الشاعر عمر أبو ريشة: عبقري الكلمة وسفير الدبلوماسية العربية

يعد الشاعر عمر أبو ريشة قمة شامخة في هرم الشعر العربي المعاصر، فهو لم يكن مجرد ناظم للكلمات، بل كان صانعًا للألق ووميضًا في ليل الأمة. جمع في شخصيته بين شموخ البدواة، ورقة الحضارة، وحنكة الدبلوماسي، مما جعل قصائده تتردد في المحافل الدولية تمامًا كما تتردد في حناجر الثوار والأحرار.

في هذا المقال سنتعرف على أصول الشاعر، وخصائص شعره، ولماذا أطلق لقب «أبو ريشة» على العائلة؟

عمر أبو ريشة: الجذور العريقة والمنشأ

تذكر بعض المصادر أن عمر أبو ريشة ولد في مدينة منبج السورية عام 1910م، بينما تؤكد روايات أخرى أنه ولد في مدينة عكا الفلسطينية عام 1912م حيث كان والده يعمل هناك.

ينحدر الشاعر عمر أبو ريشة من أسرة عريقة ضاربة في جذور التاريخ العربي، حيث يعود نسبه إلى أمراء الموالي من قبيلة طيء العربية. كان جده قاضيًا في منطقة البقاع، بينما كان والده شافع بن مصطفى أبو ريشة أديبًا وشاعرًا ومسؤولًا إداريًا تقلب في مناصب عدة، حيث عمل قائم مقام في منبج والخليل وطرابلس، وعاش فترات طويلة في الترحال والمنفى.

من هو عمر أبو ريشة

أما والدته فهي خيرة الله اليشرطية، ابنة الشيخ إبراهيم علي نور الدين اليشرطي، شيخ الطريقة الشاذلية في مدينة عكا.

وكانت عائلة عمر أبو ريشة مفعمة بالمواهب الشعرية المميزة، فأخوه «ظافر» نشر ديوانه « نافذة الحب» عام 1981م، كما طبع ديوانه الثاني «لحن المساء»، كما كانت أخته زينب ممن تتهافت الصحف وتتسارع لنشر قصائدها.

لماذا أطلق على العائلة لقب «أبو ريشة»؟

يعود سبب إطلاق لقب (أبو ريشة) على العائلة إلى واقعة تاريخية ارتبطت بأحد أجداد الشاعر، إذ تذكر المصادر أن السلطان رشاد قد أسر هذا الجد في إحدى المواقع، ولكنه لم يلبث أن كرمه بوضع ريشة مرصعة بالأحجار الكريمة على عمامته، فصار اللقب ملازمًا لنسله من بعده، تعبيرًا عن التقدير والرفعة.

على الصعيد الشخصي، تزوج الشاعر عمر أبو ريشة مرتين خلال حياته، وكانت زوجته الثانية تدعى سعاد مكربل، التي شاركته حياته حتى وفاته. وقد شكلت هذه الروابط الأسرية المتنوعة بين سوريا وفلسطين ولبنان، إضافة إلى الخلفية الصوفية والأدبية لوالديه، مزيجًا ثقافيًا وإنسانيًا فريدًا انعكس بشكل واضح على شخصيته الأدبية وتوجهاته الفكرية.

الرحلة العلمية: من حلب إلى عاصمة الضباب

تلقى عمر أبو ريشة تعليمه الابتدائي في حلب، ثم التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت، وبعدها سافر إلى إنجلترا لدراسة الكيمياء الصناعية في معهد النسيج الفني بمانشستر، حيث نال منه ثلاث شهادات.

دراسة عمر أبو ريشة

وخلال إقامته في لندن، لم يكتفِ بالعلوم التطبيقية بل صقل موهبته بدراسة الأدب الإنجليزي قبل أن ينتقل إلى باريس لفترة، ليعود بعدها إلى حلب عام 1936م ويبدأ مسيرته العملية مديراً لدار الكتب الوطنية.

خصائص شعر عمر أبو ريشة: ملامح العبقرية

يهمنا أن نعرف أن هذا الشاعر لم يكن من هؤلاء الشعراء الذين يتعجلون الشهرة، فيسرفون على أنفسهم وعلى الناس بما ينشرون من شعر يظل مجرد ترديد لمعانٍ يندر فيها الوميض والألق، فإذا استثنينا القدرة على النظم وزنًا وقافية، يظل ما تقرأ لهم كلامًا مكرورًا، لا تكاد تمضي في محاولة توخي روح الشعر فيه، حتى تشعر أن بين الشاعر وهذه الروح التي تشبه الزهر الفواح بالأرج، المتبرج بالألوان والظلال، لا يختلف عما بين الجثة الخامدة آن لها أن تُدفن قبل أن تفوح منها رائحة الموت..

يقول عمر أبو ريشة:

أنا حفنة من رماد المنى *** على مجمر الزمن الأزور

هويتك في غصة المؤمنين *** إلى جرعة من فم الكوثر

وفوق جفوني عصاب الذهول *** فلم أتبصر ولم أُبصر

ظلمتك ظلم انهيار الخيال *** على يقظة الشاعر العبقري

وكان باعث إعجابي أو تعلقي بهذه الأبيات -ولا بأس بالاعتراف اليوم- أني كنت أعيش التجربة التي صورها الشاعر.. وإن كنت قد توقفت عند قوله «فم الكوثر» إذ تختلف صورة الكوثر عندي، فهو نهر من أنهار الجنة، ليس له هذه الصنابير أو الأفواه.

وقد ظللت أتتبع شعر عمر أبي ريشة، فأقرأ له، وأُعجب، وأضيق، حين يفاجئني بقصر نفسه، وأشعر أنه يقف بالقصيدة في اللحظة التي تترامى فيها الآفاق أمام القارئ لمزيد من الدفق والعطاء.. ووجدت أن هذا فن من الفن.. إذ ليس أجمل من أن يترك الشاعر للقارئ خياله وأحلامه وآفاقه..

ووقع في يدي ذات يوم ما أظنه أول ما صدر للشاعر في شكل ديوان أو مجموعة من قصائده، وبديهي -فيما أعتقد- أن أُعنى بشعر الشاعر، أو بالشاعر كشاعر دون أن أتتبع مسيرة حياته. وأعطتنا المجموعة الجدية ملامح من هذه المسيرة، لنرى أنه عضو المجمع العلمي العربي في دمشق، وعضو الأكاديمية البرازيلية للآداب «كاريوكا»، وعضو المجمع الهندي للثقافة العالمية.

وابتسمت، للكلمة التي تُشرد عمر أبو ريشة في مشارق الأرض ومغاربها، وتهامست مشاعري، عن هذه الكلمة للشعراء والكتاب في عالمنا العربي، التي يكون نصيب أصحابها في الأغلب التشريد، إن لم يكن في مشارق الأرض ومغاربها، ففي ظلمات أعماقها موتًا، أو حياة كالموت، ولم يطل عجبي، إذ انداحت في ذاكرتي، مسيرة الكلمة عبر التاريخ وكيف ظلت دائمًا لا تحظى بغير التشريد والملاحقة.

ومع ذلك تظل هي مهماز الحركة والحياة والتطور، وحافز الحضارة التي يعيشها إنسان اليوم، ومثلها الأعلى الذي يمكن أن تشهده الأجيال المقبلة من البشر.

ويُجيد أبو ريشة التعبير عن الدور القيادي للكلمة في حياة الأمم حين يقول في إحدى قصائده القديمة عن الشعر والشاعر:

فالعبِي يا عواصف الدهر ما شئت *** فلن تجرحيه في وجدانه

رب شادٍ على الظمأ أسلم الروح *** وروى الأجيال نبع بيانه

وعن موقف الأحرار من الكلمة أو من واقع العالم العربي، يقول:

أين.. لا أين؟ موئلٌ عربي *** يسرح الحرفُ في ظلال أمانه

تعب البغي وهو يضرب فيه *** ويُروى ثراه من أضغانه

أشهر قصائد عمر أبو ريشة

تعد قصيدة «أمتي هل لك بين الأمم» إحدى أشهر قصائده، وهي قومية حزينة وناقدة كتبها عقب نكبة فلسطين عام 1948م، يعاتب فيها الأمة العربية على ضياع مجدها.

أمتي هل لك بين الأمم

منبر للسيف أو للقلم

أتلقاك وطرفي مطرق

خجلا من أمسك المنصرم

ويكاد الدمع يهمي عابثا

ببقايا كبرياء الألم

أين دنياك التي أوحت إلى

وتري كل يتيم النغم

كم تخطيت على أصدائه

ملعب العز ومغنى الشمم

وتهاديت كأني ساحب

مئزري فوق جباه الأنجم

أمتي كم غصة دامية

خنقت نجوى علاك في فمي

أي جرح في إبائي راعف

فاته الآسي فلم يلتئم

ألإسرائيل تعلو راية

في حمى المهد وظل الحرم!؟

كيف أغضيت على الذل ولم

تنفضي عنك غبار التهم؟

أوما كنت إذا البغي اعتدى

موجة من لهب أو من دم!؟

كيف أقدمت وأحجمت ولم

يشتف الثأر ولم تنتقمي؟

اسمعي نوح الحزانى واطربي

وانظري دمع اليتامى وابسمي

ودعي القادة في أهوائها

تتفانى في خسيس المغنم

رب وامعتصماه انطلقت

ملء أفواه البنات اليتم

لامست أسماعهم لكنها

لم تلامس نخوة المعتصم

أمتي كم صنم مجدته

لم يكن يحمل طهر الصنم

لايلام الذئب في عدوانه

إن يك الراعي عدو الغنم

فاحبسي الشكوى فلولاك لما

كان في الحكم عبيد الدرهم

أيها الجندي يا كبش الفدا

يا شعاع الأمل المبتسم

ما عرفت البخل بالروح إذا

طلبتها غصص المجد الظمي

بورك الجرح الذي تحمله

 شرفا تحت ظلال العلم

مؤلفات عمر أبو ريشة

كتب عمر أبو ريشة عدة دواوين شعرية منها «عودي» و«سر السراب»، كما كتب عدة مسرحيات مثل «تاج محل»، كما كتب ديوانًا شعريًا باللغة الإنجليزية، والكثير من المؤلفات والقصائد الشعرية في النصف الثاني من القرن العشرين.

مؤلفات عمر أبو ريشة

وفاة عمر أبو ريشة

توفي الشاعر «عمر أبو ريشة» عام 1910م، على إثر جلطة دماغية لحقت به في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، ونُقل جثمانه بطائرة خاصة ليُدفن في حلب.

واليوم.. وقد أوى الشاعر إلى مستقره في سوريا، يراه قراء شعره قمة شامخة تترامى الأمداء بينها وبين المناصب الدبلوماسية التي شردته في مشارق الأرض ومغاربها.. وهي قمة تسنَّمها الشاعر بهذه الكلمة وحدها، وأعظم ما فيها أنها وقد احتضنته ستظل حانية عليه.

وسيظل شعره قمة شامخة تتجاوز حدود الزمان والمناصب الدبلوماسية، ليبقى مأواه الحقيقي في وجدان كل عربي حر، وكلمته هي الحافز الذي يغذي الحضارة ويدفعها نحو الأمام.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة