الشجرة الكبيرة

وقفت اتطلع إلي هذا الشاب الواقف هناك يستظل بشجرته. كهلًا صرت بعدما حُزت الدنيا بما فيها. كان الليل على وشك السقوط. كنت اعتاد الذهاب للمكان ذاته يوميًا مع زوجتي, التي فارقتني الأسبوع الماضي. كانت جميلة . كانت أكثر مما طلبته في خيالي. كنت أحبها, بل مع الوقت صرنا أحباء. كنت تعيسًا و لكني كنت راضيًا عن حالي. أصبحت الآن وحيدًا. لم ننجب سوى طفلًا وحيد مات قبل أن يطلق للعالم صرخاته الأولى.
هذا الشاب لا يحرك ساكنًا مثلي. هل مات مثل زوجتي ؟ كيف يكون قد غادر الحياة و هو ما زال واقفًا كالشجرة ؟
كانت الحديقة يغادرها الجميع, فمن عادة سكان المدينة النوم مبكرًا. فهي ليس مدينة ساهرة.
أمسكت بعصا أتكأ عليها و توجهت نحوه. كان على قدر من الوسامة لا بأس به, ارتدى قميصًا وردي اللون يشبه تلك الزهرة التي يحملها في يده, أما بنطال فقد عبث به طين الحديقة حتى تحول أسوده إلى بني شاحب. لم يكن ينظر سوى إلى اتجاه واحد. اقتربت منه بخطوات متكاسلة ... لقد مسني الكبر و عبثت بي شيخوختي و لم تكن بالمرة رحيمة. سأموت قريبًا ! لطالما خفت من فكرة إنتهاء الدنيا و كثيرًا ما يصيبني بمرارة معذِبة كون أعمالي ستُنسى و سأكون مجرد دعوة في لسان بشر قد يتذكروني.
 لكنني الآن, لا أكف عن الضحك حين أقابل قابض الأرواح ... لقد أصبح صديقي .
وصلت بعد عناء كبير و وقت مر مرور ليس بيسير. ظل الشاب كحائط مشروخ آيل للسقوط. لا تغفل عيونه و لا تنغلق جفونه  أقدامه موحلة في التربة اللينة, حتى ظننت أنه ورقة خريفية صفراء .
قلت له في سكونه هذا:
- يا بني ... أنت بمفردك؟
قال بحزن عميق:
- دائمًا .
كأنه يحدث أحد غيري. يرد علي و عيونه لا تغفل عن هذا المبني المهجور. هذا المبنى الذي لا يقترب منه أحد في الحديقة.
قلت له:
- ألم تسأم من الانتظار؟
قال و هو غير مكترث:
- ستأتي ... حتما ستأتي.
قبضت بيدي الهزيلة ذراعه العريض القوي , و أخبرته أن عليه أن يريح نفسه قليلًا. نظر إليّ حينها و كانت عيونه تتوسل إليّ, كأنها سجينته. يحبسها و لا يتركها تغفل . يعذبها دون هوادة.
أخبرته:
- إذنً, من تنتظر, لعلنا ننتظر نفس الشخص؟
- انتظر من لن تأتي أبدًا.
- من هي؟ زوجتك؟ حبيبتك ... أمك ... أختك؟
- كلهن .
- تنتظرهن مرة واحدة؟ لِم لا تجعلني اتصل بهم؟
- لا هي واحدة ... أنا يتيم , و ليس لي أخوة و لا أخوات.
السماء فتحت أبوابها حينها. الأمطار لم تكن بتلك القوة منذ حين. كأنه على وشك أن يخبرني بسر فضّلت السماوات عدم إذاعته. سر أم بكاء أم تعاسة ... لا أعرف بعد.
قال لي بعد أن أجلسني على طينة الشجرة و أملت أنا ظهري المتهالك إلى جزعها الضخم, أحاطت بنا أفرع الشجرة الكبرى و جلست جواري و كأنه يريد أن يفضي. لكن لم يتفوه. قال لي:
- أنني خائف.
- كلنا نخاف ... لكن ما عسانا نفعله؟
- نهرب ... من موت الدنيا لموت آخر ينهي قصتنا التعيسة.
- لِم تصفها بالتعيسة؟
- لا أعرف ... هكذا ألفتها يا .... يا ... أنتَ.
- لم تخبرني من تلك التي تنتظرها؟
حينها صمت ... طويلًا. كأني سببتها, لم يكن يعرف أني أريد أن اتحدث مع أي أحد, لقد غادرني الجميع و لا أريده أن يموت مثلي رغم أنه في شبابه.
فصمتنا و الأمطار قلت حدتها. كان غضبه الداخلي يُصب من السماء.
فقررت أن أحكي له, و إن لم يسمعني , فلقد أغتنمت فرصة التحدث إلى أحدهم:
- هل تعرف يا بني .. ما أسوء ما في الانتظار؟ اليأس ... و الأسوء من اليأس, هو الأمل الزائف . لِم تنتظر هنا . تلك الشجرة, لا تنتظر أحدًا, أعطتها من روحك القليل و ستجد فروعها ممدودة نحو السماء و ستتحرك إن أمكنها ذلك. التعاسة ليس في الفقدان , بل في بخل عطائك لنفسك.
لم يكترث لما أقول. يا له من بائس آسير لحزنه!
فجأة قال لي:
- هل تريد أن تموت؟
قلت له:
- ليس اليوم.
- و ماذا عن الغد؟
- حينها ربك سيسهلها .. و أنت؟
- أنا أريد أن أموت بالأمس .
- و بعد ما ستموت؟ ماذا ستفعل؟
- أنهي ماسآتي, هذه الجائزة الكبرى التي يحصل عليه الأموات.
- و تترك الحديقة ... و الشجرة؟
- كما ستتركها أنت  يوم مماتك.
- لن أتركها بإرادتي, سأطلب في الجنة أن أزورها بروحي كل يوم. سأطل عليك هنا كل يوم.
سخر مني:
- جنة و نار؟ لِم نحتاج حياة أخرى ... ألم نكتفِ بما عشناه؟
- معك حق ... لكنها أمنيتي.
- أرحل يا شيخ ... الليل قد هبط و ليس باستطاعتي مساعدتك و لن أضيع وقتي معك.
كان في قلبي حزنٌ ما. لا أعرف بسبب ما قاله أم أنها عدوى. الأموات يصيبون الأحياء بالعدوى, لهذا لا أحب أن أذهب للمقابر.
لم أقدر أن أقوم ... فحاولت الاتكاء على العصا و غرستها في الطين اللين, و كان المطر قد توقف.
ساعدني في القيام .. شكرني و رجع لموضعه. أما أنا فرحلتُ. سرت بقدمي في الوحل و لكن كنت منتشيًا. لقد تحدثت مع أحدهم. شعرت بنسيم مريح يأتيني, صقيع بدأ يلمس جسدي المتعرق و صوت همس في أذني. كان أحدهم يقترب مني. أسير على مهل, فإذ بأحدهم يهمس و يخبرني, انظر وراءك و تمنى شيئًا قبل أن أسقط ... قبل أن نرحل سويًا ...

                                                  *******

 

كان هذا اليوم التاسع و الخمسين . شهرين تقريبًا , انتظر موعدنا . اسعى لرؤيتها في الحديقة . اتسمر في مكاني تحت الشجرة الكبيرة كما أخبرتني .

قالت لي قبل أن تستتر :

- انتظرني ستين ليلة , في إحداها ستنال مني نظرة و عناق .

إنها الليلة قبل الأخيرة . عدم يقين تمكن مني حينها و أخبرني أنها لن تظهر . لقد تناستني . المطر هذا لم يذكرها بما بذلته لها . الوردة في يدي لا طائل منها . أحيانًا أراها ... خُيّل إليّ أنها تلك المرأة التي هناك . و لكني لم أحرك ساكنًا . فهي تعرفني و تعرف الشجرة الكبيرة و إن أرادت لجاءتني .

الموت سيأتي قبلها  على ما يبدو .

لا أرى في الحديقة أمامي سوى لون أخضر باهت مائل للأصفر .

أصفر شاحب مثل وجه هذا الشيخ القادم تجاهي . يسير نحوي سير الأموات إلى جحيم النار .

سمعته و لم أرد أن أجبه . سيتحدث معي و لست في مزاج جيد لأسمع و استمع . كل جسدي الآن مشغول بكِ , أين أنتِ ؟ تبقت ليلة واحدة , و قد افارق الدنيا حينها . انتظرها قبل أن تأتي و بعد أن ترحل انتظرها دون ملل . أريدها ... كالجنة المزعومة , لا أريد غيرها . لكن هل الرغبة و السعي وحدهما سيحققان غايتك ؟ لا أظن هذا . 

قاطعني و سألني .. لم أرد . و اسنتده إلى جزع الشجرة . فلا أريد أن يموت و يأخذني قابض روحه معه . فسألته عن الموت ... لأنه أكثر علمًا مني . لم تكن إجابته مقنعة لكن هناك شيءٌ في نفسي جعلني أظن أنها رسالة مبعوثة منكِ ليطمئني أنك بخير و أن مازال في الحياة ما يستحق أن نعيش من أجله . ظل يتحدث و أنا أهيم شوقًا إليكِ . الطمأنينة كانت في وجوده جانبي . 

قرر الرحيل فلم أمانع . ظل يرحل كنور الشمس وقت الغروب حتى اتخفى الضوء من ناحيته . و صار الضوء ينبعث من البيت المهجور . ضوئك أنتِ ... لقد بدأ الحياة لتوها بمجرد نظرك ناحيتي . كنت أجري , حتى وقعت في الوحل . قمت من جديد و أنتِ تقتربين و كدتُ ابكي . لم يكن من المفترض أن يحصل هذا ... لكن خيبتِ ظني . خفت أن أعنقك من كثرة وحلي . فعانقتني .

 

في طريق عودتي أنا و هي , وجدنا الشيخ قد رحل ... إلى هناك ... إلى الشجرة الكبيرة ... إلى زوجته ... ليسمع صرخات طفله . 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب