الشعر الحلمنتيشي 1/ 3التحامق مقدمة شعر التلاسن الحلمنتيشي


عربيان

يعتبر الشعر (الحلمنتيشي) لوناً من ألوان الشعر المعاصر الذي يمزج فيه الشاعر بين الفصحى والعامية، وإعراب اللفظة العامية، في تناول يقصد إلى العبث والسخرية، والتظرُّف، وقد يتناول الشاعر فيه مشكلة اجتماعية أو سياسية من وجهة نظر ضاحكة.

ويجمع هذا اللّون من الشعر ما بين الهزل والجد، ما بين الإشارة والعبارة، شعر ساخر، يجعلك تبتسم، وقد تضحك، وتقهقه، قد يكون هزلاً على دمع من معاناة، وقد يكون فضفضة راحة وتِرواحٍ، فضفضة مصفوفةً ومنتظمةً ناطقةً بالسخرية اللًاذعة، أو السخرية المقنعة!

ولم يُعرف الشعر (الحلمنتيشي) بخواصه إلّا في القرن الرابع عشر على يراع الشّاعر ابن سودون في العصر المملوكي، ولم يطلق على هذا النوع من الشعر اسم الشعر (الحلمنتيشي) إلا في القرن التاسع عشر على يراع الساخر الكبير حسين شفيق المصري.

يُعدّ العصر الأمويّ من أكثر عصور الأدب العربيّ ازدهارًا في نتاجِه الشعريّ الذي تنوّعت أغراضه ما بين المديح، والهجاء، والغزل، والزهد، والطّبيعة، ولم تُعرف من بين أغراضه السخرية على نفس بناء التصنيف الذي يُدرج تحته الشعر (الحلمنتيشي)، لكن ربما حمل درب الهجاء سمة تقارب السخرية التي في الشعر (الحلمنتيشي).

 وأبرز شعراء العصر الأمويّ: جرير، والفرزدق، والرّاعي النّميري، وأبو الشمقمق، والأخطل، وجميل بثينة، وعمر بن أبي ربيعة، ويتّسم العصر بما كان يجري من سجالات، ومناظرات الهجاء، والسّخرية المتبادلة مثل تلك التي بين جرير، والفرزدق، والأخطل والتي استمرّت ما بين جرير والفرزدق أربعين عاماً، وحملت أحياناً قدراً متبادلاً من فحش القول.

ويوماً صدف أن اجتمع الثّلاثة جرير، والفرزدق، والأخطل في مجلس الخليفة عبد الملك بن مروان الذي أحضر بين يديه خمسمئة دينار، وقال لهم: ليعمل كلٌّ منكم بيتاً في مدح نفسه، فأيّكم غلب فله الكيس، وبدأ الفرزدق فقال:

أنا القطران والشعراء جربى       ***    وفي القطران للجربى شفاء.

وبعده قال الأخطل:

فإنْ تك زق زاملة فإنّي             ***    أنا الطاعون ليس له دواء.

وبعدهما قال جرير:

أنا الموت الذي آتي عليكم          ***    فليس لهاربٍ منّي نجاة.

فقال عبد الملك لجرير: خذِ الكيس، فلعمري إنّ الموت يأتي على كل شيء!

وفى العصر العباسيّ كان الشّاعر السّاخر أبو دُلامة أحد الشّعراء المعاصرين لخلفاء بني العبّاس الثلاثة الأوائل: السّفاح، والمنصور، والمهديّ، بل يعتبر شاعرهم ونديمهم الخاص، وكان أبو دلامة فَكِهاً مرحًا، فهو حسن الحديث ممتع الرواية.

ويُروى أنّه دخل يوماً على أبي جعفر المنصور، وكان عنده ولداه جعفر، والمهديّ، وابن عمه عيسى بن موسى، فقال له المنصور: عاهدت الله يا أبا دلامة إن لم تهجُ أحداً ممّن في المجلس لأقطعنّ لسانك، ويروي أبو دلامة عن نفسه فيقول: "فقلت في نفسي قد عاهد، وهو لا بدّ فاعل".

ثم نظرت إلى أهل المجلس فإذا بالخليفة وابنيه وابن عمه كلٌّ منهم يشير إليّ بإصبعه بالصلة إن تخطّيته، وايقنت أنّي إن هجوت أحدهم قُتلت، والتفتُّ يمنة ويسرة لأرى بعض الخدم لأهجوه فما وجدت أحداً فقلت في نفسي: "أَما حَلفَ على من في المجلس، وأنا أحد من في المجلس، ومالي إلّا أن أهجوَ نفسي فقلت:

ألا أبلغ لديك أبا دلامةْ               ***        فليس من الكرام ولا كَرَامةْ

إذا لبس العمامة كان قرداً           ***        وخنزيراً إذا نزع العمامةْ

جمعت دمامة وجمعت لؤماً         ***        كذلك اللؤم تتبعه الدمامةْ

فإن تك قد أصبت نعيم دنيا         ***        فلا تفرح فقد دنت القيامةْ

فضحك المنصور حتى استلقى، وأمر لي بجائزة.

وبينما الجاحظ (776م – 869 م) أديبٌ من أدباء العصر العباسيّ، وله عديد من المؤلفات، لكنّ كتابه "البخلاء" وهو كتاب أدب، وعلم، وفكاهة، وهو من أنفَسِ الكتب التي يتنافس فيها الأدباء والمؤرخون، ولا نعرف كتاباً يفوقه للجاحظ، ظهرتْ فيه روحه الخفيفة تهزّ الأرواح، وتجتذب النّفوس، لكتاب "البخلاء" أهميّة علميّة حيث يكشف لنا عن نفوس البشر وطبائعهم وسلوكهم.

هذا وقد ألّف الفقيه أبو الفرج بن الجوزيّ (1116م – 1205م) كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين"، وهو كتاب عن أخبار ومواقف الحمقى والمغفلين، وقد قسّم المؤلّف كتابه إلى أربعة وعشرين باباً، يذكر فيها أشعاراً، وفصاحة، وطبائع، وصفات، وأنواع الحمقى في الناس مع ذكرٍ لبعض طرائفهم، كما يذكر المؤلف الأمثال التي ضربت في الحمقى أيضاً.

أمّا ابن سودون الجركسي القاهريّ، وكنيته أبو الحسن (1407م – 1463م) وهو الشاعر الهزليّ المصريّ الذي يعتبر المؤسس لدرب الشعر (الحلمنتيشي)، ظهر في عصر المماليك البرجية، وكتب بالمصرية والعربية الفصحى، وألّف كتاباً بعنوان "نزهة النفوس ومضحك العبوس" بالعامية المصرية الدارجة.

تبلورت خصائص الشعر (الحلمنتيشي) بتمامها عند ابن سودون لاسيما بعدما جمع حكاياته الضاحكة في كتاب أخذ عنواناً يتّصل بالفكاهة اتصالاً شديداً هو كتابه: "نزهة النفوس ومضحك العَبُوس"

ومن مصر يظهر أبو الحسين ابن الجزار، المعروف بالجزار، وهو أحد الشعراء الصعاليك في العصر المملوكي، وقد وُلد بالفسطاط (1205م – 1276 م)، عمل بالجزارة كأبيه وأقاربه، اجتهد وأصبح يقرض الشعر وصار واحداً من أكبر شعراء الفسطاط وقيل عنه: "كان جزاراً ثم استرزق بالمدح، وشاع شعره في البلاد، وتناقلته الرواة"، جمع له ديواناً من الشعر يربو على ألف ومئتين وخمسين بيتاً، وله أرجوزة في ذكر من تولّى مصر من الملوك والخلفاء وعمّالها، ذكرها له صاحب نسمة السحر.

وقد تعاهد هو والسّراج الورّاق والحمامي وتطارحوا كثيراً، وساعدتهم صنائعهم وألقابهم في نظم التورية حتى إنه قيل للسراج الوراق: "لولا لقبك وصناعتك لذهب نصف شعرك".

وبعدما ودّع أبو الحسين حرفة الجزارة وصار شاعر مديح الحكام والأمراء والوزراء قال:

حسبي حِرافاً يحرفتي حسبي            ***          أصبحتُ منها معذّب القلب

موسّخ الثوب والصحيفة من            ***      طول اكتسابي ذنباً بلا كسب

أعمل في اللحم للعشاء ولا               ***       أنال منه العشاء، فما ذنبي؟

خلّى فؤادي ولي فم وسخٌ                ***       كأنني في جزارتي كلبي!

وعندما شعر بأنّ قرض الشّعر لا يغطّي إسرافه، فكّر يعود الى الجزارة، فقال:

لا تلُمني، يا سيّدي شرف الدّيـ          ***    ن إذا ما رأيتني قصّابا.

كيف لا أشكر الجزارة ما عشـ          ***    ـت حفاظاً وأرفض الآدابا.

وبها أضحت الكلاب ترجّي             ***    وبالشّعر كنت أرجو الكلابا.

إلى جانب شعر الشكوى للجزار، فقد وُفّقَ إلى نوعٍ آخر برع فيه، وهو استعراض شعر القدماء، وتصفيحه على وجهته هو، وهو النوع المعروف إن جاز لذلك تسمية "شعر التحامق"، وللتقريب فإنه وفي أحد قصائده، وهي تصفيح لمعلّقة امرئ القيس والتي مطلعها:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل        ***    بسقط اللوى بين الدخول فحومل

نجده يتناولها على هذا النحو بتصفيحه هو:

قفا تبك من ذكرى قميص وسروال     ***     ودرّاعة لي قد جفا رسمها البالي

وما أنا ممّن يبكي لأسماء إن نأت       ***     ولكنني أبكي على فقد أسمالي

ولو أن امرأ القيس بين حجرٍ رأى       ***     ما أكابده من فرط همٍّ وبلبال

لما مال نحو الخدر خدر عنيزة          ***     ولا بات الا وهو عن حبها سالي

ولي من هوى سكنى القياسر عن هوى  ***       بتوضح فالمقراة أعظم أشغالي

ولاسيما والبرد وافى بريده               ***   وحالي على ما اعتدت من عسره حالي

ترى هل يراني الناس في فرجية        ***    أجر بها تيهاً على الأرض أذيالي

ويمسي عدوّي غير خالٍ من الأسى     ***     إذا بات من أمثالها بيته خالي

ولو أنني أسعى لتفصيل جبّة             ***    كفاني ولم أطلب قليلاً من المال

ولكنني أعسى لمجد بجوخة              ***   وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

موضوع جميل وثري غطى جميع الجوانب تحياتي واحترامي

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب