يُعد الشعر العربي من أقدم الفنون الأدبية وأجملها، فهو المرآة التي عكست وجدان العرب، وسجلت مشاعرهم وتجاربهم عبر العصور. الشعر ليس كلمات موزونة ومقفاة فقط، بل هو نَفَس الحياة المنبعث من روح الشاعر وتجربته الشعورية. فبالشعر يمكننا فهم تطور الحس الجمالي والفكري عند العرب، وكيف عبَّروا عن قضاياهم وبيئتهم ومواقفهم الإنسانية.
في هذا المقال نُلقي الضوء على مفهوم الشعر، وأبرز خصائصه، ومكانته في التراث العربي، وتحولاته من العصر الجاهلي إلى الشعر الحديث.
أشهر الفنون الأدبية على الإطلاق، وأكثرها ترددًا على ألسنة الناس، وانتشارًا بينهم، ذلك أنه «الصورة التعبيرية الأدبية الأولى التي ظهرت في حياة الإنسان منذ العصور الأولى».
في تعريف الشعر بين الوزن والمعنى
ولكن هل يمكن تعريف الشعر؟ يبدو هذا الأمر غير هين على الرغم من محاولة كثيرين، وعلى الرغم من ظهور تعريفات مختلفة لا تكاد تتفق في شيء حتى تختلف في آخر، تبعًا لاختلاف الأفراد واختلاف عصورهم، وليس هذا الاختلاف براجع إلى طبيعة الشعر ذاته. وقد قيل «الشعر لغةً النفس، أو هو صور ظاهرة لحقائق غير ظاهرة ...». فالشعر مهما تعددت تعريفاته ومفاهيمه لكن علماء العروض من العرب يريدون به الكلام المقفى الموزون. فالوزن والقافية يزيدان الشعر طلاوة ووقعًا في النفس، والنظم هو القالب الذي يسبك فيه الشعر.
والواقع أن الشعر بالمعنى لا بالوزن والقافية وحدهما. فالشعر شيء تجيش به نفوسنا، فينطلق على ألسنتنا، وعرَّفه ابن خلدون بأنه «الكلام المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، المستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به». وعلى كل حال فالشعر اسم جنس يندرج تحته أنواع شعرية كثيرة، يختلف بعضها عن بعض، فينفرد كل منها بصفاته الخاصة التي تميزه عن غيره.

لغة الشعر والصورة الشعرية
وإذا كان علينا ألا نستغرق في تحديد مفهوم الشعر، فنكتفي بفهم طبيعته ومكانته بين أنواع الفنون المختلفة، فإن أول ما يواجهنا في فهم طبيعة الشعر هو البحث في الألفاظ التي يختارها الشاعر لتناسب موضوعه. وهي إن كانت تستخدم في كل فن من الفنون الأدبية، لكنها تختلف في فن عنه في آخر، فكلٌّ منها يستخدمها بطريقته الخاصة التي يعمد فيها إلى تركيب اللغة على نحو معين، مع إيضاح طبيعتها التحليلية، فيحدث فيها كثيرًا من التغيرات بحيث تصبح لغة شعرية لخضوعها للتجربة الشعورية في نفس الشاعر، ومقتضيات التعبير عن هذه التجربة.
ولا شك أن ترتيب الألفاظ وتنسيقها على نحو خاص يُسهم إلى مدى بعيد في تكوين الصورة الشعرية التي تنقل إلينا الشعور أو الفكرة، وتصور لنا انفعال الشاعر (تجربته الشعورية) على نحو مؤثر. والصورة الشعرية كما تكون مجموعة من الألفاظ تكون أيضًا لفظًا واحدًا. ونحن وإن كنا لا ننكر أن الشعر في الأصل موهبة، فإن هذه الموهبة لا تلبث أن تتحول عند صاحبها إلى ممارسة.
جذور الشعر العربي ديوان العرب
ولما كان الشعر يرتبط بالشعور والتعبير عن العواطف والإحساس، كان ارتباطه وثيق الصلة بنشأة الجماعات الإنسانية الأولى، فكان لغة الكهنة والمصلحين والفلاسفة في العصور المتلاحقة، كما كان مرتبطًا بالسحر.
ونظرة متأملة لشعرنا العربي تؤكد لنا أنه ديوان العرب وسجل تراثهم المجيد، وعلى الرغم من أنه من الصعب الوقوف على طفولته الأولى، فإن ما بين أيدينا من أشعار جاهلية، تصور مرحلة حضارية في تاريخ العرب بلغ فيها الشعر أوج نضجه، وظهرت القصائد في صورة تامة بما تحويه من تقاليد فنية معقدة في الوزن والقافية، وفي المعاني والموضوعات، والأساليب والصياغة المحكمة.
وقد حاول ابن سلام التنقيب عن طفولة الشعر الجاهلي، ورفع جانب من الغموض عنه، فتحدث عن أوائل الشعراء الجاهليين، وتابعه ابن قتيبة متأثرًا به، باحثًا عن أوائل الشعراء الذين عدَّهم أوائل الحقبة الجاهلية المكتملة الخلق والبناء في صياغة القصيدة.

ومع أن امرأ القيس بن حجر الكندي قال في إحدى قصائده:
عوجًا على الطلل المحيل لأننا *** نبكي الديار كما بكى ابن خذام
مشيرًا إلى أنه يسير في بكائه للأطلال على نهج ابن خذام، لكننا لا نعرف عنه شيئًا سوى هذه الإشارة الاسمية التي قد تدل على أنه أول من بكى الديار.
وتظهر المطولات الجاهلية في نظام معين، سواء في المعاني أو الموضوعات من بداية بكاء الأطلال ثم العروج بعدها إلى الهدف الأساسي من القصيدة، مدحًا كان أو هجاء أو فخرًا أو رثاء. وتظهر أيضًا في نظام ثابت حسب الوزن والقافية، فهي جميعًا تتألف من وحدات موسيقية يسمونها الأبيات.
إن ما بين أيدينا من شعر جاهلي، ليس كل ما قيل في الجاهلية، فقد ضاع منه كثير في أثناء رحلته الطويلة حتى عصر التدوين، ودخله كثير من الانتحال، وما وصلنا من أشعار الجاهلية قد يرجع إلى مائة وخمسين سنة قبل ظهور الدعوة الإسلامية، وهي المدة التي اصطلح على تسميتها بالعصر الجاهلي.
تطور الصورة الشعرية من الحسي إلى التجريبي
إذا كان الشعر الجاهلي قد وصل إلينا في صورة ثابتة في وزنه وقافيته وموضوعاته، فإن هذه الصورة قد تطورت عبر العصور حتى عصرنا الحديث. فبعد أن كانت تنزع عند الشاعر قديمًا نزعة حسية لأن الجمال عنده يتمثل فيما ترتضيه الحواس كما في قول ابن المعتز:
وانظر إليه كزورق من فضة *** قد أثقلته حمولة من عنبر
ففي هذا البيت نجد توافقًا بين شكل الزورق والهلال، وكذا الحجم، وهو في لونه الفضي يشبه لون الهلال، وكلها أمور حسية نجح فيها ابن المعتز؛ لأنه استطاع أن يجد في تصويره للهلال ما يشبهه في عالم الحس، ويطابقه جزئيًّا وحسيًّا.
غير أن هذه الصورة الحسية أصبحت في الشعر الحديث ترتبط بمواقف من الحياة وتدل على خبرات الشاعر، فتقدم لنا مشاهد حية، محاطة بسياج من الخبرة والتجربة الإنسانية، ويبدو ذلك في قصيدة للشاعرة العراقية (نازك الملائكة) بعنوان: النهر العاشق، وقد قالتها عندما فاض نهر دجلة وأغرق بغداد:

أين نعدو وهو قد لف يديه
حول أكتاف المدينة
إنه يعمل في بطء وحزم وسكينة
ساكبًا من شفتيه
قبلًا طينية غطت مراعينا الحزينة
والشاعرة هنا تعبر عن تجربة ذاتية، يتضح فيها مدى انفعالها، في تصويرها للنهر محتضنًا المدينة بيديه، منهالًا عليها بالقبلات، ساكبًا طينه فوق المراعي الحزينة، ولا شك أن فداحة الخطب هنا قد تمثلت في نفس الشاعرة في موقف المعاتب للنهر القاسي، وهي صورة تنبض بالحركة والحياة.
تصنيف أنواع الشعر بين العرب والغرب
ومع أن الأدباء في الغرب قد درجوا منذ اليونان على تقسيم الشعر إلى أربعة فنون مختلفة، هي: الشعر القصصي أو الملحمي، والشعر التعليمي، والشعر التمثيلي، والشعر الغنائي، فإن العرب يقسمون شعرهم إلى المديح والهجاء والفخر والحماسة والرثاء والغزل وغيرها، وهي جميعًا تُرد إلى الشعر الغنائي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.