الشعر التمثيلي في الأدب العربي: تحليل مسرحية مجنون ليلى لأحمد شوقي

الشعر التمثيلي هو الفن الذي يمزج سحر القوافي بحيوية المسرح، ليخلق أدبًا ينبض بالحركة والصراع لا مجرد العاطفة.

في هذا المقال، نغوص في تحليل مسرحية مجنون ليلى لرائد الشعر المسرحي أحمد شوقي، ونكشف خبايا الشخصيات والصراع الدرامي في الأدب العربي الحديث.

يعتمد الشعر التمثيلي أساسًا على المسرح والحركة المستمرة، إلى جانب الحوار وتصوير الشخصيات، ويعتمد على الفكر وصور تاريخ الحضارة. وقد نشأ هذا اللون من الشعر لتحريك العواطف بنظم قصة تمثل على مشهد من الناس، تؤثر في النفوس وتسهم في غرس المغزى الذي نُظمت من أجله.

يخلط كثيرون بين الأنواع الشعرية، لذا وجب التوضيح: يختلف الشعر التمثيلي عن الشعر القصصي الذي يروي حكاية دون تمثيل (مثل المعلقات أحيانًا)، ويختلف عن الشعر الملحمي الذي يتناول بطولات خرافية طويلة جدًا كالإلياذة. الشعر التمثيلي هو دراما تُكتب لتُمثَّل.

ويهدف الشعر التمثيلي عمومًا إلى تمثيل الوقائع التي تسهم إلى مدى بعيد في غرس الموعظة والحكمة، سواء مُثِّل هذا اللون من النظم على المسرح أو لم يُمثَّل. وقد حوى الشعر القصصي لونًا من هذا النوع، فجزء منه عادة يُمثَّل، ونلمح ذلك في إلياذة هوميروس التي تُصنف ضمن الشعر الملحمي، فهي لا تخلو عادة من مشاهد تمثيلية.

نشأة المسرح الشعري: لماذا خلا الشعر الجاهلي من المسرح؟

إن شعرنا العربي القديم قد خلا من هذا اللون، ذلك أن ميل الشعراء إلى الخيال والتصور قد حال بينهم وبين التمثيل. وعلى الرغم من القول بأن ما وصلنا من الشعر العربي منذ الجاهلية لم يشتمل على شيء ولو ضئيل من الشعر التمثيلي بهذا المعنى، كما كان الحال عند اليونان ومن اقتبس عنهم، فإنه يمكن اعتبار بعض الأشعار القديمة مثل قصيدة «آل نعم» لعمر بن أبي ربيعة:

أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر *** غداة غدٍ أم رائح فمهجر؟

التي تحكي قصة كاملة للقاء عمر بن أبي ربيعة بمحبوبته، ومن تتبعها بالدراسة نستطيع أن نقرر أن لها سمات القصة الحديثة بكل مفاهيمها من ناحية التمهيد للحدث وتطوره ونموه والحوار والخاتمة، وكلها صيغت في بناء فني متكامل.

ونجد أمثلة له في قصيدة الأعشى في السموأل، والفرزدق في الذئب. غير أن هذا اللون من الشعر لم يكن محبوك العقدة، ولا يهتم بالتحليل الدقيق، كما كان ينقصه حسن تصوير الأشخاص، وتحليل العواطف النفسية.

ومتتبع الشعر المسرحي في الأدب العربي الحديث ولشعر التمثيلي بالدراسة والتحليل يلحظ أنه آخر الفنون الأدبية ظهورًا، ذلك أنه يتطلب مرحلة ذات فكر وثقافة وقدرة على الصياغة الفنية المحكمة، فهو فن معقد ارتبط ظهوره بما وصلت إليه الإنسانية من حضارة ونضج. وهذا من أهم خصائص الشعر المسرحي، وهو غالبًا ما يعمد إلى خلق الشخصيات وتحريكها وفق ما تمليه عليها ملابسات حياتها وطبائعها التي جُبلت عليها، وما تستجيب له من أحاسيس وأفكار.

وإذا كان شعرنا الجاهلي قد خلا من هذا الفن المسرحي، فإنه ظهر في أدبنا الحديث بعد أن مر بأطوار عدة، منذ عدَّ الإغريق الشعر المسرحي «التمثيلي» السمة العليا للشعر، إلى أن عمدت الرومانسية إلى تحريره من تبعيته للتراث اليوناني والروماني ومن قيود الكلاسيكية، بمناهضة البرجوازية بواسطته، فأنشأوا لونًا من المسرحيات أُطلق عليها اسم الدراما الحديثة. وقد تُرجِم بعضها إلى العربية مثل «بيت الدمية» و«الأشباح» لابسن.

من رائد الشعر التمثيلي؟ وأبرز شعراء الشعر المسرحي

وقد اتسع ميدانه في الشعر الحديث، فنظم فيه مطران وإبراهيم رمزي وشوقي وإباظة، واستمدوا موضوعات قصائدهم من التاريخ القديم، كما حاولوا محاكاة التمثيليات الشعرية التي تميز بها أدباء أوروبا.

فنظم خليل اليازجي تمثيلية بعنوان «المروءة والوفاء»، ونظم الشيخ عبد الله البستاني خمس قصص شعرية في صورة تمثيلية، ونظم الشيخ محمد عبد المطلب بعضًا من المشاهد المسرحية المستمدة من الأدب العربي الجاهلي والإسلامي مثل «امرئ القيس» و«المهلهل بن ربيعة».

وهي من غير شك محاولة رائدة في مجال الشعر التمثيلي، وقد أخذ هذا اللون من الفن يقفز قفزات ثابتة بارعة على يد رواد أوائل على رأسهم شوقي وإباظة.

فاتخذوا منه وسيلة لتثقيف الشعب وتهذيب ذوقه، وتوسيع إدراكه ومفاهيمه للحياة، فضلًا على تذوقه للجمال وانفعاله به.

وعلى الرغم من منافسة النثر للشعر في المسرحيات وخاصة في العصر الحديث، فإن حركة المسرحية الشعرية لم تخمد، بل تضافرت عليها قيم جديدة أثبتت أنها تتوافق مع الذوق الحديث. ولعل في مسرحيات شوقي الشعرية ما يوضح معالم هذا التطور.

لماذا خلا الشعر الجاهلي من المسرح؟

ذلك أن ميل الشعراء العرب إلى الخيال والتصور والمجاز قد حال بينهم وبين "المحاكاة" والتمثيل الواقعي.

وسنتناول واحدة من أروع نماذج الشعر التمثيلي، ألا وهي مسرحية «مجنون ليلى».

مسرحية مجنون ليلى لأحمد شوقي

من أروع النماذج التي برزت لنا في الشعر التمثيلي، فقد نجح شوقي بعد محاولات عدة في كتابة مسرحيات شعرية، استمد بعضها من التاريخ المصري والعربي القديم مثل «مصرع كليوباترا» و«قمبيز» و«مجنون ليلى» و«عنترة».

وتقوم أغلب هذه المسرحيات على صراع أبطالها مع القدر، ومع أعدائهم، بل يصارعون أحيانًا مشاعرهم الكامنة في نفوسهم، وغالبًا ما تنتهي بصورة مأساوية.

وقد عمد شوقي في مسرحياته إلى المحافظة على «وحدة الزمان والمكان، ووحدة الموضوع أو الحدث»، وهو ما يعرف بالوحدة العضوية في بناء المسرحية الكلاسيكية، ولا شك في أنه قد تأثر في تمسكه بهذه الوحدات الثلاث باتجاهات أرسطو وكذلك اتجاهات الكلاسيكيين.

ويبرز في مسرحيات شوقي عمومًا طبيعة البيئة، مسرح الأحداث، ولعل في «مجنون ليلى» خير مثل على ذلك.

وتطغى المقطوعات الغنائية في بعض جوانب مسرحياته على نحوٍ يجعلها عنصرًا مميزًا لها، ولعل ذلك راجع إلى تفوقه في مضمار الشعر الغنائي.

ملخص الأحداث و الصراع في مسرحية مجنون ليلى

ونحاول أن نستخلص الملامح الرئيسة للمسرحية الشعرية بواحدة من أروع ما قدّم شوقي للأدب، ونعني بها مسرحية «مجنون ليلى» التي استمد موضوعها من التاريخ القديم، وحدد زمنها بصدر العصر الأموي، ومكانها ببادية نجد.

وتدور مسرحية «مجنون ليلى» حول الحب العذري، وجناية التقاليد البالية على المحبين. وتقع في خمسة فصول.

الفصل الأول

حوى الفصل الأول منها مشهدين، أحدهما حول حفل سمر يحضره ليلى وسعد وهند وبشر وعبلة وكلهم من بني عامر، وتظهر فيه صورة من صور الصراع السياسي بين الشيعة والأمويين، إلى درجة أن أهل البادية كانوا يخفون انتماءهم الشيعي خشية بطش الأمويين، وفي ذلك يقول بشر:

حبست لساني عن مدحه *** حذارِ أُمية أن تقطعه

إذا الفتنة اضطربت في البلاد *** ورُمتَ النجاة فكن إمعة

كما يظهر المؤلف فيه بعضًا من العادات القديمة عند العرب، فعندما تتعثر قدم ليلى ويفلت لسانها بذكر قيس، تتهكّم هند عليها:

اسم الحبيب عندنا *** نذكره عند الخدر

وثانيهما يدور حول زيارة قيس لليلى مساء، متعللًا بحاجته إلى الحطب، فتطارحه الهوى، ولكن النار ما تلبث أن تشتعل بثيابه، ومع أن ليلى تستنجد بأبيها إلا أنها لا تجزع لمشاهدتها مع قيس، مطمئنةً إياه بأن أحدًا لن يراهما:

هنا لا تقع العين *** على غيري، ولا غيرك

ولا يطلع إنسان *** على سري ولا سرك

ومع أن الأب عاونها في إنقاذه، إلا أنه عاد وطرده.

الفصل الثاني

أما الفصل الثاني فقد حوى مشاهد ثلاثة تمثلت فيها ألوان مختلفة من الصراع.

ففي أولها يستبدّ داء الحب بقيس ولا يفلح علاجه، فهذا العرّاف يقول:

اطلبوا قيسًا فهذا دواؤه *** كأني به لمّا تناوله صحا

وفي ثانيها يُصوَّر بفضل الأطفال موقف آبائهم من قيس:

إنهم فيما آتوه *** ببغاوات بريئة

لقَّنوها كلماتٍ *** نزهات أو بذيئة

وفي ثالثها يُصوَّر المؤلف قيسًا وقد تغلغل الحب في أعماقه حتى سيطر على شعوره، إلى درجة أن يُغمى عليه لسماع اسم ليلى.

وفي هذا الفصل يبدأ تطور الحدث، إذ يرق ابن عوف لحال قيس، ويقرر الشفاعة له عند قوم ليلى وأبيها.

الفصل الثالث

ويدور الفصل الثالث حول تحكّم تقاليد البيئة البدوية واستنكارها حب قيس لليلى، على الرغم من شفاعة ابن عوف له، فإنَّ بني عامر يستخدمون معه سلاح التهديد:

كلَّهُ إلى سيوفِنا تُؤدِّبُه *** لقد وجدناه وكنا نرقبه

وهنا يحاول غريم قيس منازلته وإثارة المشاعرِ ضدَّه، ولكن ما إنْ يشفع ابنُ عوفٍ لقيس لدى المهدي حتى يترك الأمر لليلى التي ترفض بدورها خطبة محبوبها قيس، وتدعو أباها أن يوافق على خطبتها لشابٍّ من ثقيف يُدعى وردًا. ولكن الأب يلمح حال قيس فيتألم له ويشفق عليه، فيقول:

دم الود والقربى وإن كان ظالمًا *** عزيز علينا أن نراه يسيل

وإني لإنسان وإني لوالد *** ولي مذهب من الوالدين جميل

فرفقًا بقيس يا أمير ونحِّه *** بعيدًا لعل الشر عنه يزول

ويبلغ الصراع أشدَّهُ في هذا الفصل، وتنعقد الأحداث إذ تنتصر التقاليد على الحب.

الفصل الرابع

أما الفصل الرابع فتظهر فيه آثار جناية التقاليد على المحبّين، فيضرب قيس في الصحراء على غير هدى حتى يضل في قرية الجن، ويتعرَّف إلى شيطانة الأُموي فيقول:

أنت على مشاعري *** وشعري المسيطر

إن غبت غاب خاطري *** وإن حضرت يحضر

وأما ليلى فتتزوج وردًا وتظلُّ عذراء، بما يوحي بأن نزولها على حكم التقاليد كان مسايرة للأهل لم تملك فيه خيارًا، ولكنها أبت أن تستجيب لمن اختاروه لها زوجًا. وتظل تصارع قدرها حتى تقع فريسة المرض.

وقد حاول شوقي أن يقدم لنا خلال هذا الفصل بعضًا من الأساطير كَوادي الجن، حتى يعطينا صورة متكاملة لأساطير ذلك العصر، مع تلوينها بالطابع السياسي والاجتماعي.

الفصل الخامس

أما في الفصل الخامس والأخير فيصوّر لنا شوقي جناية التقاليد على الأبناء، إذ تنتهي مأساة الحب بموت ليلى. ويظهر بعض الشعراء بعد مواراة جثمانها الثرى معزّين للمهدي، يسيطر عليهم جو القبور ووادي الموت، ثم يظهر قيس ومعه زياد بجوار جبل التوباد يذكر أيام الصبا:

وعلى سفحك عشنا زمنًا *** ورعينا غنم الأهل معًا

هذه الربوة كانت ملعبًا *** لشبابينا وكانت مرتعًا

كم بنينا من حصاها أربعًا *** وانثنينا فمحونا الأربعا

وخططنا في نقا الرمل فلم *** تحفظ الريح ولا الرمل وعى

لم تزل ليلى بعيني طفلة *** لم تزد عن أمس إلا إصبعًا

ثم لا يلبث قيس أن يهيم على وجهه عند قبر ليلى، ويلقي بجسده عليه حتى توافيه منيته.

البناء الفني للمسرحية

ينقسم البناء الفني لمسرحية "مجنون ليلى" إلى 4 أقسام:

أولًا: الشخصيات

أدار شوقي الحوار في مسرحيته على لسان شخصيات متعددة، استمدها من الأخبار المروية عن قصة قيس بن الملوح وليلى العامرية.

فإلى جانب شخصية قيس وليلى محور الأحداث والصراع في المسرحية، استعان ببعض من الشخصيات الأخرى لتسهم في صنع الأحداث وتجعل منها بناءً فنيًا متكاملًا، كالمهدي والد ليلى، وابن عوف أمير الصدقات الذي تولى التوسط لقيس لدى ليلى ولم يفلح، وابن ذريح شاعر الحجاز المعروف وقد توسط أيضًا لقيس، وورد الذي تزوج من ليلى، وكلها تؤدي دورًا فعّالًا في ترابط الأحداث وتسلسلها.

وكما استمد شوقي الشخصيات من القصة المروية، لجأ إلى صنع بعض الشخصيات من خياله لتساعد على تنمية الأحداث ومتابعة تسلسل الحوار.

وقد نجح شوقي في جعل شخصياته تبرز لنا بعضًا من العادات والتقاليد القديمة التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، بل نجح أيضًا في أن يبرز لنا صورة من العواطف التي قد تدفع بصاحبها إلى مواطن التهلكة، والتي تقف التقاليد حائلًا بينها وبين تحقيقها.

أ- شخصية قيس

حاول شوقي من خلال عرضه لأحداث المسرحية والحوار الذي يدور بين أبطالها أن يُلقي الضوء على ملامح شخصية قيس.

فأظهره، على الرغم من ولهه بليلى، ضعيف الحيلة، غير قادر على الدفاع عن حبه ومحبوبته، عاجزًا عن إقناع ذويها بالمنطق والحيلة، كما أظهره في صورة متخاذلة، فهو في حاجة دائمة إلى من يسانده؛ فيرسل ابن ذريح مرة للتوسط له لدى ليلى وأهلها، وأخرى يجد في ابن عوف أمير الصدقات نصيرًا وشفيعًا له عند أهل ليلى.

ولعل في هذا الضعف الذي أبرزه شوقي في شخصية قيس ما يؤهله لأن يكون بطل مأساة، فهو عادة يعمد إلى التخاذل في المواقف التي تحتاج إلى حسم وتصرف سريع.

وعلى الرغم من أن شوقي قد نجح في إثارة شفقة المشاهد على قيس بطل المسرحية، فإن المشاهد كثيرًا ما ينتابه السؤال: إذا كان بطلًا حقًا قد جنّ يعشق محبوبته، فلمَ لمْ يدافع عنها؟ ولمَ وقف هذا الموقف المتخاذل؟ ولذلك لم يحظ بإعجاب المشاهد.

ولعل السبب في ذلك أن شوقي قدّمه لنا وقد أصابه الحب وأعياه وحيل بينه وبين محبوبته، ولم يبدأ بالأحداث من أولها حرصًا منه على وحدة الزمان في المسرحية، ومن ثم فقد وضعنا شوقي أمام أحداث لم ندرِ كيف تدرّجت وكيف وقعت، ولم نتعرّف على طبيعة الصراع الذي نما في نفس قيس حتى انتهى به إلى هذه الحالة.

كذلك قدّم لنا شوقي قيسًا شاعرًا، له مكانته بين شعراء عصره من المحبين من أمثال قيس بن ذريح وابن أبي عتيق، كما أوضح لنا أن شاعريته كانت سببًا فيما أصابه من متاعب؛ فغزلهُ في ليلى كان سببًا في تهديد قومها له، وحرمانه من زواجها. فقد كان من آداب هذه البيئة ومن تقاليدها ألا يتغزّل الشاعر بمن يحب من الفتيات، إذ الغزل تشهير يُحرَم بسببه الزواج من المحبوبة.

وفي حقيقة الأمر نجح شوقي في جعل شاعرية قيس ذات أثر واضح في صنع الأحداث وترابطها، وفي إبراز طبيعة الموقف الذي يواجهه البطل.

ب- شخصية ليلى

أبرز شوقي بما أداره من حوار في المسرحية مكانة ليلى الاجتماعية، واستطاع بما ألقاه من ضوء على شخصيتها أن يُبيّن قدرتها على إدارة الحديث ومنزلتها في المحافل الليلية، ويبدو ذلك في قول مطيع:

أديري علينا شَهيَّ السيرِ *** وقولي فقولك راح السمر

كما أوضحت قدرتها على امتلاك زمامها، ما إنْ يضعها أبوها في محنة الاختيار حتى نراها تخضع لنداء العقل، وما إنْ يحضر ابن عوف للتوسط لقيس لدى أهل ليلى حتى يحار المهدي في أمره ويترك لها الخيار، فتختار الوقوف إلى جوار التقاليد وتضحي بقلبها، فنراها تخاطب ابن عوف:

ولكن أترضى حجابي يُزالُ *** وتمشي الظنونُ على سِدْله

ويمشي أبي فيغضُّ الجبينَ *** وينظر في الأرض من ذلِّه

يداري لأجلي فضولَ الشيوخ *** ويقتلني الغمُّ من أجله

يمينًا لقيتُ الأمرَّينِ من *** حماقة قيسٍ ومن جهله

فُضحتُ به في شعابِ الحجازِ *** وفي حَزْنِ نجدٍ وفي سهله

فخذْ قيس يا سيدي في حماك *** وألقِ الأمان على رحله

ولا يُفكِّرْ ساعةً بالزواجِ *** ولو كان مروانُ من رُسُلِه

ثم تعود إلى نفسها من غفوتها فتندم على فعلتها:

مالي غضبتُ فضاع أمري من يدي *** والأمرُ يخرجُ من يد الغضبان

قالوا: انظري ما تحكمين، فليتني *** أبصرتُ رشدي أو ملكتُ عناني

ما زلتُ أهذي بالوساوس ساعةً *** حتى قتلتُ اثنين بالهذيان

وكأنني مأمورةٌ وكأنما *** قد كان شيطانٌ يقود لساني

قدّرتُ أشياءَ وقدّر غيرَها *** حظٌّ يخطّ مصايرَ الإنسان

ومع ذلك تُحكِّمُ عقلَها وتخضع لندائه، مؤكدة قدرتها على امتلاك زمام أمورها.

ولا شك في أن شوقي استطاع أن يجعل من شخصية ليلى شخصية متكاملة، أسهم الحب في رسم ملامحها، كما أسهمت الأحداث في صنع سماتها، فقد أسهم الحب في إظهار عذوبة حديثها وفي تمسكها بتقاليدها، بل أسهم أيضًا في إظهار تساميها عن الرذيلة، فحينما زار قيس بني ثقيف وتركها وردُ زوجها معه وحدهما، وحاول قيس إغراءها بالانصراف معه، نراها تأبى حتى يسرّحها ورد:

نحن الحرائر إن مال الزمان بنا *** لم نشكُ إلا إلى الرحمن بلوانا

وقد تعاونت صفاتها النفسية مع الحب في تحقيق التماسك ورسم أبعاد شخصيتها.

ج – شخصية المهدي والد ليلى

استطاع شوقي أن يبرز لنا المهدي في صورة شيخ مجرّب يصدر أحكامًا لها طابع الاتزان، فعلى الرغم من ألمه لموقف قيس من ليلى تأخذه عاطفة الأبوة، ويأبى أن يُصاب قيس بأذى بعد أن أهدر القوم دمه:

دمُ الود والقربى وإن كان ظالمًا *** عزيزٌ علينا أن نراه يسيل

وإني لإنسانٍ وإني لوالدٍ *** ولي مذهبٌ في الوالدين جميل

فرفقًا بقيس يا أمير ونحِّه *** بعيدًا لعل الشر عنه يزول

وحتى بعد ممات ليلى نراه يشفق على قيس، ويأبى إلا أن يتحمّل وحده تبعة ما حدث لليلى، فهو الذي خضع للتقاليد فحال دون سعادة ابنته:

وليلى فتاةٌ حرةٌ بنتُ حرةٍ *** أحبّت غلامًا سيدًا وابن سيد

وأعلم أني كنت حربَ هواهما *** وكنتُ مع الواشي وعونَ المفنَّد

ثانيًا – الصراع

برز الصراع في المسرحية واضحًا منذ الفصل الأول، فقيس وليلى يصارعان التقاليد التي تحتم عليهما أن يفترقا على الرغم من حبهما.

وعلى الرغم من صراع قيس للتقاليد، فإن شوقي لم يبرز لنا صورة الصراع الداخلي الذي انتاب قيسًا، إذ قدّمه لنا عديم الحيلة عندما يواجه موقفًا معينًا، خاصة حين يواجه التقاليد وتقف حائلًا بينه وبين حبه لليلى.

وقد وفّق شوقي في تصوير نفسية ليلى وما ينتابها من صراع، سواء قبل زواجها أو بعده، فقد صارعت الظروف التي تعيشها وتقاليد بيئتها، وظلّت تعاني من صراعها النفسي حتى وضعها والدها في موقف الاختبار، فأُصيبت بحالة من فقدان الوعي ورفضت اتخاذ قيس زوجًا لها.

وتظل في مواجهة صراعها النفسي فتأبى تسليم جسدها لزوجها ورد، وتعيش في صراع بين قيمها وحبها، فهي مخلصة لزوجها ولا تسلّم جسدها له، في حين تسلّم قلبها لقيس، وترفض أن تخضع لنزواته حفاظًا على عرض زوجها. وتظل في حالة من المعاناة بين تقاليد البيئة وبين حبها الطاهر حتى تنتقل إلى الرفيق الأعلى.

أما والدها فيبدو في حالة من الصراع النفسي، تارةً حين يحاول أن يوفق بين تقاليد بيئته فيجد منها إجحافًا بحب ابنته، وأخرى حين ينتابه شعور العطف تجاه قيس، ويظل في صراعه النفسي ولا يستطيع اتخاذ موقف لصالح ابنته ضاربًا بالتقاليد عرض الحائط، فيترك الأمر لليلى.

وواضح أن تلك المسرحية تقوم أساسًا على فكرة رئيسة تدور عن حب طفولي بين ابني العم، ثم استرسال في الحب حتى مرحلة الشباب. ولكن تغزل قيس بمحبوبته حال بينه وبين الزواج منها، إذ تمنع التقاليد البيئية من يتغزل بمحبوبته من الزواج منها.

وتستمر الأحداث في المسرحية ويتطور الصراع بين الشخصية الرئيسة وبين تقاليد القوم، حتى تصل إلى نهايتها في بطء تخيّم عليه العاطفة الحزينة.

والنهاية، وإن كانت قاسية نتيجةً للظروف المحزنة التي انتهى إليها الحبيبان، إلا أنها تجذب المشاهد نحوها بما تثيره من شفقة، وتجعله يتردد قبل الحكم بصواب تلك التقاليد أو خطئها.

ثالثًا - الحوار

كتب شوقي مسرحيته شعرًا، متّبعًا الاتجاهات التقليدية الشعرية من ناحية الأوزان العَروضية والاحتفاظ بالقافية، وقد راعى تناسب الحوار مع طبيعة الشخصيات وأسلوب تفكيرها. ولكنه أدخل في غضون الحوار بعض القصائد الغنائية التي كان لها تأثيرها وأسهمت إلى حد بعيد في ترابط الأحداث، ودلت على براعة شوقي في هذا الضرب من الشعر.

رابعًا – السمات الاجتماعية والسياسية

تبدو بعض الملامح الاجتماعية التي حرص شوقي على إظهارها في المسرحية وسيلةً للتعرّف إلى طبيعة البيئة التي وقعت فيها الأحداث.

فالبيئة تسيطر عليها بعض العادات والتقاليد التي تحرم على المحبوب إذا تغزّل بمحبوبته أن يتزوّجَ منها، ولذلك تقف حائلًا بين ليلى وقيس. وكان من عاداتهم الوساطة للمحبين، فعبد الرحمن بن عوف يتشفّع لقيس لدى قومها.

وتبدو كذلك بعض العادات الشائعة في البيئة، فإذا خَدِرَتْ قدم المحبوبة فإنها تسارع إلى ذكر اسم محبوبها.

ويظهر أثر الخرافات التي تعمّ البيئة وأثر العرافة في حياتهم، ويتضح ذلك حين أتى عرَّاف اليمامة وذبح شاةً، ورمى عليها بالعزائم، وأعلن أن شفاء قيس مرتبط بالأكل منها، فهم يؤمنون بالعرافين وبالجن ويتشاءمون إذا «خجلت عين أحدهم اليسرى».

ولم يكتفِ شوقي بعرض الملامح الاجتماعية، بل لجأ أيضًا إلى إبراز السمات السياسية، فنلمح منذ الفصل الأول الصراع القائم بين بني أمية والعلويين، ورغم قوة بني أمية فإن الحسين بن علي كانت له مكانته في النفوس.

رأي النقاد في مجنون ليلى

مسرحية «مجنون ليلى» -كما بيَّنا- لون من ألوان الشعر التمثيلي يغلب عليها الطابع الغنائي، فقد تضمنت بعضًا من المقطوعات الغنائية التي تدل على براعة شوقي وتفوّقه في هذا اللون من الشعر.

ومن الإجحاف أن تُصنَّف هذه المسرحية بين المسرحيات الدرامية، ذلك أنها لم تتخذ من تصاعد صور الصراع المأساوي أساسًا لتطور الأحداث، بل قدّمت صورةً من الصراع البسيط التقليدي «الصراع بين التقاليد والعاطفة»، وزُخرفت بالمقطوعات الغنائية الطويلة التي استحوذت على اهتمام شوقي وأضعفت العقدةَ أو الموقف المأساوي بسبب الاستطراد، وهذا من النقد الموجه لمسرحية مجنون ليلى.

ولعل السبب في ذلك أيضًا أنه قدّم لنا قيسًا في صورة غير طبيعية؛ فهو ضعيف غير قادر على مواجهة ما يقع له من مشكلات، كما لم يوضح لنا طبيعة الصراع النفسي الذي كان ينتاب قيسًا ويوقعُه بين قسوة التقاليد وشدة وطأتها وبين حبه لليلى وولهه بها، خاصة حين زُفّت إلى وردٍ.

وهذا أمر غير طبيعي في عصر سادته الفروسية، خصوصًا حين يستبدّ العشق بفتى الصحراء فلا يخرج مدافعًا عن حبه كعنترة، ويكتفي من الأحداث بالتنفيس عن مكنون نفسه شعرًا. بل إنه –ما قد يثير اللبس في فهم موقفه– أنه مع إدراكه لمغبّة ما جرّه الشعر عليه من عنت الأهل وحكم التقاليد، لم يواجه هذه المواقف إلا بمزيد من الشعر، وكأنه اتخذ من الشعر سلاحًا يدير به معركته، وللشعر سطوته وطلاوته في بيئته.

ومع أن شوقي بطبيعته يأخذ بلبّه موسيقى الشعر وحلاوة اللحن، فقد وجد في بطله ضالته المنشودة. ولعل هذا هو السبب الذي يفسّر قولنا بأن إطلاق لفظ «الدراما» على هذه المسرحية ينطوي على كثير من المبالغة.

كذلك لاحظنا انتهاء المأساة بمجرد رفض ليلى الزواج من قيس، دون أن يُشعرنا شوقي باستمرارية الصراع، فيما عدا انسياب المشاعر بعد اللقاء العابر بين ليلى وقيس في منزل زوجها.

ولعل ذلك ما يدفعنا إلى القول إن هذه المسرحية أقرب إلى العرض التاريخي للصراع ضد بعض التقاليد البالية التي سادت بيئة العرب في ذلك الوقت، ولا تزال لها آثارها حتى يومنا هذا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة