لماذا لا يختفي الشعور بالخزي والعار في العلاج النفسي؟

يُعدُّ الخزي أو العار من أكثر المشاعر صعوبة في التجربة الإنسانية، وأكثرها تعقيدًا في العمل العلاجي. فهو لا يظهر عادةً على هيئة شكوى مباشرة، ولا يتم التعبير عنه بوضوح، بل يتخفَّى خلف الصمت، أو التردُّد، أو الانسحاب، أو النقد القاسي للذات.

على عكس بعض المشاعر مثل القلق أو الحزن، والتي لا تتعلَّق بما نفعله، بل بما نعتقد أننا نحن عليه، وهو شعور يمسُّ الهوية، ويجعل الشخص يرى نفسه ككلٍّ معيب، لا كسلوك يمكن فهمه أو تغييره.

كيف يظهر العار داخل الجلسة العلاجية؟

من النادر في مكان ما أن يقول المنتفع أو طالب الخدمة النفسية: «أنا أشعر بالعار والخزيِّ». وغالبًا ما يظهر العار عبر إشارات غير لفظية، مثل تجنُّب النظر، وتغيُّر نبرة الصوت، والضحك في غير موضعه، أو التراجع المفاجئ عن فكرة كان على وشك الإفصاح عنها. ففي هذه اللحظات، لا يكون العار في محتوى الكلام، بل في العلاقة مع الذات ومع الآخر.

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن العلاج النفسي يهدف إلى القضاء على العار، أو استبداله بأفكار إيجابية، فالعمل العلاجي الأكثر نضجًا لا يسعى إلى محو العار، بل إلى تغيير علاقة الشخص به.

فالعار لا يهدأ بالتطمين السريع، ولا يزول بالتحليل العقلي وحده، ولا يتفكك بالنصح المباشر، وما يحتاجه العار هو أن يُختبَر داخل علاقة آمنة، لا يُقابَل فيها الانكشاف بالرفض أو التقليل.

البقاء بدل الإصلاح

أحد أهم التدخُّلات العلاجية مع العار هو ما يمكن تسميته البقاء العلاجي؛ وهو أن يستطيع المعالج أن يبقى حاضرًا دون استعجال التفسير أو الإنقاذ، ودون محاولة تصحيح شعور المراجع أو نفيه، ولهذا الحضور الصامت والمتَّزن يرسل رسالة علاجية عميقة فحواها: «يمكنك أن تُرى كما أنت، وأن تبقى مقبولًا».

البقاء العلاجي

ومع تكرار هذه الخبرة، يبدأ العار بالتحوُّل من مركز الهوية إلى خبرة نفسية يمكن احتواؤها، وتشير الأدبيات النفسية إلى أن العار ليس صفة فطرية، بل غالبًا ما يكون أثرًا علائقيًا، يتمثل في نظرات استهجان متكرِّرة في الطفولة، أو صمت مؤلم في لحظات احتياج، أو رسائل ضمنية تقول: «كن أقل»، أو «لا تُظهر هذا الجزء منك».

عندما يصبح الخزي جزءًا من القصة لا تعريفًا للذات

ولأن العار تشكَّل داخل علاقة، فإن تحوُّله الحقيقي لا يحدث إلا داخل علاقة أخرى أكثر أمانًا، والعلاج النفسي هنا لا يَعِدُ بحياة خالية من العار، ولكنه يقدِّم ما هو أعمق وأصدق، كأن لا يعود العار هو التعريف الوحيد للذات، وأن يستطيع الشخص أن يرى نفسه كإنسان، لا كخطأ، حينها؛ لا يختفي العار تمامًا، لكنه يفقد سلطته، ويصبح جزءًا من القصة، لا كلَّها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.