الشعر والسينما

لقدْ تَحدَّث الْكَثيرون عنْ عَلاقَةِ السِّينما بالرِّواية، ورأوْا أنَّها عَلاقةٌ مُبرَّرةٌ بِأكْثَر مِنْ سَبَب، فكُلُّ واحدٍ مِنْهُما يَسْردُ أحْداثَ قِصَّة بأُسْلوبِه الْخاص وتِقْنياتِه الْمَعروفَة. وهُما أيْضاً يَتبادَلان مَصالحَ فنيةً وماديَّة بتكافؤ بيِّنما . فقدْ ظَفِرتْ السِّينِما بِمَعينٍ لا يَنْضبُ منْ الْمَواد السَّرْدِية الْقابِلَة لِلتَّحْويل إِلى سِينارْيوهاتٍ باذِخَة. أمَّا الروايةُ فقدْ حَقَّقت ارْتِفاع مَبيعاتِها بعْد نَجاح الْأَفْلام الَّتِي اقْتبَستْها؛ ويُذكر ـ في هذا السِّياق ـ أنَّ ما بِيع منْ نُسخ رِواية (مُرْتَفعات وِيزرنْج) لإيمِيلي جين برونتي الَّتي نُشِرتْ سنة 1847، بعْد عَرض الفيلم الَّذي أُخِذَ عنْها، يفوقُ ما تمَّ بَيْعه خِلال الإثْنين وتِسعين سنةً السَّابِقَة منذُ صُدورِها. في حين تَبْقى عَلاقَةُ الشِّعْر بِالسِّينما مُثِيرة لِلالتِباس، بِسببِ انْتِفاء مُبرّراتٍ ظاهرةٍ وواقعيَّة لهَذه الْعلاقَة الْمُفتَرضة. لقدْ دَرج النَّاس عَلى اعْتِبار الشِّعر فناً عصيّاً وغامضاً، يَسْتلزِم تَلقّيه معرفةً عَميقةً ومرجعياتٍ واسِعةً، عِلاوةً على التمكُّن منْ عُلوم الآلةِ وتَطوُّر الاتِّجاهات البَلاغيَّة والشِّعْرية في العالَم... في حِين ظلَّتِ الشَّاشةُ الفضيّة رديفةً لِحكاياتٍ مُتناسِلةٍ وقَصص مُتواتِرة، لا يَتطلَّب تَلقِّيها وفَهْمها سِوى مَعرفةٍ بلُغة الْحِوار الدَّائرِ بيْن أَبْطال الفيلم وشُخُوصِه.

لقدْ اكْتسبَت السينما صِفتَها بِاعْتبارها فنّاً أَصيلاً. وهيَ اليوْم "حِين تَلْجأُ إلى اسْتِخدام الْفُنون الأُخرى، ومِنْها المَسرحيَّة والرواية، لا تَلْجأُ إليْها كَما كانتْ تلجأ إليْها مِنْ قَبْل كيْ تَسْتَمدَّ مِنْها حياتَها. وإنَّما تَخْلُق مِنْها أَعْمالاً فنيَّة أصِيلة طِبْقا لِقَوانِينها السِّينِمائيَّة" (هاشم النحاس: نجيب محفوظ على الشاشة 1975: 35).

لَكنْ معَ تطوُّر نَظريَّات التَّلقي وتَقدم الدِّراسات السِّيميائية لِلظَّواهر الفَنية، وما عرفتْه كذلك اللُّغةُ الشِّعرية منْ تَحوُّلات كبيرة أغنت إوالياتِها وشفراتِها، مِثْلما وَسَّعتْ مَفْهوم الشِّعْر في حدِّ ذاتِه، ومَع تطُّور الاتِّجاهَات والمَدارِس السِّينمائيَّة في العَالم، وانْزياح عدد من المخرجين وكتاب السيناريو عن المألوف، مع كل هذا أصبح بوسع المهتمين فتح ما انْغلَق مِنْ حُدود التَّمْييز بيْن الأنوَاع الأدَبيَّة والفَنية، وَأتاحَ فُرصَ التَّقليص مِن مِعْيارية لُغات التَّواصل، مِما فَسَح المَجال لاخْتِلاط الْحُدود بَيْن الْفُنون وَتحْقيقِ تَواصُل وتَبادُل فَعالين بيْنها. وَصار بِالاسْتِطاعَة الحَديثُ عنْ إمْكانيةِ الرَّبْط بَيْن الشِّعْر والسِّينِما، حيثُ أصْبح بمَقدُور النُّقادِ والدَّارسِين مِن الطَّرفيْن (الشّعر والسّينما) الْحَديث عنْ فيلمٍ مَليء باللَّقَطات الشِّعْرية والصُّور الْفَنيةِ، أو عنْ قَصيدَة تُكْثِر مِن اسْتخدامِ الْمُونتاج والتَّقْطيع ومُختلِف التِّقْنيات الْمُعتمَدة عادةً في مَجال السِّينما... بلْ أَضْحى مِن الْمُعتاد تَصنيفُ أفْلام مُعينَةٍ في خَانة السِّينما الشِعْرية. كأفْلام الْمُخرِج والكاتِب الإِيطالي بيير باوْلو بازوليني (1922 ـ 1975) الَّذي مَارس الْكتابَة الشِّعْرية وَالأدبيَّة بالإِضافَة إلى اهْتِمامِه الأَساس بِكتابة الأفْلام وإخْراجِها. وهُناك أفْلامٌ كثِيرة صَنَّفها النُّقاد في السِّينما الشعْرية مِنْ قَبِيل (الْكلب الأندلسِي 1929) للويس بُونويل، و(الجَميلة والوحْش 1946) لجان كُوكْتو و(سَتحملُنا الرِّيح 1999) لعبَّاس كياروستامي، و(دَائرة الشُّعراء الْمَفقُودين 1989) لبيتر وير، و(المُهاجر 1994) ليوسُف شاهين، واللاَّئِحةُ طويلة جدّاً. وغَنيٌّ عَن التَّذْكير أيْضاً أنّ شُعراء كباراً مارسُوا السِّينما منْ خِلال كِتابة سِيناريوهات وإخْراج أفْلامٍ نَذْكُر مِن بَينهمْ: أَبولينير Apollinaire  وسنْدراس Cendras ودِيسنُوس Desnos وبريفِر Prévert، وغَيرهمْ.

إنَّ افْتراض وُجود سِينما شعْرية لا يُقصد بِه دائماً وُجود ذلكَ الفيلم الَّذي تُنْشَدُ فيه الأشْعارُ المَعروفَة على لِسانِ أبْطاله؛ أوْ ذَلك الذِي يَسْتحضِر سيَر الشُّعراء سَرداً أو توْثيقاً فقَّط. وإنَّما ـ أيضاً ـ ذلكَ الذي نَجد الْبطلَ فيه هُو الأُسْلوب وطَريقةِ سَرْد الأحْداث. بِمعْنى الإهتِمام المُضاعَف بكيْفية اسْتثمارِ الْوسائِل التَّعْبيريَّة. كمَا نجدُ البَطل فيهِ أيضاً هو اللَّقَطات المُكَثفة والمُوحية بِالدَّلالات الْعَميقَة التي تَتجاوز سُطوح الْحِوارَات المُبتذَلة في الْحَياة اليَومية إِلى الاحْتِفاء بالحُمولَة الرمْزية للأحْياز المَكانِية، تِلْك التي تُخْصبُها الإضاءَة الطبِيعية أوْ الاصْطناعية حسَبما يفْرضُه السِّياق. كمَا تعَزز بُعدها الإيقاعي المَسْموع بِخلفِياتِ الْمُوسيقى التَّصْويرية الَّتي يَجْري تَأليفُها خِصِّيصاً للْفِيلم.  

لقَد كَتب جان كُوكْتو ذاتَ مرَّة: "مَحْكوم على السِّينما بأنْ تكُون شِعرية، ولا يُمْكنها أنْ تَكُون إلا كَذلك، إذْ يَصْعُبُ نفي هَذه الخاصّية عنْ طَبيعتِها، وسَيبْقى الشِّعر دائماً ههُنا، بيْن يَديْها، لا يمْنعُها شَيء منْ استِثماره". وهو حتْماً يعني الخُروج منْ رُوتين الْحِكاية وَضيْقها، إلى أفْياءِ السِّحْر والْحُلم، والانْتصار لتلقٍّ ذكيٍّ، ينتقِلُ بالمُشاهِد منْ حُدود الْمَرئي إلى لانِهائية اللاَّمَرئي.

ثُمَّ إنّ موْضوعَ (عَلاقَة الشِّعْر بالسِّينما) ليْس جَديداً. فقدْ طرِح منْذ عشَرات السَّنوات، والسّينما ما تزالُ تخْطو خَطواتِها الأولى تِقْنياً وفنيّاً. ولعَل الفَضْل في ذلك يرْجعُ للشَّكْلانيِّين الرُّوس الذينَ قلَبوا مَوازين النَّظرة التقْليدِية للُّغة ولِلأدَب والفنِّ عُموماً، منْ خِلالِ نظَريتِهم الْمُسْتقاة مِنَ التَّطور الَّذي حَصل في حقْل اللِّسانيَات، بفَضْل العَرَّاب الأوَّل للسانِيين العالمِيّين فردناند دو سوسير. وغَدا الفِيلم، تبَعاً لذلكَ، ليْس هُو الذي يُعرضُ في القاعَة أمامَ الجُمْهور، بلْ ذلكَ الذي يَنتقِل إلى عقْل المُشاهد، فيَعمل على توْسيعِ دلالاتِه وأبعاده انْطلاقاً مِمّا مارسَه هذا المُشاهِد منْ تأويلٍ مَدْعُوم بثقافتِه وقُدراته على تَحْليل الْعلاقات القَائمة بيْن اللقَطات. ومَعْنى ذلكَ أنَّ لقَطات الفِيلم (الشّعري) مُوازية للْكلمات في قَصيدة ما. ويَكاد نُقّاد أفْلام المُخْرج الرُّوسي أنْدريه تاركوفسكي Andreï Tarkovski أنْ يجمعوا عَلى أصَالة أسْلوبِه في المَنْحى الشِّعْري الَّذي وضع فيه تجْربته. فـقَد اتَّجه إلى جَمالية أُخْرى مُختلفَة عنِ السَّائد، حيْث تُشبِه بنيةُ فيلمِه بنيَة نصٍّ شِعْري. فلا تَرابُط بيْن الأحْداث، إذْ يغِيبُ التَّسلسُل وتَضمَحل الحبْكةُ. فهُو يجْعل منَ الصُّورة وحْدة مَرئية تعْبيرية مَفتُوحة على كُل الاحْتمالات. وكأَنه بِذلك يُحفز المُشاهِد على الإسْهام الفِعليّ في ملْءِ الفَجواتِ بما يُمْكن أن يُقدِّمه منْ تَأويل للْمَادة الفِيلمية التي تكاد أن تكون خامّاً، ومن ملْءِ للفجَوات. وهكذا يقف تاركوفسكي موقفاً حذراً من اللغة وهَذا ما "ينْعكِس في فيلمِه (المِرآة). فكَما في كل أفْلامه يعْتمد تاركُوفسكي عَلى الصُّورة التِي تظْهر بِشكْل لوْحة فنيةٍ، وكأَن تاركوفسكي يرسُم بكاميرتِه ملامِح الصُّورة التي يُريد أنْ يحَمّلها ما يُريد" (علاء الدين العَالم ـ فيلم المِرآة لتاركوفْسكي ـ مجلة دلتا نون، العدد 2، دمشق 2014، ص 53). 

إنَّ المقْصُود بالشِّعْر السِّينمائي، ليْسَ الشّعر باعْتِباره نوعاً أدبياً بلُغته وبلاغَته

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.