عز الدين المناصرة... شاعر المقاومة وأحد رموز الأدب العربي الحديث

يُعد عز الدين المناصرة من أبرز شعراء المقاومة الفلسطينية، وأحد أهم رموز الشعر العربي المعاصر، فقد جمع بين النضال السياسي والإبداع الشعري والنقدي، وأسهم في تطوير الأدب العربي الحديث بأسلوبه الفريد وقيمه الوطنية، وكما كان له دور ملحوظ في الكشف عن أصحاب المواهب والمبدعين على مدى سنوات طويلة، عُرف فيها بإخلاصه وفدائيته وفروسيتهوفي هذا المقال، نصحبك في جولة سريعة في حياة عز الدين المناصرة لنتعرف على أهم محطاته الشخصية والإبداعية في السطور التالية.

ميلاد ونشأة عز الدين المناصرة

وُلد محمد عز الدين المناصرة يوم 11 إبريل عام 1946 في قرية بني نعيم في فلسطين، وكان والده الشيخ عز الدين المناصرة أحد كبار وأعيان منطقة الخليل، بينما كان جده شاعرًا شعبيًّا معروفًا في مطلع القرن العشرين.

مولد عز الدين المناصرة

بدأ عز الدين المناصرة دراسته في مدرسة بني نعيم، ومنها التحق بثانوية الحسين في مدينة الخليل، إذ عُرف بتفوقه وقدرته على الحفظ ونظم الشعر، ما جعله يتجه إلى الكتابة ونشر المقالات في سن صغيرة، كما تأثر كثيرًا بالثقافة الشعبية ونمط الحياة الموجود في منطقة الخليل.

دراسة عز الدين المناصر في القاهرة والتكوين الأدبي والسياسي

في عام 1964، سافر عز الدين المناصرة إلى القاهرة ليلتحق بالجامعة التي حصل منها على شهادة ليسانس في اللغة العربية والعلوم الإسلامية عام 1968، وهي المرحلة التي شهدت نشاطه في الاتحاد العام لطلبة فلسطين والجمعية الأدبية المصرية، وبداية تعرفه على عالم الصحافة، إذ أصبح يعمل مراسلًا لمجلة «الأفق الجديد» ومجلة «فلسطين» ومجلتي «الهدف» و«مواقف».

دراسة عز الدين المناصرة

كما شهدت المرحلة الجامعية في مصر حصول عز الدين المناصرة على جائزة الجامعات المصرية للشعر عام 1968، وكانت المرة الأولى التي يتم فيها منح الجائزة لقصيدة من شعر التفعيلة، وهو الشكل الذي لم يكن سائدًا في تلك المرحلة، كما كان عز الدين المناصرة يلتقي العديد من الأدباء المعروفين في القاهرة، وعلى رأسهم الأديب العالمي نجيب محفوظ.

عز الدين المناصرة والنكسة.. لحظة التحول إلى العمل الفدائي

كانت أولى المحطات الكبيرة في حياة عز الدين المناصرة هي حرب 1967، حين عاش أحداثها في القاهرة، وكان للنكسة تأثير كبير على حياته على المستوى النفسي والمادي، فلم يستطع عز الدين أن يعود مرة أخرى إلى قريته في الخليل، كما تطوع للتدرب في جيش التحرير الفلسطيني في مصر، وبدأت رحلته مع المقاومة والنضال.

المحطة التالية في حياة عز الدين المناصرة كانت سفره إلى الأردن عام 1970، إذ قضى هناك حوالي ثلاث سنوات يعمل مع المفكرين والمثقفين الأردنيين والفلسطينيين لبناء المشهد الثقافي هناك، فعمل في إدارة البرامج في الإذاعة الأردنية ورابطة الكُتَّاب الأردنيين مع مجموعة كبيرة من الكُتَّاب والمفكرين، كما اُنْتُخِب عضوًا في اللجنة التأسيسية بجانب شخصيات كبيرة، وأقام عددًا من المعارف والصداقات.

سفر عز الدين المناصرة

وعاش هناك أحداث «أيلول الأسود»، إلا أنه لم يشارك فيها، فكان بعيدًا عما حدث بين المنظمات الفلسطينية والنظام الأردني، على الرغْم من أنه كان مؤيدًا في ذلك الوقت لمنظمة التحرير، وهو ما أدى إلى بعض المضايقات الأمنية، وهو ما حدث لكثير من الشخصيات الفلسطينية في ذلك الوقت، حتى اضطر إلى الرحيل من الأردن إلى بيروت عام 1974.

وفي لبنان، كان الانخراط في الثورة الفلسطينية والتطوع في صفوف المقاومة العسكرية، وهو ما عاشه عز الدين المناصرة، بجانب انشغاله بالثقافة الفلسطينية كشكل من أشكال المقاومة، إذ عمل في مجلة «فلسطين الثورة»، التي كانت الناطق باسم منظمة التحرير.

كما عمل أيضًا في مجلة «شؤون فلسطينية»، وتم انتخاب عز الدين المناصرة عضوًا في القيادة العسكرية للقوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة عام 1976، بل وكُلِّف على نحو مباشر من ياسر عرفات بإدارة مدرسة أبناء وبنات مخيم تل الزعتر، وهي المدة التي عاش فيها عز الدين المناصرة الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت.

وفي تلك المرحلة، كان يعمل مديرًا لتحرير صحيفة «المعركة»، التي كانت تصدر في أثناء الحصار، قبل أن يغادر ضمن الصفقة التي عُقِدَت لكي تتوقف إسرائيل عن القصف وتنسحب مقابل خروج قوات منظمة التحرير من لبنان.

عز الدين المناصرة والعمل الفدائي من عمّان إلى بيروت

بدأت رحلة عز الدين المناصرة مع المقاومة عندما تطوع في إحدى الدورات العسكرية في أثناء وجوده في جامعة القاهرة بعد حرب الاستنزاف، من أجل الانضمام إلى جيش التحرير الفلسطيني الذي يُدرِّب الطلبة على استخدام السلاح، لكنه لم يشارك مباشرة في أي عمل مسلح حتى انتقل إلى بيروت عام 1974.

وبعد قيام الحرب الأهلية، كانت الفصائل الفلسطينية تشارك في الحركة الوطنية اللبنانية عسكريًّا وماديًّا في حربها ضد الجهات اللبنانية اليمينية، وهي المدة التي شهدت الاعتداء على عدد من المخيمات الفلسطينية وارتكاب العديد من المجازر، وهنا اشترك عز الدين المناصرة في العمليات العسكرية في جنوب لبنان.

خاض عز الدين المناصرة معركة كفر شوبا عام 1976 ضد الجيش الإسرائيلي، وبعدها اُنْتُخِب عضوًا في قيادة الجبهة ضمن القوات الفلسطينية اللبنانية المشتركة، وتولى عز الدين المناصرة مسؤولية قيادة بعض المحاور العسكرية في منطقة جنوب بيروت، وكانت له القيادة في عدة معارك، ومنها معركة «المطاحن» التي كانت تستهدف تخفيف الحصار على منطقة تل الزعتر.

وفي عام 1982، شارك عز الدين المناصرة في معركة «المتحف» خلال حصار بيروت. وخلاف ذلك، فقد انحصر دوره في النشاط الإعلامي في صحيفة «المعركة»، وبعد الخروج من لبنان مع مجموعة الفدائيين الذين خرجوا على متن سفينة إلى مدينة طرطوس في سوريا، توجه عز الدين المناصرة إلى الأردن، حيث عاش مرحلة في حياته أطلق عليها «رحلة المنفى». هذه المشاركة الفعلية في العمل العسكري تظهر عمق إيمانه بالقضية الفلسطينية واستعداده للتضحية في سبيلها.

عز الدين المناصرة.. الأديب والناقد الكبير

على مستوى المسار الأدبي، فقد كان عز الدين المناصرة أحد كبار الأدباء والمثقفين في المشهد العربي، شاعرًا وناقدًا ومفكرًا وإعلاميًّا ومؤرخًا، حاصلًا على دكتوراه في الأدب المقارن، وكانت قصائده تحظى بشهرة كبيرة، إذ كان يكتب «القصائد الرعوية» و«الحيزيات الكنعانية». وصُنِّف ضمن شعراء المقاومة الفلسطينية الكبار بجانب محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد.

كما كان له كتابات في التاريخ والفكر والنقد التشكيلي والسينمائي، إضافة إلى منجزه الكبير في مصطلحات النقد والتنظير، وله أيضًا موسوعة في الفن التشكيلي الفلسطيني في القرن العشرين، وفي «الفن السابع والسينما الإسرائيلية».

كتابات عز الدين المناصرة

كما أسهم عز الدين المناصرة في تطوير الشعر والنقد العربي الحديث والكتابة الموسوعية، وكان من القلائل الذين اهتموا بالمعرفة وتطوير منهجيات النقد الثقافي والتحول الحضاري، كل هذا في ظل الأزمات السياسية والحضارية التي عاشها. وفي حوار له قبل موته بسنوات قليلة، قال عز الدين المناصرة: «سأواصل ثقافة المقاومة حتى الرحيل، فإما إلى القبر أو إلى فلسطين».

جوائز وتكريمات عز الدين المناصرة

  • حصل على المركز الأول في مسابقة الشعر على مستوى الجامعات المصرية، وقدَّمت الجائزة رئاسة جامعة القاهرة عام 1968.
  • وسام القدس من اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عام 1993.
  • جائزة غالب هلسا للإبداع والثقافة من رابطة الكتّاب الأردنيين عام 1994.
  • جائزة الدولة التقديرية في الآداب من وزارة الثقافة الأردنية عام 1995.
  • جائزة سيف كنعان من حركة فتح الفلسطينية عام 1998.
  • جائزة التفوق الأكاديمي والتميز في التدريس من جامعة فيلادلفيا عام 2005.
  • جائزة الباحث المتميز في العلوم الإنسانية عن كتابه «علم التناص والتلاص» من وزارة التعليم الأردنية عام 2008.
  • جائزة القدس من الاتحاد العربي للأدباء والكتّاب العرب عام 2011.

أعمال عز الدين المناصرة

إليك قائمة بأعمال عز الدين المناصرة في مجالات الأدب المختلفة:

في مجال الشعر

  • يا عنب الخليل – عام 1968
  • الخروج من البحر الميت – عام 1969
  • مذكرات البحر الميت – عام 1969
  • قمر جرش كان حزينًا – عام 1974
  • بالأخضر كفّنّاه – عام 1976
  • جفرا – عام 1981
  • كنعانياذا – عام 1981
  • حيزيّة عاشقة من رذاذ الواحات – عام 1990
  • رعويات كنعانية – عام 1992
  • لا أثق بطائر الوقواق – عام 2000
  • لا سقف للسماء – عام 2009
  • يتوهج كنعان – عام 2008

في مجال النقد والفكر

  • الفن التشكيلي الفلسطيني – عام 1975
  • السينما الإسرائيلية في القرن العشرين – عام 1975
  • إشكالات قصيدة النثر – عام 1998
  • موسوعة الفن التشكيلي الفلسطيني في القرن العشرين – عام 2003
  • نقد الشعر في القرن العشرين – عام 2012
  • الكف الفلسطيني تناطح المخرز الأمريكي – عام 2013
  • النقد الثقافي المقارن – عام 2005
  • علم الشعريات – عام 2007
  • جمرة النص الشعري – عام 2007

مقتطفات من شعر عز الدين المناصرة

بعض كتابات عز الدين المناصرة:

من قصيدة «ذهب الذين أحبهم»

جاء الشتاء وأنتِ ترتادين آفاق الشتاء
ورأيتُ أشجار العذاب تطلّ من قلب المساء
لا حورَ ولا صفصافَ لا زيتونَ يرفع رأسَه نحو السماء
لا قلبُ جدتي العجوزِ يدعو بأن يهمي المطر
خطواتُهم فوقَ القبورِ الصامتات
وجدتي تمشي أمامَ الدارِ تصرخُ يا ذئاب
قوموا ارحلوا، كثر الذباب
يا أهل وادينا ماذا بأيدينا؟
نبكي روابينا، لو تنفع الأشعار
ويردني شبحُ الشباب عن البكاء

من قصيدة «بالأخضر كفّنّاه»

يا أمي تأخذني عيناكِ إلى أين؟
بالأخضر كفّنّاه، بالأحمر كفّنّاه، بالأبيض كفّنّاه، بالأسود كفّنّاه
بالمثلث المستطيل، بأسنا الطويل
نزف المطر على شجر الأرز المتشابك بين الأخوين
وازدحمت في الساحات طيور البين
ثم حملناه على الأكتاف، بكت المزن البيضاء بدمع شفاف
دمه أخضر (ثم أغير قافيتي)، زغرد سرب حمام
والبدوية تنتظر حبيبًا سيزور الشام

من قصيدة «يا عنب الخليل»

سمعتُكِ عبر ليل النزف أغنيةً خليليةً يردّدها الصغار
وأنتِ مرخاةُ الضفائر، أنت داميةُ الجبين
ومرمرنا الزمانُ يا حبي، يعزّ عليّ أن ألقاكِ... مسبية
سمعتُكِ عبر ليل الصيف أغنيةً خليلية
خليلي أنت يا عنبَ الخليلِ الحرّ، لا تثمر
وإن أثمرتَ، كنْ سمًّا على الأعداء، لا تثمر

قصيدة يا عنب الخليل للشاعر عز الدين المناصرة

من قصيدة «جفرا»

أرسلتْ لي داليةً وحجارةً كريمة
مَن لم يعرف جفرا، فليدفن رأسه
مَن لم يعشق جفرا، فليشنق نفسه
فليشربْ كأسَ السمِّ العاري، يذوي، يهوي ويموت
جفرا جاءت لزيارة بيروت
هل قتلوا جفرا عند الحاجز؟ هل صلبوها في التابوت؟
جفرا أخبرت البلبل لما نقر حباتِ الرمان
لما وتوتَ في أذن القمر الحاني في تشرين
هاجت تحت الماء طيورُ المرجان
شجرٌ قمريٌّ ذهبيٌّ يتدلى في عاصفة الألوان
جفرا عنبُ قلادتِها ياقوت
هل قتلوا جفرا قرب الحاجز؟ هل صلبوها في التابوت؟

وفاة عز الدين المناصرة

توفي الشاعر والناقد والمثقف والمناضل الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة يوم أبريل عام 2021 في العاصمة الأردنية عمان، عن عمر يناهز 74 عامًا، بجائحة كورونا، بعد رحلة طويلة مع النضال والكفاح والإبداع.

وقد نعت الثقافة الفلسطينية الأديب والمفكر الكبير على لسان وزير الثقافة الفلسطينية الذي قال: «إن عز الدين المناصرة كان شاعرًا مجدّدًا، ومناضلًا صلبًا، وناقدًا كبيرًا، وأنه ساهم في تجديد الخطاب الشعري العربي، وأصبح رمزًا من رموز الثقافة الوطنية الفلسطينية المقاومة، بالإضافة إلى كونه أحد أعلام الشعر العربي المعاصر».

وفي نهاية هذا المقال الذي حاولنا فيه إلقاء الضوء على تجربة الشاعر والمناضل الفلسطيني الكبير عز الدين المناصرة، نرجو أن نكون قد قدَّمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل، لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة