استمدت الشعيبية طلال تجربتها الاستثنائية من إيحاءات طبيعة الريف وإلهام الحياة البدوية البسيطة جدًا

تحديات الموارد والدعم المؤسساتي

إنها عصامية اصطدمت بعدد من الإشكاليات، لقد اشتغلت الشعيبية طلال بحماس كبير، في غمرة شحِّ الموارد، ومن غير انتماء فعلي إلى الشبكة المؤسَّساتية القوية التي قد تغذي بدايات التجربة الفنية؛ ما طرح أمامها تحديات جمَّة، في مجال التقدير المحليِّ الوطني المدعوم.

وعلى الرغم من شهرتها، واجهت «بلاهة» نقدية محلية أفتت في كثير من المحطات بـ«تقليدانية» تجربتها التشكيلية، ونزع خطاب الجدية منها. وفقًا لدراسة حول الفن المغربي، فإن التعامل مع الفن الشعبي المغربي كان غالبًا ما يُصنِّف تحت إطار الفولكلور وليس الفن الجاد.

متلازمة الاعتراف وطنيًا ودوليًا

من المثير للاهتمام أن الشعيبية أحرزت الاعتراف العالمي الكبير، بولوجها موسوعات ومعارض كبيرة، بيد أن تجربتها في المغرب كانت تتم مقاربتها من زاوية فطرية أو شعبية الفن، لا أقل ولا أكثر.

 وقد حفَّ هذه التجربة الفنية الخاصة، التشكيك في عصريتها، لعل مثل هذا التناقض المتمثل في فلسفة الاعتراف الخارجي مقابل الشكِّ والجحود المحلي، يُظهر إلى أي مدى يمكن للعصامية الفنية تأدية المكانة والأدوار الاستثنائية، وإن طبعتها مواجهة النظرة الداخلية والاصطدام المباشر مع التوقُّعات الأكاديمية.

العصامية بوصفها فعلًا إبداعيًا متحرِّرًا

هكذا نلفى التجربة الفنية لدى الشعيبية طلال، مسكونة بإيقاعات التحرر من واقع الفقر والجهل وقساوة حياة البداوة والجلد الجسدي والنفسي، ومحقِّقة لأبهى صور الانتقال والتحولات الوجودية الكبرى. لذا فهي تجربة استشفاء بالفن وعن طريقه، حسب روايات بعض النقاد.

هل يحتاج الفنان إلى تكوين أكاديمي؟

العِبر وأسئلة مفتوحة هكذا يمكن جرد المستفاد من السالف ذكره على النحو التالي:

  • على الرغم من الافتقار إلى التكوين، بإمكان الإرادة القوية والمبادرة الذاتية، فتح الآفاق نحو العالمية والمجد، باحتراف الفن.
  • اصطباغ الفن العصامي بأصالة التعبير والمصداقية في الارتباط بالمادة والواقع.
  • التكوين الأكاديمي لا يعدُّ شرطًا للتميز، مع أنه الورقة الرابحة في دعم التجربة الفنية ومفتاح إعرابها وتعريفها؛ لذا وعطفًا على كل ما ذكر، يفرض التساؤل الموالي نفسه، بإلحاح على مثيل هذه التجارب، إذ كيف يُدمج العصاميُّ في المنظومة الفنية الوطنية؟ هل يُعامل كمثال أو نموذج موسوعي؟ أم يقبل كما هو وعلى حاله، خارج الفهم المؤسساتي؟ وهذا يقود إلى تساؤل آخر، إذ كيف للمؤسسة الثقافية أن تحمي هذا الإرث، وتصون هذه النوعية الاستثنائية من الفن؟ كحالات التعرض للسرقة أو الضياع. والتساؤل أيضًا بشأن قيمة الاعتراف الدولي التلقائي، إذا ما كان بإمكانه أن يجرَّ إلى تقدير وقيمة محلية أكثر نجاعة وانفتاحًا مصححة للنظرة الضيقة إلى الفنان التي قد تحاول تجريد تجربته من بعدها الفني في عصرنة خطابه.

في الختام، نخلص إلى أن السيرة الفنية للشعيبية طلال تحقق المثال الحي لجدليَّة الفنِّ والعصاميَّة، فتفيد كيف ينشأ الفنُّ خارج أسس التقليدانية، وكيف ينتقل الإبداع من المحلية إلى العالمية، وكيف تواجه المبادرة الذاتية أسئلة الاعتراف والمكونات المؤسساتية.

إن تحليل تجربة الشعيبية طلال الفنية يجيب على سؤال هل يحتاج الفنان إلى تكوين أكاديمي؟ دراسة حالة الشعيبية طلال تؤكد أن الموهبة الصادقة قادرة على اختراق الحواجز.

هي تجربة استقصاء للحرية في التكوين، والتعبير الذاتي القادر على صناعة البصمة الخاصة ذات العمق الحقيقي والفاعل، على الرغم من بدائية الأدوات. بسائر هذا، تقدِّم لنا الشعيبية طلال رسالة جلية مفادها أن الفنَّ ليس حكرًا على خرِّيجي المعاهد أو المعترف بهم، إنما هو أيضًا حقٌّ لمن كان له صوتٌ يرغب في أن يسمعه العالم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة