يُعد الشعر الملحمي ذاكرة الشعوب الخالدة وديوان أمجادها وبطولاتها، إنه الفن الذي تُنسج فيه خيوط التاريخ بالأسطورة، وتُخلّد فيه حكايات الأبطال وتضحياتهم من أجل شعوبهم. في هذا المقال، سنغوص في عالم الشعر القصصي والملحمي، ونستكشف خصائصه وعناصره، ونحلل أشهر نماذجه العالمية، ثم نطرح السؤال الأهم: هل عرف العرب الشعر الملحمي؟ وما هو النمط الذي اتخذه التعبير عن بطولاتهم في الأدب الجاهلي؟
الشعر القصصي أو الملحمي أقدم ألوان الشعر، وأثر من آثار العصور المتقدمة، وقد قل كثيرًا في العصور الحديثة، وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن القصص وجد أسلوب النثر أكثر طواعية وملاءمة، وبذلك اضمحل القصص الشعري، وشاع القصص النثري.
ويتميز هذا اللون من الشعر بأن أحداثه تدور حول بطل خارق، وإن وُجد إلى جواره أبطال آخرون إلا إن أدوارهم تكون ثانوية، ويبدو فيه التسلسل المنطقي على الرغم من سيطرة الخيال على أجزائه، وتكاد تنعدم فيه عواطف الشاعر؛ لأنه لا يعبر عن تجربة ذاتية أو وصف مدركات حسية، إنما يعمد إلى سرد أحداث خيالية استوحى جذورها بقدر أو بآخر من التاريخ القومي، وصاغها في قالب شعري، ولم تعرف الجاهلية هذا اللون من الشعر.
أما الشعر الملحمي، فهو «قصة شعرية بطولية قومية، تقوم على خوارق الأمور، وتختلط فيها الحقائق بالأساطير، وتتغلغل القصائد الدينية والروحية في حناياها».
فالملحمة تمثل الجوانب القومية بما تحويه من عناصر مهمة في حياة الشعوب، من الجوانب الدينية والفكرية والاجتماعية، وتمثل أيضًا النظم السياسية والاقتصادية والحربية، وما تحويه من تصوير للجهاد القومي للشعب، وإبراز لعناصر البطولة لدى زعمائه، فتربط الماضي بالحاضر أملًا في استمرار الأمجاد. وقد ظهر ذلك واضحًا في الإلياذة والأوديسا لهوميروس.
أشهر الملاحم الشعرية في التاريخ ما وراء هوميروس
على الرغم من أن الإلياذة والأوديسة هما أشهر نموذجين، فإن الأدب الملحمي العالمي يزخر بروائع أخرى خالدة، منها:
-
ملحمة جلجامش: تعد أقدم ملحمة مكتوبة في التاريخ، وتعود إلى بلاد الرافدين.
-
الإنيادة: ملحمة الشاعر الروماني فرجيل، وتعتبر الملحمة القومية لروما.
-
المهابهاراتا: أطول ملحمة شعرية في العالم، وهي حجر الزاوية في التراث الهندوسي.
-
الشاهنامة: ملحمة الفرس القومية التي نظمها الشاعر الفردوسي.

النموذج الأعلى.. تحليل ملحمة الإلياذة والأوديسة
الإلياذة والأوديسا أعتق الملاحم المكتوبة على الإطلاق، وكان فضل هوميروس على الإغريق أن جعل مجدها مكتوبًا. ومنظومة الإلياذة لهوميروس بضعة عشر ألف بيت من الشعر، متسلسلة الحوادث في موضوع واحد، يشمل أحداث الحرب الطروادية التي قامت على أثر اختطاف هيلينا زوجة أحد ملوك الإغريق بواسطة ابن ملك طروادة. والملاحظ أن الآلهة تؤدي فيها دورًا، فأم هكطور تستميل الآلهة وتناشدها أن تحيطه برعايتها. وتسحق رمح ذيوميد:
ومضت إيقاب في جل النسا *** تقصد المعبد في البرج الأثيل
فرفعن اليد بالولولة
نحو فالاس وسلمن الردا *** لثيانو ربة الخد الأسيل
فلها ألقت به فوق الركب *** ودعت طالبة درء النوب
يا ذمار الدار يأ كل الأرب
اسحقي رمح ذيوميد الألد *** واصرعيه عند أبواب البلد
فنضحي لك إن تحمي الولد
وتحوي الإلياذة أربعًا وعشرين أنشودة، نُظمت في أسلوب يؤثر في النفوس، لتمجيد أبطال اليونان وتسجيل انتصاراتهم، وقد نجح المؤلف في جذب انتباه الجمهور إليها، ونجح في رسم الشخصيات، فأصبحت فيما بعد أنموذجًا يتبعه المؤلفون في جميع أنواع الشعر الإغريقي على حد سواء، بل في معظم الأعمال الأدبية في العصور الحديثة.
أما الأوديسا فتدور أحداثها أيضًا عن حرب طروادة، بعد أن أصبح أوديسوس واحدًا من أبرز القادة الإغريق الذين اشتركوا في الحملة على طروادة، ويظهر واضحًا فيها العلاقة بين البشر والآلهة.
فينلوبي أم تليماك عندما تعلم برحيل ابنها بحثًا عن والده تخشى عليه من المصير الذي ينتظره، فتتوجه بكل أحاسيسها إلى الأرباب، وتضرع إلى الإلهة أثينا تناشدها حمايته (يا ابنة زوس حامل الترس، أصغي إلى صلاتي، يا من لا يتطرق التعب إلى جسمك، بحق ما أحرقه لك أوديسوس كثير الحيل في ساحاته، من قطع أفخاذ عجلة أو نعجة سمينة، أتوسل إليك، أن تهبي لنجدة ولدي العزيز، وجنبيه شر مؤامرة المغازلين).
وقد صور هوميروس في الإلياذة والأوديسا شخصيات خرافية أبرزها في صورة بشعة مخيفة لا يكاد يتخيلها إنسان قط، مثال ذلك عندما يصف سكيلا بأن لها ستة رؤوس في كل رأس منها ينبت صف طويل من الأنياب، وأن لها اثني عشر رجلًا وأنها تنبح كالكلاب.
ومع ذكره لمثل هذه الأمور الخرافية، فإنه يحاول جاهدًا إضفاء بعض الصفات البشرية على هذه المخلوقات الخرافية، والتقريب بين قدرات البشر وقدراتها. وصوَّر الآلهة في قوة خارقة، وأوضح أهميتها ومكانتها في كل من الإلياذة والأوديسا، فكل شيء في النهاية يتوقف على رغباتها وأهوائها.
وقد حاول هوميروس إبراز أبطاله -وهم جميعًا يتصفون بمهارات حربية- في صورة فوق البشر، فقدراتهم وأعمالهم معجزات خارقة. وصوَّر بعض شخصياته في صورة هائلة، وأضفى عليهم من الحكمة والشجاعة ما جعلهم أنصاف آلهة. وجعل القوى الغيبية تتدخل في أحداث الملحمة وتشكلها وفقًا للظروف.

ولعل مثل هذه الأمور التي تظهر في الملاحم عمومًا، وفي الإلياذة والأوديسا على وجه الخصوص، إن دلت على شيء فإنما تدل على إيمان الشعوب التي ظهرت لديها هذه الملاحم بالمعتقدات الخرافية وتشخيصها لقوى غيبية يعجز الإدراك عن تفسيرها.
الملحمة في الأدب العربي.. سؤال البحث عن الذات القومية
وإذا كانت الملاحم كما بينا تصور حياة الأمم قديمًا، فهل اتخذ منها العرب وسيلة لإبراز قوميتهم؟ وما حظهم من هذه الملاحم باعتبارها لونًا من الأدب؟
هل وجد الشعر الملحمي عند عرب الجاهلية؟
الواقع أن الملاحم كانت موجودة من غير شك عند الجاهليين، وجودها عند الأمم الأخرى القديمة، لكن ما فيها من عناصر وثنية -عُدَّت مساسًا بالإسلام- كان مبررًا لإسقاطها عند الرواة والمفسرين المسلمين. فقد كانت تتضمن أفعالًا عن الآلهة، وكانت مفعمة بأسباب السحر والكهانة، وكانت تحمل كل معالم الملاحم الأخرى من صراع تسهم فيه الشخصيات الإنسانية إسهام الآلهة والجن والشياطين والحيوان الممسوخ.
أيام العرب الشكل الملحمي العربي الخالص؟
ويمكن عدُّ الأيام التي حفظت لنا في كتاب (نقائض جرير والفرزدق) وترددت في بعض الكتب الأخرى كالأغاني بديلًا للملاحم، أو يمكن أن تكون هي الشكل الملحمي الذي تبرز فيه نماذج الملك الكاهن الساحر الذي تنزع إليه أرواح الناس في طلب السعادة، ونجد كلامًا كثيرًا عن تأليه الملك، وإن لم نعثر على مصادر تمكننا من استخلاص صورة لشعائره ولمراسيم تنصيبه أو عزله أو قتله.
ونجد في الأيام أيضًا الكاهن الذي كانت مكانته لا تقل عن مكانة الملك، وقد قتل عدة من الكهنة فصدم الناس لقتلهم. وفي يوم (الكلاب الثاني) سخر أحد الشعراء (علقمة بن سباع) من مصرع الكاهن عمرو بن الجعيد قال:
لما رأيت الأمر مخلوجة *** أكرهت فيه ذابلًا مارنًا
قلت له خذها فإني امرؤ *** يعرف رمحي الرجل الكاهنا
وكان صخرة بن لبيد الكاهن قد جند له رمح قبيصة بن خدار الضبي، فقال له: ألا أخبرك بمصرعك تابعك اليوم؟ يسخر منه لزعمهم أن الكاهن لا يموت.
هذا ويبدي لنا شعر الأيام ألوانًا للمعبودات. ما بين تمثال منحوت أو صخرة منصوبة أو نجمة معلقة في كبد السماء. وكثيرًا ما صحبت تلك المعبودات الجيوش الزاحفة، ففي يوم ذي قار سمعنا بصنم يسمى (سيد) وقد قال عنه الأب أنستاس الكرملي إن أصله (سويدو) المعروف في وادي النيل. وفي يوم الفجار ظهر (دوار) الذي ذكره امرؤ القيس بقوله:
فعن لنا سرب كأن نعاجه *** عذارى دوار في ملاء مذيَّل
وقد ذكرت أميمة بنت عبد شمس (الكوكب) تريد بها الزهرة وذلك في يوم الفجار فقالت:
أبى ليلي أن يذهب *** ونيط الطرف بالكوكب
ونجم دونه الأهوا *** ل بين الدلو والعقرب
وهذا الصبح لا يأتي *** ولا يدنو ولا يقرب
وحوَت الأيام مثلثات مقدسة مثل (أجأ وسلمى والعوجاء) في يوم اليمامة، (الملح والنار والرماد) في يوم ذي قار... وكلها من قبيل الثالوث (أساف ونائلة وهبل)، والثالوث (اللات والعزى ومناة الثالثة) الذي كانت تذكره قريش في أثناء طوافها بالكعبة في قولها (واللات والعزى ومناة الثالثة وإن شفاعتهن لترتجى).
وهكذا يتشعب بي القول إذا ذهبت أتقصى أيام العرب وأبين عناصرها الأسطورية، فإن تكوينها على النحو الذي وصلت إلينا به يدل على أنها بديل من الملاحم التي عرفت عند الشعوب القديمة.. بل كانت في نظرنا نمطًا عربيًا خالصًا جمع بين السرد القصصي والشعر، ويوشك الشعر أن يغلب في بعض الأيام.
وقد لوحظ أن شخصيات الأيام كلها تتكلم بالشعر. فالمرأة تشعر كالرجل، والأولاد لا يعدمون الشعر قط في مواقف شتى، ما يلقي في روعنا فورًا أن النسيج الشعري النثري للأيام ليس إلا نسيجًا تقليديًا، احتاجت إليه بعض المأثورات الجاهلية لتظهر في إطار فريد غلب على (القصة) و(الخبر) فيما بعد وبرع فيه رواة العشق.
تُرى أيمكن عدَّ الأيام ملحمة شعبية بعد ذلك؟
لا أستبعد ذلك؛ خاصة أن أحدًا لا يعرف لها مؤلفًا، وإنما برز أبو عبيد (معمر بن المثنى) أكبر جامع لها، وقد صنف لها كتابًا ذكره ابن النديم في فهرسته. وقد ضاع أو لعله هو الذي أفرغه في نقائض جرير والفرزدق عندما صنفه.
وقد كثرت التأليفات في الأيام إلا إن التاريخ لا يؤكدها، وبعضها في الأخبار كان مجرد مساجلات كلامية، وبعضها الآخر لم يكن يذكر فيه إلا ثلاثة رجال أو سبعة، ومحور الحديث نفسه لا يوحي إلا أنه شيء عابر في حدث يومي عادي.
ونجد أيضًا بعض ملامح ملحمية في بعض معلقات الجاهليين، ولا سيما معلقات عنترة وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، ونجد نماذج لها في شعر المتنبي الحربي.
الفرق بين الشعر الملحمي والشعر الغنائي البطولي في الأدب العربي
حتى لو افترضنا أن عرب الجاهلية كانت لهم ملاحم وأن الإسلام قد قضى عليها، ولم يبق منها إلا إشارات واهية، فإن هذا لا يكفي، بل لا بد من وجود المضمون أو الصورة التي يتميز بها نوع من الفنون عن غيره من الفنون الأخرى.

وعلى الرغم من وجود بعض ملامح ملحمية -كما ذكرنا في شعر عنترة مثلًا- فإنه في حقيقة الأمر شعر غنائي كغيره من شعر الجاهليين، فهو لا يقف عند حد وصفه للمعارك، بل يخرج ذاته في شعره فيفخر ويباهي بشجاعته، على خلاف إلياذة هوميروس، حيث لا نلمح فيها أية إشارة إلى ذات الشاعر. يقول عنترة:
وإذا شربت فإنني مستهلك *** مالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندى *** وكما علمت شمائلي وتكرمي
والمتنبي حين يتحدث عن حروب سيف الدولة وانتصاراته في ثغور العرب يمزجها بمدحه للأمير:
وأنت حسام الملك والله ضارب *** وأنت لواء الدين والله عاقد
أحبك يا شمس الزمان وبدره *** وإن لامني فيك السها والفراقد
والبارودي عندما يصف ملاحم كريت يباهي بشجاعته وبسالته، ومن قوله يصف حرب إقريطش:
تستن عادية، ويصهل أجرد *** وتصيح أجراس، ويهتف عاني
قوم أبى الشيطان إلا خسرهم *** فتسللوا من طاعة السلطان
وهذه القصائد جميعًا لا تتمثل فيها ملامح الملاحم الموضوعية، وقد عمدت الشعوب إلى إعادة صياغتها بلغتها العامية خاصة. وقد افتقرت إليها في أدبها الفصيح فاخترعتها على نحو ما فعل في قصص عنترة وأبي زيد الهلالي وغيرهما.
في ختام هذه الرحلة، يتضح أن الإجابة على سؤال هل عرف العرب الشعر الملحمي؟ ليست سهلة. فإذا كنا نبحث عن ملحمة على الطراز الهوميري، فإن الأدب الجاهلي لم يقدمها. لكن العرب أبدعوا شكلهم الخاص من السرد البطولي في أيام العرب الذي مزج النثر بالشعر وحفظ ذاكرتهم القومية. لقد كان الشعر البطولي عند العرب غنائيًا ذاتيًا، على عكس الملحمة الموضوعية. وبهذا، يمكن القول إن كل أمة تصوغ النمط الملحمي الذي يعبر عن روحها وتراثها، وتظل هذه الأعمال، سواء كانت إلياذة أو يوم ذي قار، شهادة خالدة على تطلعات الإنسان وتخليده لبطولاته.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.