طالما بهرتني شخصية "أبوكيفو" حسن أرابيسك التي مثلها صلاح السعدني في مسلسل "أرابيسك "، والتي عمقها بكل تفاصيلها الإباحية David Duchovny في مسلسلCalifornication بشخصية هانك موديHank Moody (مودي: تعني مزاجي) وهو الاسم الذي لا يخلو من دلالة.
اقرأ أيضًا الشخصية الأنانية - فكرة صحيحة؟
مميزات الشخصية المزاجية
لي صديق عزيز شاعر كبير قرأ أحد كتاباتي من فترة طويلة في بداية سن النضج، ونصحني بصورة حاسمة وحازمة أن أترك كل ما أفعله وأتفرغ للكتابة، لأنه رآني كاتب حقيقي.
لم أُجب وقتها إجابة شافية حقيقية، ولم أكن في يوم من الأيام باحثًا عن الحقيقة، فكل الأسئلة الكبيرة الضخمة قناعتي بها وُلدت معي من الصغر، ولم أواجه مآسي هوية أو بحث عن ذات بالمطلق في حياتي.
لذا لم تُثرني فكرة البحث عن الحقيقة التي تغري الإنسان بالتعمق في القراءة، إلى أن يصل إلى إجابات يجدها تستحق النشر، ولكن كنت ومازلت أهوى فعل الكتابة، بعد فعل القراءة.
أحب أن أصبغ حياتي بطقوس الكتابة، حتى إذا لم أجد في نفسي الدافع للكتابة.
صديق آخر لي روائي شاب واعد، عندما أخبرته أني أكتب، نظر لي نظرة المستهزئ الواعي وسألني لماذا تريد أن تكتب، فلم أجد اجابة..
لا يوجد لي دافع حقيقي للكتابة، لا أجد أن وصفي بالكاتب او الروائي هدف، حتى وصفي بالمثقف لا يقترن بفعل الكتابة، والتعبير عن ثقافتك ليس طريقه الوحيد الكتابة، بالاضافة الى ان المثقف في حد ذاتها كوصف لشخصية ما ليست هدفا، الا في مجتمع "البراندات".
هذه الافكار لا اناقشها مع نفسي في العادي وإجاباتي دائمًا محسومة إلى أن أصطدم بشخصية "أبو كيفوا" الثرية، فأفتح فمي منبهرًا وأتشربها وأتمتع بتفاصيلها مشاهدة لا ممارسة، ثم نقدًا لا تطلعًا...
يمتاز "أبوكيفوا" بثلاثة صفات تشكل شخصيته الجذابة والمزاجية، الثقة بالنفس الزائدة عن المعقول مع غباء اجتماعي نتيجة عقدة نقص ناتج عن قهر معين في بداية تكوينه، يغلف ذلك إبداع يوازن هذا الكسر.
وهذا القصور الاجتماعي يظهره في صورة المتعالي عن الجميع نرجسي المشاعر، فهو مقتنع أنه محورالكون لذا يحتاج الى أقمار وكواكب تدور في فلكه.
أزمته الشخصية تكمن في هذا التركيب والتضاد اللذان يشكلان حياته، يختلف "أبو كيفوا" عن الشخصية المغرورة في الجانب الإبداعي الحقيقي وقدرته على تحمل وعورة الطريق إلى أن يصل هدفه والذي فالنهاية يمثل تحديًا جديدًا وطريقًا جديدًا، نظرًا لشخصيته القلقة غير المستقرة والتي تتأقلم فقط في التحديات حتى لو التحديات خيالية أو طواحين هواء.
اقرأ أيضًا انظر إنك تمشي بحذر - تحفيز الشخصية
الشخصية المزاجية الإبداعية
"أبوكيفوا" يبحث عن إشباع الذات بالتمادي في الإشباع، وهو ما يؤدي به إلى الانفلات والأسهل أن ينفلت، والاسهل أن يقتات، والأسهل أن ينحل.
والمغري دائما بالنسبة لي لم يكن الانفلات رغم ما به من فتنة، بل عدم تحمل المسؤليات إلا ما يراه هو، اختياره لقواعده وقيمه هو، وهو ما يجعل منه بطلاً مغريًا للتقارب.
فعندما ينام الجميع تسهرأنت، فتتمتع من الليل بما ندر أن يتمتع به آخرون، وإذا سهر الجميع لمتابعة حدث ما تنام أنت، لانه كيفك وليس فرضك.
إذا خدش أحد كبريائك ردك يكون عنيفًا هادمًا لأي روابط بينك وبينه، ودون الالتفات لمآلات المستقبل، أو تبعات هذا الفعل، طالما مبررك جاهز وردك واضح.
التطرف في حرية اختيار قيمك مهما تعارضت مع بيئتك تجعل منك أسطورة تجذب عيون وقلوب وعقول النمطيين الراكبين في قطار المفروض والمتفق عليه، وتميزك عن الركب، سلاحك الناجع في منازلات الحياة، وفروسيتك هو نمط حياتك غير المالوف.
ومع كل تلك الإغراءات فسوداوية رؤيتك للحياة وسيف الإنجاز وأمراض النفس، وعدم تحملك المسؤولية يصطدمان دائمًا بالواقع ويجرانك جرًا من دائرة فشل إلى أخرى..
أهمية "أبو كيفوا" في مجال الإبداع تكمن في ثراء حياته نتيجة التجارب التي يخوضها بعيدًا عن المالوف، واختلاف نمط حياته وتمركزه حول ذاته والتي تجعله يرى الأشياء بمنظور مغاير، وصورته الذهنية عن العالم وتفاعل ذلك مع قيمه الفردية، وهو الأمر الذي يجعله يرى جانبًا من الصور مغايرًا وأكثر عمقًا..
كشخص أحب طقس الكتابة وأملك افكار تستطيع الوصول إلى حروف، أرى الجنة المحرمة في "أبو كيفوا" في الحياة غير المسؤولة والمنفلتة والتي تشكل لنفسها قيمها الخاصة و تراعيها هي ولا تراعي قيم المجتمع مثلًا.
انفلات يقتات على عدم الإخلاص ويشبع روحه بالتجارب العنيفة وملاحقة الأيام والسهر والموت نومًا ومقاومة الروتينية بكل تطرف.
وهو نموذج من الكتاب أصبح "ستيروتايب" قلما وجدت مبدعًا خارجه، حتى أن الأمر يصل إلى أن ارتبط الإبداع بالمرض النفسي، وهو ما يشرحه كتاب "عقل غير هاديء" للكاتبة "كاي ردفيلد جاميسون" وترجمة المثقف السعودي "حمد العيسى "، و يدرس باستفاضة في علاقة المرض النفسي بالإبداع .
اقرأ أيضًا
-الشخصية.. أنواعها وعوامل تكوينها ومكونات بناءها
-الضحك: صراع بين قوة الشخصية وذكاء العقل
فخم.. واسلوب الكتابة قوي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.