لم يعد الشتاء فصلًا في التقويم منذ رحيلك؛ بل أصبح جوًا داخليًا أعيش فيه، ليس اشتياقًا عابرًا يمرُّ مثل غيمة، وإنما إقامة طويلة في فكرة واحدة اسمها أنت، أهرب منك إلى العمل، وإلى الضجيج، وإلى ازدحام الوجوه، وإلى زحام الحياة ومتاعبها، وحين أعود.
أجدك جالسًا في الزاوية الأعمق من روحي، هادئًا كما كنت، كأن الغياب لم يحدث قط.
تأتيني في الأحلام كما كنت في البدايات، بنبرةٍ تعرف الطريق إلى قلبي، وبنظرةٍ كانت تطمئنني قبل أن أنطق، فأستيقظ في أحيانٍ كثيرة وأنا مبتسمة، ثم يهبط الصباح ثقيلًا حين أتذكَّر أن الحلم كان أصدق من الواقع، فكيف يمكن للذاكرة أن تكون أحنَّ من الحاضر؟ وكيف يتحوَّل الليل إلى ملاذٍ آمن فيه احتمال لقائك؟
أحبك، على الرغم من أنك كنت أول من اختار المسافة، وظننت أن الخذلان يطفئ الحب، لكنه في داخلي لم ينطفئ؛ بل تغيَّر شكله فقط، أصبح صامتًا، أعمق، وأكثر ألمًا، كأن قلبي لا يجيد الانسحاب، بل يجيد البقاء حتى حين يكون الرحيل هو الحلَّ الأسهل.

أستدعي صورتك الأولى كلما حاولتُ أن أكون مُنصفة، لا أتذكَّر القسوة بقدر ما أتذكَّر الحنية التي كانت تسبق كلماتك، والطمأنينة التي كنتُ أشعر بها وأنا أمشي إلى جوارك، كنتَ تضحك من قلبي لا عليَّ، وكنتُ أصدِّق أن العالم أقلَّ قسوة ما دمتُ إلى جانبك.
أبحث لك عن أعذار كما لو أنني أدافع عنك أمام نفسي، أقول إن الأيام غيَّرتك، وإن الحياة كانت أثقل مما ينبغي، وإن البرودة التي صارت بيننا لم تكن طبعك الأول، ولا زلتُ أتمسَّك بالصوت الأول، وبالدفء الأول، وأقاوم فكرة أن الإنسان قد يتحوَّل إلى نقيضه.
كان في حضورك ما يشبه المدفأة الوحيدة في برد العمر، فلم تكن كلماتك مجرد عبارات؛ كانت سقفًا يحتمي به قلبي، واليوم أعيش حياتي كما يجب: أبتسم، وأعمل، وأتعلم، وأشارك الآخرين تفاصيلهم، ولكن في الداخل مساحة باسمك، مساحة لا يدخلها أحد سواك، ليس لأنني أرفض الحياة، بل لأن بعض الأمكنة لا تُستبدل، حتى لو باتت موجعة.
اشتياقي لك ليس ضعفًا، بل أثرُ صدقٍ تجذَّر في أعماقي. والصدق، حين يستقرُّ، لا يُقتلع بسهولة، وربما سأتعلم التعايش مع هذا البرد، وربما سيبدو عليَّ التعافي يومًا ما، لكنني أعرف أن جزءًا مني سيبقى يبحث عنك في الزوايا الهادئة، وفي تفاصيل لا يلاحظها أحد سواي.
لم تكن عابرًا في حياتي، بل كنت فصلًا كاملًا، وكان فيك من الدفء ما يكفي ليجعل غيابك شتاءً طويلًا في روحي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.