الشعر العربي والشعر الفارسي.. قصة التلقيح الفني

نحن نعلم أن جذور الحضارتين العربية والفارسية متجذرة في التاريخ، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بتربتها الخصبة بتفاعلاتهما الدينية والاجتماعية والسياسية وبإرثهما الفلسفي والأدبي والفني وباللغة. ويعد التقارب الثقافي البلاغي والأدبي من أهم جوانب التفاعل بين الثقافتين، لا سيما التقارب الأدبي الذي لم ينفصل عن العوامل السياسية والدينية والاجتماعية.

اقرأ أيضاً عودة للشعر من جديد.. آثاره على الحب وعلاقته بالشعر النيجيري

دليل ارتباط الحضارة العربية والفارسية للبحتري

والدليل هو الوصف الذي قدمه البحتري عن حادثة طرد كسرى أنو شروان الحبشة بعد طلب المساعدة من (سيف بن ذي يزن) ملك اليمن، يقول:

أَيَّدوا مُلكَنا وَشَدّوا قُواهُ    ***     بِكُماةٍ تَحتَ السَنَّورِ حُمسِ

وَأَعانوا عَلى كَتائِبِ أَريا  ***     طَ ، بِطَعنٍ عَلى النُحورِ وَدَعسِ

وهو ما يجسد تنوع وعراقة الترابط القائم بين الجانبين ما أفرز خصائص مختلفة للجوانب المشتركة بين الشعر العربي والفارسي معجمًا وبنيةً وإيقاعًا ودلالةً.

وبسبب القرب الجغرافي بين الشعبين والتاريخ المشترك الذي عززته الوحدة الدينية بعد الفتوحات الإسلامية تبادل أفراد من المجتمعين الكلمات الفارسية والعربية، وسعى كل طرف إلى تعلم لغة الآخر، وقد برع الأدباء من كل جانب في الكتابة بلغة الآخر لا سيما أبناء فارس الذين اجتهدوا في إتقان اللغة العربية بعد الإسلام.

اقرأ أيضاً الفخر في الأدب الجاهلي ( دراسة موضوعية لشعر الفخر عند قيس بن الخطيم )

شعراء أتقنوا الفارسية 

وبالمقابل يوجد بعض شعراء العرب أتقنوا الفارسية واستخدموها في شعرهم لا سيما الذين كان لهم اتصال مباشر بسدة الحكم في بلاد فارس، وأبرز هؤلاء عدي بن زيد الذي نشأ في بلاط الفرس، وكانت صلته وثيقة بحكمهم، فظهرت كثير من الألفاظ الفارسية في شعره، مثل (الدخدار) و(الدمقس) و(الديباج) كما في قوله:

تلوح المشرفيّة ذراه           ***      و يجلو صفح دخدار قشيب‌

وقال:

بِيضٌ عليهنَّ الدِّمَقسُ وبِال   ***        أَعناقِ مِن تَحتِ الأَكُفَّةِ دُر

وقال:

ثِانيَاتٌ قَطائِفَ الخَزِّ والدِّي  ***        باَجِ فَوقَ الخُدُورِ والأَنماطِ

واشتهر أعشى بني قيس باستخدامه الكلمات الفارسية في شعره، فقد اعتاد رؤية الوفود تأتي إلى بلاط الملك وتمتدح كسرى وحاشيته، ومن كلمات الأعشى:

لنا جُلَّسان عندها وبنفسج        ***   وسيْسَنبرٌ والمَرْزَجُوشُ مُنَمْنما

وآسٌ وخيريٌّ ومروٌ وسوسنٌ    ***  إذا كان هِنْزَمَن ورحتُ مُخَشَّما

وشاهَسْفَرم والياسمين ونرجس  ***  يُصَبِّحُنا في كُلِّ دَجْنٍ تغَيَّمَا

ومُسْتُقُ سينينٍ ووَنٌّ وبَرْبَطٌ      ***  يجاوبه صَنْج إذا ما ترنَّما

اقرأ أيضاً الشعر الفلسفي والغزل في العصر الجاهلي

الدمج بين اللغتين العربية والفارسية "الملمعات"

ولم يكتف الشعراء من الجانبين باستخدام كلمات متميزة عن لغة بعضهم البعض، بل إن بعضهم لكونه ثنائي اللغة دمج بعد ذلك اللغتين العربية والفارسية في مزيج نحوي ومعنوي فريد داخل قصيدة واحدة، وكان هذا النوع من الشعر يسمى (الملمعات) الذي ظهر في نهاية القرن الثالث الهجري، وكان ما خطته يد الشعراء الفرس تعبيرًا عن تشبعهم باللغة العربية وازدواجية ثقافتهم، لقد خلطوا اللغتين خلطين:

الأول: نظموا بيتًا عربيًا ثم فارسيًا وهكذا.

الثاني: نظموا بيتًا مختلطًا نصفه عربي والآخر فارسي.

ومن القصائد التي ذاع صيتها في شعر الملامح قصيدة الشاعر (سنائي الغزنويت - 535هـ) التي يقول في بدايتها:

كفتم ازعشق توناجيز شدم كفت نعم   ***  أنا بحرٌ وسعيرٌ أنت ملح وخشب

كفتم آز عشق تو هركز نرهم كفت كه لا *** أنت في مائي وناري كتراب وحطب

ومعنى البيتين بترجمة الشطرين الفارسيين:

قلت من عشقك صرت لا شيء، قال *** أنا بحرٌ وسعيرٌ أنت ملح وخشب

قلت لا أخلص من عشقك أبدًا، قال: لا *** أنت في مائي وناري كتراب وحطب

 ويتبع الشاعر نفس المسار في جميع أنحاء القصيدة مجسدًا التماسك القائم بين اللغتين حتى تصبحا لغة واحدة في النص بفعل اندماجهما في وعي الشاعر وأفكاره، وتتحول الازدواجية إلى مزيج متناغم تكاد تكون المكونات غير قابلة للفصل بسبب ترابطها الوثيق مثل جديلة الشعر التي تتشابك خيوطها.

اقرأ أيضاً الأدب في العصر الجاهلي

عوامل نجاح فن الملمعات

ومن العوامل التي ساعدت في نجاح فن (الملمعات) ما بين الشعرين من اشتراك وتداخل على مستوى الأوزان والقافية.

فالثابت أن الشعر الفارسي قد أخذ عن العرب أساليبهم الإيقاعية ببحورها ونظام القافية الموحدة، ويوجد من يرجح أن بعض الأوزان كانت فارسية، وأخذها عنهم العرب؛ لأنهم لم يستعملوها كثيرًا في الجاهلية، في حين كانت رائجة عند الفرس، وهي بحور المتقارب والرجز والهزج والدوبيت (الرباعي).

إضافة إلى أن الفرس استخلصوا من الأوزان العربية إيقاعات خاصة كالمثنوي والسمط، وهو ما تأثر به المترجمون العرب عن الفارسية، واستعملوه في أشعارهم على منوال الشعراء الفرس.

ومهما يكن من اختلاف الدارسين في أي الشعرين أثر في الآخر إيقاعيًا، فإن إيقاعاتهما متداخلة ومتشابهة، غير أن كل شعر منهما تميز بتركيز شعرائه على أوزان معينة ربما لاختلاف الذوقين العربي والفارسي، ولذلك لم تكن بحور الشعر في شيوعها سواء في الأدبين؛ فالطويل والكامل والوافر والسريع والبسيط والمتقارب من الأوزان الشائعة في العربية، والأوزان الشائعة في الفارسية هي الهزج والرمل والخفيف بالإضافة إلى المتقارب.

اقرأ أيضاً مراحل تطور الشعر العربي في العصر الجاهلي

 شعراء فن الملمعات 

وإذا كان هذا الاختلاف في استعمال الأوزان واضحًا في القصائد العادية، فإن شعراء فن (الملمعات) كانوا أحرص على استعمال الأوزان المشتركة أو تطويع المختلفة منها لتصير متشابهة مع مراعاة الطبيعة الصوتية لكل لغة، من ذلك جمعهم بين الوافر في صورته العربية والهزج في صورته الفارسية لتشابههما إيقاعيًا، «إذ يتشابه الوافر الذي وزنه (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) مع الهزج المسدس المحذوف الذي وزنه: (مفاعيلن مفاعيلن فعولن)، وهو بحر يكثر استخدامه في الشعر الفارسي، ويتناغم أكثر مع الوافر إذا جاء معصوبًا، أي تصبح تفعيلته: (مفاعلْتن مفاعلْتن فعولن) مثال ذلك قول الشاعر:

درونم خون شُد ازْ ناديدَنَ دْوَسْتْ  ***  ألا تعسًا لأيام الفراقِ

مفاعيلن مفاعيلن فعولان            ***   مفاعلْتن مفاعلْتن فعولن

مضتْ فرص الوصال وما شعرنا  ***  بكو حافظْ غَزَلْهاي عراقي

مفاعلَتن مفاعلَتن فعولن            *** مفاعلْتن مفاعلْتن فعولن

ومن دقق في البيت الأول يلاحظ أن صدر البيت الذي باللغة الفارسية، وعجزه الذي باللغة العربية يتوافقان مع ميزة جزئية للوزن الفارسي (فعولان).

أما البيت الثاني فإن صدر البيت وعجزه متشابهان؛ لدخول العصب على البيت، وقد اتبع الشاعر الفارسي قواعد وضوابط العداد العربي دون مخالفة للقواعد. قواعد الوزن في الشعر الفارسي.

وإذا كان التداخل بين القصيدتين واضحًا معجميًا وتركيبيًا وإيقاعيًا، فمن الطبيعي أن يتأثر شعراء الجانبين بالمعاني والموضوعات الواردة في شعر الطرف الآخر.

يوجد تقارب في الموضوعات محتوى أو فكرة، وعدة موضوعات شعرية تبادلها الشعراء أو نقلوها بين اللغتين لتصبح قاسمًا مشتركًا بينهما، فهم يصفون في مقدمتهم الآثار وينظرون إليها ويتناولون موضوع الحب العذري بأبعاد رمزية.

ووقف العرب على الأطلال حزنوا على زوال ماضيهم وذكرياتهم ورحيل قومهم، وتطور ذلك في الشعر العباسي والأندلسي لوصف المدن والممالك ورثاء ما وقع في أيدي العدو أو دُمر، ومن أمهات هذا الموضوع سينية البحتري المشهورة وهي مبكية.

قصيدة "إيوان كسري"

يصف البحتري في هذه القصيدة (إيوان كسرى) والدمار الذي حل به بعد أن كان مكانًا للفرح والبطولة ومجد الملوك، فقد تحول إلى مكان مقفر يتفجّر الموت والفناء في جوانبه المقفرة.

يقول:

نَقَلَ الدَّهْرُ عَهْدَهُنَّ من الْجِدَّةِ      ***  حَتَّى غَدَوْنَ أَنْضَاءَ لُبْسِ

فَكأنَّ الْجرْمَازَ منْ عَدَمِ الْأُنْسِ    ***  وَإِخْلاقِهِ بَنِيَّةُ رَمْسِ

لَوْ تَراهُ عَلِمْتَ أَنَّ اللَّيالي         *** جَعَلَتْ فيه مأَثمًا بَعْدَ عُرْسِ

وَهو يُنْبيكَ عَنْ عَجائِبِ قَوْمٍ      ***  لا يُشابُ البَيَانُ فيهِمُ بلبْسِ

وَإِذا مارَأَيتَ صورَةَ أَنطا       ***   كِيَّةَ اِرتَعتَ بَينَ رومٍ وَفُرسِ

وَالمَنايا مَواثِلٌ وَأَنوشِر           *** وانَ يُزجى الصُفوفَ تَحتَ الدِرَفسِ

الوقوف على الأطلال في الشعر الفارسي 

وكانت هذه القصيدة وأمثالها مصدر افتتان شعراء الفرس بهذا الموضوع، ولهذا عالجوه في قصائدهم بنفس أسلوب العرب، لذلك «كان الوقوف على الأطلال في الأدب الفارسي تابعًا للقصيدة الغنائية، إن جاز التعبير، في الشعر العربي، ولا نحتاج إلا أن نذكر مثالًا من هذا الشاعر الفارسي (منوجهري) في قصيدة من ديوانه، ففي البداية يقف على الأطلال، ثم يمل من فراق محبوبته، فيرحل في شعره على ظهر جمل كما يفعل شعراء العرب، ثم تحول الوقوف على الأطلال إلى توقف على آثار الأدب الفارسي كما ذكرنا سابقًا.

وقد ذكرناه أيضًا في الشعر العربي، ولا نحتاج إلا أن نشير إلى الشاعر الفارسي (خاقاني) في قصيدته في أنو شروان في المدائن لإيوان خسرو، وهو الموضوع نفسه مثل قصيدة البحتري».

وبالإضافة إلى موضوع الخراب ووصف الأفعال، يعد موضوع الغزل العذري من أكثر الموضوعات التي عززت التماسك القائم بين القصيدتين، وإذا كان الموضوع السابق في الأصل موضوعًا عربيًا فتن شعراء الفرس وسار على نهج العرب، فإن موضوع الغزل العذري كان مترددًا بين الطرفين، فقد جلب كل طرف بصمته التي أثرت في الآخر.

ويتجلى ذلك أكثر ما يتجسد في معالجة الشعراء لقصة حب قيس بن الملوح أو مجنون ليلى التي يعود فضل بعثها الشعري في شعراء الفرس إلى الكاتب الفارسي الكبير (نظامي الكنجوي) الذي ألَّف التاريخ في منظومة تضم أكثر من أربعة آلاف ونصف بيت شعر، وتبعه في هذا المجال عدد من الشعراء، ولا شك أن تأثرت القصة بهذا الانتقال إلى الأدب الفارسي، فظهرت سمات فارسية معينة سواء في البنية العامة أم في تفاصيلها.

وهذا التوجه الخاص في معالجة قصة المجنون جعله يتجه بأبعاده الإنسانية وبصمته الفارسية نحو الآداب الأخرى، وعلى رأسها بالطبع الشعر العربي الذي رحب بالجديد في قصة المجنون، لكنه ذو نهج مختلف عن المعالجة العربية التقليدية التي اقتصرت على القصص القصيرة البسيطة التي تُروى في الكتب الأدبية.

وظل هذا المنهج خاصًا بكتب الأدب حتى العصر الحديث، حين قرر أمير الشعراء أحمد شوقي تناول القصة ضمن مسرحيته الشعرية (مجنون ليلى) مستفيدًا من الفارسية مع بعض التغييرات والإضافات ذات النكهة العربية الشوقية.

وهكذا فإن كل جانب يضفي على القصة أبعادًا وأبعادًا جديدة تغنيها وتكشف عن آفاقها الإنسانية والفكرية والفنية إلا أن اللمسات الفارسية كانت الأولى في هذا الصدد، وكان أهم هذه اللمسات هو اللون الصوفي الذي حملته قصة المجنون بين الشعراء الفرس لدرجة أن القصة مثلت أحد أعمدة التاريخ الفارسي والعربي والشعر الصوفي أيضًا.

فالشعر الصوفي ذاته هو إحدى خصائص التلاقح بين الأدب العربي والفارسي، فقد ولد الأدب الصوفي في الأدب العربي واهتم به الأدباء اهتمامًا كبيرًا، ثم انتقل إلى الأدب الفارسي، ثم انتقل هذا الاهتمام إلى الشعراء، وهكذا حدثت التطورات في الأدب الفارسي حتى أصبحت الأعمال الشعرية الصوفية تهيمن على النثر في الأدب الفارسي، بينما كان العكس هو الصحيح في الأدب العربي، فقد ظلت الأعمال النثرية الصوفية هي المهيمنة على الأعمال الشعرية الصوفية.

ولذلك كانت قمم الشعر الصوفي من إبداع شعراء الفرس، وتأثر العرب بهم واستمدوا منهم مذاهب شعرية وفنية مختلفة.

ومن أبرز المذاهب استخدام قصة المجنون في أبعاد فكرية وروحية جديدة.

من هم شعراء الصوفيه؟

تناول شعراء الصوفية الفارسية قصة المجنون من جوانب مختلفة، وفي مقدمتهم الشاعر (نظامي كنجوي) الذي ذكرنا سبقه في نقل القصة إلى الأدب الإيراني، وقد صاحب هذا النقل تغييرات مختلفة حملت بصمة اللغة الفارسية ثقافة لا سيما الفكر الصوفي، وحمل الكنجوي صفة (الأحمق) التي لها دلالات صوفية رمزية مثل حرية العقل واللجوء إلى القلب، والإصرار على العزوبة التي يفضلها الصوفيون على الزواج بعد الزواج من العلاقات الدنيوية التي سعوا إلى الفرار منها، والزهد بالاقتراب من قصور السلاطين.

وإذا كان لـ (نظامي الكنجاوي) الأولوية في توظيف قصة المجنون بطريقة شعرية وصوفية، فإن رباعيات عمر الخيام (430-526هـ) كان لها فضل تعميق الدلالات الصوفية للقصة، ونشر هذا الأسلوب وتأثيره في نطاق واسع تجاوز حدود الأدب الفارسي والعربي وتجاوز العصور إلى يومنا هذا.

الحب غاية لا وسيلة

تمثل قصة أحمق الخيام نموذجًا لحاجة الإنسان إلى الإشباع الروحي، وبهذا يصبح الحب غاية لا وسيلة، وضرورة لا تستمر الحياة دونها، يقول في رباعياته:

 أولى بهذا القلبِ أن يخفِقَا    ***   وفي ضِرامِ الحُبِّ أن يُحرَقَا

ما أضيَعَ اليومَ الذي مَرَّ بي  ***  من غيرِ أن أهوى أو أعشقَا

كما أسهم جلال الدين الرومي (604-672هـ) في إثراء الأبعاد الصوفية لقصة المجنون، واستغلالها للتعبير عن المحن والصعوبات التي يواجهها المؤمنون الساعون إلى إنقاذ أنفسهم من شوائب الدنيا، والحجاب الذي يمكن أن يحيط بالإنسان ما يؤدي به إلى إهدار حياته في محاولة لتحقيق أوهام غير واقعية وجودها فقط في خياله، ومثال ذلك مقطع ضمن نظامه المزدوج، فيجسد حوارًا بين الخليفة وليلى.

يبدأ الحوار بدهشة الخليفة عندما يرى ليلى ويكتشف أنها ليست كما كان يتخيلها، تطلب منه ليلى أن يصمت ويخفي ما رآه، وتخبره أن حقيقة جماله وإرادته مخفية في نظر هذا المجنون وما مثلته له أوهامه.

قصص  الحب العذري في شعر الصوفية

ومن هذا المنطلق بدأ شعراء الصوفية العرب في استحضار قصص الحب العذري على غرار شعراء الفرس، وبقيت هذه الظاهرة حاضرة حتى بين شعراء العصر الحديث، وعلى رأسهم شعراء الحركة الرومانسية الذين وجدوا في فلسفة الخيام انسجامًا مع توجهاتهم الفنية التي تميل إلى نشر الأفكار والتأملات حول الذات في العالم، والوجود والخلق والقضاء والقدر نجد مثلًا إيليا أبا ماضي في قصيدته (طلاسم) يستلهم كثيرًا من خصائص الرباعيات منها قوله:

جِئتُ لا أَعلَمُ مِن أَين وَلَكِنّي أَتَيتُ

وَلَقَد أَبصَرتُ قُدّامي طَريقًا فَمَشَيت

وَسَأَبقى ماشِيًا إِن شِئتُ هَذا أَم أَبَيتُ

كَيفَ جِئتُ كَيفَ أَبصَرتُ طَريقي؟

لَستُ أَدري

تشابه رباعيات أو ماضي والخيام

وما يتغنى به أبو ماضي في هذه القصيدة لا يختلف عن التصور الموجود في كثير من الرباعيات، مثل ما يقول الخيام:

أحسُّ في نفسي دبيب الفناء   ***  ولم أصَب في العيشِ إلاّ الشقاء

يا حسرتا إن حانَ حيني ولم  ***  يُتحْ لفكري حلّ لُغز القضاء

حيث نشعر في كلا النصين بارتباك وجودي وارتباك يدفع الشعراء إلى التساؤل عن أسباب الوجود والخلق في عالم فسيح.

ولم يقتصر السؤال على أبي ماضي وغيره من الشعراء الرومانسيين، بل امتد إلى الشعراء الحداثيين، وفي مقدمتهم (أدونيس) الذي وجد في الصوفية مذهبًا فكريًا وفنيًا حداثيًا لم ينضب رغم تقادمه الزمني، وتعرَّفَ إلى تأملات عمر الخيام وجلال الدين الرومي وأساليبهما في التعامل مع قصة المجنون؛ لذا يتراقص بين السطور كثير من قصائده يستلهم حالة المتعطش للحب، التي بها تنتعش النفس وتنفتح العيون.

حينما أُغرقُ في عينيك عيني

 ألمح الفجر العميقا

وأرى الأمس العتيقا

وأرى ما لست أدري

وأحسّ الكون يجري

 بين عينيك وعيني.

كما استلهم قصة المجنون للتعبير عن حالة الضياع والبحث المستمر والتعطش الدائم للمعرفة

أحب أنا، كم أحب جمالي

وأعبد فيه ضلالي

فيا ما هديتُ به واهتديتْ

ظمئتُ، متى يا دمي، يا شبابي

تقول ارتويتْ؟

عوامل ثراء المزيج الفني بين الشعر العربي والفارسي 

 وهكذا تحولت قصة المجنون من قصة بسيطة لحبيب عذبه الهوى والفراق حتى وصل إلى هاوية الجنون والموت إلى نموذج إنساني خالد يعبر عن هموم الفكر الإنساني في كل عصر وفي كل حضارة، أسسها البشر، الشرق والغرب.

عبر التاريخ، عبر الشعراء عن معاناة الإنسان وعجزه في مواجهة قوى تفوق قدراته وفهمه، وكانت حالة الحرمان التي يعيشونها تمثل طموحهم الدائم وبحثهم عن السمو، سواء أكان ذلك روحيًا أم فكريًا أم ثقافيًا، وتستمر الدلالات الرمزية في التكاثر ما دام الإنسان على الأرض، لكنها باقية، وعلى أي حال فإن ذلك مرتبط بأصله الذي ينشأ من تهجين تاريخي بين الشعر العربي والفارسي.

إضافة إلى ذلك أسهمت عوامل كثيرة في ثراء المزيج الفني بين الشعر العربي والشعر الفارسي، منها القرب الجغرافي والقواسم الدينية المشتركة والروابط التاريخية ما جعل العلاقة بين الشعرين استثنائية ومتميزة عن أي علاقة أخرى يمكن أن تربط أحد الشاعرين بثقافة أخرى.

وقد رأينا أمثلة كثيرة ومتنوعة لهذه العلاقة بين الشعرين على مستويات مختلفة منها المعجمي والنحوي والإيقاعي والدلالي، وحسب هذا المقال فإن أهم ما ذكره الباحثون عن هذه العلاقة وأشكالها يؤكد أهمية انفتاح الحضارات على بعضها البعض، ودور الحوار الثقافي في إنشائها وتطورها، وما خلقته الشعوب والقبائل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة