بين رصانة الفصحى وعفوية الدارجة، انبعث من حواري صنعاء وقصور أدبائها فنٌّ شعري فريد، لا هو بالعامي المبتذل ولا بالمعقد المنغلق؛ إنه الشعر الحميني. هذا اللون الذي صاغ الوجدان اليمني طيلة قرون، وأصبح ملاذًا للمثقفين الذين بحثوا عن لغةٍ تطوع القوافي لتلامس تفاصيل الحياة اليومية.
في هذا المقال، نسبر أغوار هذا الفن الأصيل، ونستعرض خصائصه اللغوية، وقوالبه الموسيقية، وأبرز الرواد الذين خلدوا أسماءهم في سجلات الأدب اليمني.
الشعر الحميني فنٌّ يمنيٌّ يلتزم أوزان الشعر العمودي مع تسكين أواخر الكلمات ويمزج الفصحى بالدارج اليماني، وقد صيغت به أغلب نصوص الغناء الصنعاني في قوالب المسمط والموشح.
ما هو الشعر الحميني اليمني؟
الشعر الحميني هو فن شعري يمني أصيل، يمثل حالةً وسطى بين القصيدة الفصحى والزجل العامي. نشأ هذا اللون في أوساط المثقفين والأدباء اليمنيين الذين رغبوا في التعبير عن مشاعرهم بلغة رقيقة تقترب من لغة الناس اليومية دون الانحدار إلى العامية المبتذلة، مع الالتزام بأوزان الشعر العربي العمودي وقواعده العروضية، لكن مع التحرر من صرامة الإعراب وتسكين أواخر الكلمات.

اللغة والأسلوب
يستخدم الشعر الحميني لغةً مهذبةً تمزج بين مفردات الفصحى واللفظ اليماني الدارج، مما يمنحه عذوبةً خاصةً وقبولاً واسعًا لدى مختلف طبقات المجتمع.
الجانب الفني والموسيقي
يرتبط هذا الشعر ارتباطًا وثيقًا بالغناء الصنعاني، حيث صِيغت أغلب الموشحات والأغاني اليمنية الكلاسيكية من قصائد حمينية، وقد برع شعراؤه في استخدام المحسنات البديعية والزخارف اللفظية التي تضفي جرسًا موسيقيًا عاليًا.
الأغراض الشعرية
يغلب على الشعر الحميني طابع الغزل والوجدانيات والشكوى، كما استُخدم في المديح والوصف، وصور تفاصيل الحياة الاجتماعية والجمالية في المدن اليمنية مثل صنعاء وتعز.
أبرز رواد الشعر الحميني الصنعاني
خلد التاريخ أسماءً لامعةً في هذا الفن، من أبرزهم:
- محمد بن شرف الدين الذي يعده كثيرون رائد هذا الفن.
- عبدالرحمن بن يحيى الآنسي.
- أحمد بن حسين شرف الدين الحسني الكوكباني الملقب بـ«القارة».
تداخل الأوزان العباسية بالروح اليمنية
والشعر الحميني المستعمل في الأغنية الصنعانية يكاد يكون قريبًا في ألفاظه من الشعر الفصيح، كما يبدو من كلمات الأغنية التالية:
الـشـوق أعـيـانـي
يـا قـرة الأعيـان
والبينُ أوطاني
مواطـئ الأشـجـان
قَدَّمَتْ أجـفـانـي
مـن فـرقـة الألـوان
أضحـى بأشجاني
كـالـدر والـمـرجـان
والكلمات للشاعر اليمني إبراهيم جحاف، المتوفى عام 1117 هـ، وهي كما ترى فصيحة في كلماتها. وقد سلك الشاعر بها الوزن المعروف بالقوما، وعروضه مستفعلن فَعِلان، الذي يقول لنا صفي الدين الحلي في كتابه «العاطل الحالي» (ص 132، 171) إنه اخْتُرِعَ في العراق مع وزن المواليا في العصر العباسي الأول، وهو يقع كما ترى في قالب الشعر المسمط.
القالب الموشح.. محاكاة الأندلس بخصوصية يمانية
أما القالب الموشَّح في شعر الأغاني الصنعانية، فمن أحسن الأمثلة عليه قول عبد الرحمن بن يحيى الآنسي، المتوفى عام 1250 هـ:
يا ساري البرق من تهامة
رويدك اللمع والخفوق
حليت قلب الشجن ظلامه
في ذمتك فله التشوق
مسكين صعب اللامة
هام بأنك على ما يفوق
فكان جوابك عليه حانَةً
مـــا هـكــذا تـفـعـل الـبـروت
أبـــراك رســـــي وسـامــك
فيـمـا فعلتـــه بلاحمـــك
إن جئت فيها يخالجك
(توشيح)
هـل فـي تهـامـة بـكت غمامـه
ضحـكت مـن دمعـها الدقوق
فـأخضـر مـن رمـلهـا تهـامـة
واصـفر مـن نخـلهـا العذوق
(تقفيل)
بيت بمن سمر بالثيبِ الأعفر
بـعـدي عـلـى سـاري الـقـفـير
وأبيض الفـــل ذاك الأزهـــــر
شــبـه ثـغـر الـرشـا الأغــــر
مـن شـاك زهـره ومـن تـنثـر
ورصـفـه سـاعـة السـحـر
وهـل خـطـب قـمـري الحماسة
فـي مـنـبـر النخلـة السحـوق
لـمـا انتجاه مـن خـطـيب
يشجي الخلي، يبكي الكئيب،
يذكي جوى فرقة الحبيب
(توشيح)
فـإيه هـل قـام فـي مـقامـه
لا زيله عـنـه مـا يـعـوق
(تقفيل)
واللـيـل قـد رفـعـتـه ظلامــــــه
تبســمة الـفـجـر بـالـخـفـوق
بيت... إلخ
ويشبه الموشح الأندلسي من حيث القالب، في أن الجزء من فقرة الموشح المعروف بالمطلع في الموشح الأندلسي يتكرر في الموشح اليمني مع كل فقرة، ويقال «توشيح» لما يعرف بـ«الدور» في الموشح الأندلسي، و«تقفيل» لما يعرف بـ«القفل»، وتكتب في آخر كل فقرة، ما عدا الأخيرة في الموشح اليمني، كلمة «بيت» لتدل على نهاية الفقرة.
مخلع البسيط ومجزوء الخفيف.. إيقاعات تطرب النفس
ويوجد قالب ثابت للأغنية الصنعانية يتكون من قصيدة تنظم الأشعار الأولى فيها قافية واحدة، والأشكال الثانية قافية أخرى، ومن أحسن الأمثلة على ذلك ما جاء في قول أحمد الملفني، المتوفى عام 1394 هـ:
جـل مـن نـفـي الـصبـاح
وسـط ظـلـه الـمـديــــد
ألـهـم الـقـمـري الـنـبـاح
فـتـثـنى عـلـى الـجـريـد
آه لـو كـان لـي جـنـاح
كـنـت مـثـلـه وعـاد أزيد
والفرد لـك الـفـلاح
اسـتـمـع قـصـة الـعـبـيـد
زيـنـة الـقـرط والـوشـاح
واللمى الحالي البديدُ
قـتـلـتـنـي بـلا سـلاح
وقـتـيـل الـهـوى شـهـيـد
هـكـذا سـنـة الـمـلاح
تحمـل الـعبد مـا تـريـد
ووزن هذا الموشح هو كما ترى من مخلع البسيط (مستفعلن فاعلن فعولن). ويختلف الموشح اليمني في كل الكلمات، ما عدا الكلمات (آه، وعاد، وحالي، بل)، إذ إنَّه من مجزوء الخفيف (فاعلاتن مستفعلن)، وقد دخله «التذييل» فصار «فاعلاتن مستفعلان». ويلاحظ خفة الوزن وتوخي الشاعر الرقة والسلاسة والفصاحة في اختيار الكلمات وصياغة التراكيب، بل التزامه الفصاحة في كل الكلمات، ما عدا ما ذُكر.
وكلمة «عميد» تعني العاشق، لتدل على أن المقصود بهذا الشعر هو الطبقة المثقفة، ويؤكد ذلك أسلوب القصائد الأخرى. فإذا رجعنا إلى القصيدة المسمطة التي أوردنا بعضها لإبراهيم جحاف، نجده يقول في فقرة تالية:
مـحـبـتـك دعــــــــــوى
مـا لـهـا بـرهـــــــان
وإن لـي جـــــــــــوى
يـقـول يـا فـتـــــــان
يـا جـنـة الـمــــــــأوى
لـلـعـاشـق الـولـهـــــان
انـظـر إلـى شـأنـــــــي
فـمـا رَفـا لـي شأن
وللمزيد من كلمات الأغنية الصنعانية، نحيل القارئ إلى كتاب «شعر الغناء الصنعاني» لكاتب هذا المقال.
فأي رجل غير مثقف في اللغة العربية يستطيع أن يدرك أنه، في الشطر الثاني من البيت الأول، استعمل الشاعر «أن» الزائدة، ويفهم أن عبارة «رفا لي شأن».
أما الأغاني اليمنية الأخرى، فهي أكثر لصوقًا باللغة الدارجة، بل إن الأغنية الصنعانية تمتاز بأنها تستعمل الشعر الفصيح أحيانًا، وعندئذ يغلب على كلماتها أسلوب القصيدة ذات القافية الواحدة. ومن الأمثلة على ذلك القصيدة التي تُغنَّى للشاعر بن هتبيل، الذي عاش في أوائل عصر بني رسول، وامتدح في شعره «الملك المظفر يوسف بن عمر» في النصف الأول من القرن السابع الهجري. أما القصيدة التي تُغنَّى، فقد قالها في مدح أحد الأمراء الزريعيين، وقد جاء في مقدمتها الغزلية:
أنـــا مــن نــاظــري عـلـيـك أغـــار
وراضـــي مـــا زال عـنـه الـخـمـار
يـا قـضـيـبًـا مـن فـضـة يـقـطـف الزهر
جـــس مـــن وجـنـتـيـه والـجـلـنـار
عـــن مـحـيـاك بـالـنـقـاب وإلا
نـهـبـتـه الـعـقـول والأبـصـار
من يُعِرْني قلبًا سليمًا ولو طر
فة عين، إن كان قلبي يُعار
ورأت مقلتي فأفزعها ليلٌ
بـنـي فـي جـانـبـيـه نـهـار
وغـرام الـشـبـاب انـتـهـى إلـى النفس
وإن كـان فـي الـمـشـيـب الـوقـار
مـا بـعـد الـمـلاح مـن صـلـة العتاقِ
إلا الـقـنـوع والافـتـقـار
لقد استطاع هذا اللون الشعري أن يحفظ للهوية اليمنية خصوصيتها، محولًا الأبيات والقصائد إلى درر غنائية تتناقلها الأجيال بزهو وفخر، بوصفه المعبّر الأصدق عن وجدان شعب يعشق الحرف والنغم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.