الكل كان في انتظاره وكأنه نجم سينمائي يحضر حفل "الأوسكار" فما أن تطأ قدمه أرض الكلية حتى يجتمع حوله الطلاب من كل مكان ويحدث ضجة وجلبة تملأ القلوب إعجابا مرة وحقدا مرات، فلا تجد مكانا لقدم في محاضراته إنه الدكتور "خالد" دكتور الطب النفسي، الدكتور الذي إذا لم يكن طبيبا لأصبح نجما سينمائيا بلا شك. دخل دكتور "خالد" المحاضرة وسط تصفيق الطلاب وابتسامتهم، وما أن أشار بيديه حتى أصبح المكان يلفه الصمت والهدوء والسكينة، وكأن على رؤوسهم الطير، وبدأ بنحنحة اعتاد عليها طلابه عندما يبدأ كلامه وقال: هذه القاعة تحتوي على أكثر من ألف طالب وطالبة، كل واحد منهم لديه عاداته وتقاليده وميوله ومعتقداته التي يراها صحيحة ولا يمكن التنازل عنها، ومعظم الحاضرين سيجد في نفسه شيئا من موضوع اليوم، إما بالرفض التام، أو الإشفاق، أو الهجوم، أو العتاب، أو الخوف، أو الحزن على النفس التي وقعت في هذا البئر العميق، ولكن أطلب منكم جميعا مهما حدث ومهما قيل أن نخرج من هذا المكان بنفس الروح المحبة الطيبة التي دخلنا بها مهما اختلفت الآراء وتباينت، هل تعدوني بذلك؟ نعم يا دكتور وسط تصفيق حاد وابتسامة عالية.
موضوعنا اليوم عن المثلية الجنسية هدأ الجميع وبدأت المحاضرة فعليا بقوله: كثير منا ينظر للإنسان نظرة الأسود والأبيض، فإما إنه شر مطلق أو إنه خير مطلق وأنا لا أرى في الإنسان هذه النظرة وإنما هي مساحة رمادية يتأرجح فيها الإنسان علوا وهبوطا وبعض الناس يبدأون حياتهم أبرياء حتى تدفعهم يد الشر أو الجهل، فتدفعهم إلى هاوية الإجرام أو المرض فيكونوا هم الدبة التي تقتل صاحبها والجلاد الذي يطهرنا أو يعاقبنا على فعلتنا وكما قال أحمد زكي في فيلم "ضد الحكومة": كلنا فاسدون لا استثني أحدا، ولم أجد بعد هذا الإنسان العادل الحاذق الذي ينظر لمن حوله بعيدا عن مظاهرهم أو أخلاقهم وميولهم ولا يفصلها عن أسباب نشأتها.
وأردف قائلا: حقا إن الدنيا أرض الابتلاءات والاختبارات، فمنا من يبتلى في عقله ومنا من يبتلى في نفسه أو ماله أو عرضه أو شكله إلى آخر هذه الابتلاءات ومنا من تكون نفسه هي العدو الأول له، والكل يفصل نفسه عن هذه الابتلاءات وكأنه بعيد كل البعد عن هذه الابتلاءات، وكأنه المختار، أو الملاك الطاهر، أو القديس والنبي، وأن من يفعل هذه الأفعال شيطان ناري، أو حيوان شهواني يجب أن يرجم، ولا نجد الرحمة تطأ قلوبهم، وكأن قلوبهم أظلمت ونفوسهم أسودت، وأنا أرى أن من ينظر هذه النظرة على أي إنسان مبتلى في أي شيء هو من يحتاج للعلاج لا هم. ( من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر)، ( لا تكونوا عون للشيطان على أخيكم). هذه مقدمة بسيطة أمهد بها للموضوع، ويجب أن تكون هذه نظرتنا يا أولادي في كل أمور حياتنا، لا تحكم على الغير إلا تحت معطيات الظرف والبيئة التي نشأ فيها، والحالة العقلية والوراثية لهذا الشخص، ولندخل في لب الموضوع.
كل إنسان يولد ولديه انحراف في سلوك ما أو إحساس ما يدفعه إلى فعل معين، كأن يولد الطفل عصبيا، أو عدوانيا، أو عنيدا، أو لديه داء السرقة، أو المثلية الجنسية الذي قال عنها "هامر" في أبحاثه: إنها نتاج جين يسمى "جين الشذوذ الجنسي"، وظن "هامر" أن هذه النتائج تأتي في صالح المثليين، إلا أن هذه النتائج كانت تهدد حياة المثليين باعتبارهم سبب في إنجاب المزيد من المثليين في المجتمع، ولكن هذه الأبحاث ثبتت عدم صحتها بعد تكرار التجارب وعدم الوصول إلى نتائج مطابقة، فإلى الآن يا أولادي لم يثبت علميا أن المثلية الجنسية تنشأ نتيجة جين موروث، أما نظرة علم النفس للمثلية الجنسية، فقد كانوا ينظرون إليها على أنها اضطراب نفسي يحتاج إلى علاج طبي، حتى قامت الجمعية الأمريكية للطب النفسي بعدم إدراج المثلية من ضمن الأضطرابات النفسية سنة 1975، وأرى أن في هذا القرار استعجالا، أو تعمدا لا أعرف الهدف منه، أو أعرف، ولكن لنتكلم بالعلم لا غير وقد تعاهدنا على أن محاضرتنا علمية لا يتخللها شيء دخيل على العلم، فإذا كان الإنسان يولد ولديه ميل نحو شيء منحرف، فهل هذا يعد مبررا لاستمرار هذا الميل، ونجعل هذا الإنسان ضحية هذا الميل؟ بالطبع لا، لقد خلق الله للإنسان عقلا يسيطر على كل هذه الميول، ويعرف الخطأ منها والصواب، ويقيم ويحلل ما يعرض عليه وما يدور في نفسه، ويقدم في النهاية للمجتمع نتاج عقله ووعيه، أما إذا كان العقل معطلا، فهنا ليس على المجنون حرج ويعالج على أنه مريض عقلي، ولا يعالج على أنه مثلي الجنس، لأن هذا يعتبر عرض لمرض عقلي، وهنا علينا أن نوضح أنه كما تظهر أعراض الأنوثة على الرجال من نعومة الجلد والصوت وكبر حجم الثدي، أو أعراض الذكورة تظهر على الإناث من كثافة الشعر وخشونة الصوت وهي من الأمراض الهرمونية المعروفة، هذا لايمنع من أن تكون المثلية اضطراب، ولكن لا دليل علمي عليه حتى الآن، ولكن حتى هذا الاضطراب لا يفقد الإنسان إرادته في تعديله وعلاجه.
وانتهى دكتور خالد من شرح هذه الجزئية بتبسيط ووضوح وقال لطلابه: أتريدون استراحة بعد هذا الجزء أم نكمل؟ فرد الطلاب بحماس: فلنكمل.
فاكمل دكتور "خالد": نأتي لسبب آخر وهو أن هناك من تعرض لتحرش جنسي، أو اعتداء، سواء من قريب له أو بعيد، وتكرر هذا الاعتداء مرات، حتى أصبح الشخص أو الطفل يميل نحو هذا الاعتداء برغبة ومتعة، لأن استمرار الإنسان على شيء ينتج عنه عادة، ومن ثم ينتج عنه ميل وإدمان لهذه العادة، مثل: العادة السرية أو حتى تصفح الإنترنت.
وهناك من الأطفال من قام بملامسة أعضاء الإخراج لديه، فشعر بمتعة وإثارة، ومع تكرار التلامس والشعور بالمتعة يتكون لديه ارتباط شرطي بين المتعة وهذه المنطقة، تأتي العوامل البيئية لتزكي وتؤيد هذا الفعل، فيظهر السلوك المثلي ولو أنه وراثي وأن الطفل وُلد به.
وهناك من يشعر بالخوف من إقامة علاقة مع الجنس الآخر، ويشعر بأنه لن ينجح في مثل هذه العلاقة، فيتجه إلى إشباع رغبته عن طريق صديق له، فالمجتمع لن يرفض علاقة ظاهرها الصداقة وباطنها إشباع جنسي لها أسباب نفسية عميقة.
ومنهم من لديه شذوذ نفسي فهو يحب أمتلاك كل شيء حتى أصدقائه، فنجد الفتاة تحب صديقتها حبا جنونيا، فتتحكم فيها، وفي لباسها، وفي من تصاحبهم، أو تتقرب منهم، وترفض أي علاقة تجمعها برجل، فتشتد تعلقا بها، فيخرج هذا التعلق في صورة شذوذ جنسي وهو في الأساس احتياج نفسي، فبدأت بعض الفتيات تنظر إلى بعضها البعض في ذهول فلاحظ دكتور خالد هذا وقال وهو تعلو شفتيه ابتسامه عريضة: ليس كل التملك تكون نهايته الشذوذ، فضحكت الفتيات وأكمل حديثه، وهناك من اتجه هذا الاتجه بالصدفة، ويتسم هذا الشخص بضعف الشخصية فهو لا يستطيع أن يقول كلمة لا حتى لا يفقد صديقه أو هكذا يخيل إليه، فإذا أتى صديق له ودفعه إلى هذا الطريق عن طريق المزاح أحيانا أو تحت تأثير المخدرات أحيانا أخرى، ولامسا بعضهما البعض فشعرا بمتعة ووجدا مكانا لإفراغ شهوتهما وكررا هذا الفعل حتى أصبحا شاذين بالصدفة.
كما لا ننكر دور التفكك الأسري، والحرمان العاطفي، والقسوة من الوالدين، والإهانة المتعمدة، والرفض الأسري للأطفال، كل هذا يلعب دورا في اتجاه الأطفال إلى أصدقائهم، وتكوين رابطة أقوى من رابطة الأسرة، تتحول إلى شذوذ جنسي، وأيضا دور الأفلام الإباحية الشاذة بما تحتويه من شذوذ، ووممارسة غير طبيعية، من المساعدة للدفع في هذا الاتجاه.
كما أن للكبت الجنسي دورا كبيرا في ظهور الشذوذ الجنسي، فيظهر أشكال الشذوذ بكثرة في السجون، والمدارس الداخلية، والسكن الجامعي، لأنهم لا يستطيعون إفراغ شهوتهم في المكان الطبيعي، فيلجأوا للشذوذ.
وكما يقولون أن ممارسة العادة السرية والاعتياد عليها يفقد الإنسان جزءا من المتعة الطبيعية مع زوجته، فاعتياد ممارسة الجنس مع الجنس المماثل يفقد الإنسان الرغبة في العلاقة مع الجنس المغاير.
وغالبا وليس دائما ما يكون في العلاقة المثلية شخصيتان: شخصية تُظهر سطوتها وتحكمها، وشخصية ضعيفة تتقبل الأوامر والتعذيب والوجع إذا تطلب الأمر.
هذا يا أولادي مجمل الأسباب التي ينشأ عنها هذا الفعل الغريب عن طبيعة الإنسان.
فرفع طالب يده يريد أن يسأل سؤالا فأشار له دكتور نافع، فقال الطالب: وكيف يا دكتور "خالد" أن نتجنب هذا الشيء ونحمي منه أولادنا ومن نحبهم ممن حولنا إذا اكتشفنا هذا الامر؟ فقال دكتور "خالد" بعد لحظة تفكير ونظرة شاردة: إذا كنتم تريدون جيلا سويا بعيدا عن هذه الانحرافات، فعليكم بتجنب كل الأسباب التي تظهر هذا الشيء فإذا كان مرضا كما يقول البعض فلا يجد البيئة التي تظهره وإذا كان نتاج البيئة والظروف فقد هيأناها على أفضل ما تكون لنشأة جيل يرفع شأن أمته عاليا خفاقا.
وتنحنح الدكتور خالد مرة أخرى ولكن هذه المرة كانت إيذانا بانتهاء المحاضرة وقال لطلابه: أعلم أن لكل واحد منكم رأيه وقناعاته، ولكن هل سنخرج مثلما دخلنا برغم اختلاف الآراء وتباينها؟ فرد الجميع في حماس نعم.
بقلم يوسف محمد
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.