أدب الشاعر الأستاذ عبد الواحد جمعة:
• ديوانه القلائد.
طاب لي الحديث عن القلائد، لما فيها من الأفكار والفرائد، وهذا أحسن ما يكتبه في زماننا كاتب، وما يجسده لنا في هذا الميدان القالَب، وقد بلغ شعراؤنا القمة، وأظهروا فيما يفعلونه الهمة، فأعطونا الفوائد الجمة، ولا يكثر هنا الحديث، فإنه سيكون فيه سعي حثيث، والله المغيث.
اقرأ أيضاً تعرف على الشاعر الدكتور عيسى ألبي وبعض دواوينه
بعض الحكم في بردة العجم
نشير إلى بردة العجم، ونأخذ منها من الحكم، يقول في مطلعها:
ضممت دينك في صدري منذ القدم فرافق الفضل ساعاتي مع الـــــــــسلم
أُنبئت نهجك منذ المهد فطرتَـــــنا فقرَّ وجهي بإسلامي بلا ســـــــــــــــأم
نهلت شرعك في نفسي أشجعــــها أشفى وأرشف آيات من الكـــــــــــــرم
لبَّيت صوتَك رغم البعد في زمــني وفي معاقل أعلام من العـــــــــــــــجم
يا نفس قولي: بإسلامي بطاقتــــــنا في الأرض أو في أوان الحادث العمم
عهدت مدحتَه بابًا لمرحمــــــــــتي فما تأخر أقلامي يخطٌّ دمــــــــــــــي
اقرأ أيضاً الواقعية عند الشاعر السبتي وبعض قصائده
الشاعر عبد الواحد أريبي وتصويره للإسلام
إن شأن شاعرنا في البديعيات مثل شأن بقية الشعراء، لقد صور لنا الإسلام في أحسن صورة، وجعله مضمومًا إلى الصدر؛ وذلك تعبيرًا عن عنايته البالغة الفائقة بهذا الدين الذي جاء به الممدوح إلى هذا الكون من الله تعالى، وذلك قديمًا.
وجعل يقول كأنما الإسلام لم يسمع به إلا في الطفولة، وليس ذلك تجاهلًا ولا جهالة، بل لغربته في طفولته، فقرنه بقرة العين التي هي مبتغى المتدينين، ووضَّح في أروع التعبير أن هذا الدين بحر مشروب منه، يفيض ولا يغيض.
وهو أعذب على لسانه من ذوقه وطعمه، وتنتظم درره التي تروق، وتنسجم وتفوق، ويأمر النفس بإعلان الإسلام سلامًا، حتى يزوي الذي يصب عليه ملامًا، وحتى يعرف من يتهمه اتهامًا، ويرميه من جهالته سهامًا، مخافة أن تضيع منه هذه النعمة.
ومخافة أن ينزل الله عليه النقمة، ثم ينساب قوله، ويتسق اتساقًا، ويتفوق اتفاقًا ويشرق في صياغته إشراقًا، وينبثق من حسن عباراته انبثاقًا وساق في أرقى براعته، حتى إن النغمات التي ترن فيه لم تتوقف، ولم يوجد في سَوق كلماته القرَف.
اقرأ أيضاً تعرف على قصة زواج الشاعر محمود درويش من شخصية مشهورة؟
بلاغة الشاعر في ديوانه
ولو أردنا تتبع الديوان لذهبنا بعيدًا، وإن تصفحناه لوجدناه شيئًا مجيدًا، ولو اعتمدنا رثاءه في الشيخ آدم لوجدناه بالغ القمم، وواقد الهمم، يقول:
شجوًا أخط على الجروح خريطةً ضمَّتْ عوالمَ حسرةٍ تــــــتأرْجحُ
ولما نظمت دموع شعري راثيـًــا يعلي الإثارة حيةً لا تـــــــــجرح
بالأمس كنا والعلوم تحفــــــــــــنا والجهل يبغض ما يشحُّ ويُطرَح
والوعي يرفل والجهاد مـــــرحِّب بالقول إن نصَّ وإن هو مشـرح
في المقاطع التي مضت نرى الشاعر يسكب بالسبك، ويفوح بيانه مثل المسك، ويمسك بالجروح يخط عليها الشجو، وينسى أن يتغنى للأحزان، وينسى الشدو، ويصور كبر حجم الجروح، ويصور تنفس الروح خريطة، فإذا القصائد شريطة.
وصف الشاعر للماضي والعلم
يخبر عن الأمس الماضي، حيث يبني الصروح، وحيث العلم هو القاضي، وحيث الجهل هو الفاضي، ونراه جمع "العلوم" للدلاة على ما أفسده الجهل، وما ينتظره الأهل، وأفرد "الجهل" لأن الجهل واحد، والعلم في هذه الدنيا هو القائد، ثم جعل الوعي إنسانا يرفل، وجعل فقدانه ما يُركَل، وجهاد الجهل مرحَّب به في تلك الآفاق، وعلو العلم والعالم معروف على الإطلاق.
ويقول:
آب الخطيب إلى العرين وطالما يزجيه ذكرًا في المجامع ينصح
كأن الخطيب أسد، وكأن الموت عرين، ولما طواه عاد إلى هذا العرين.
يقول:
يا صانع الخلد العجيب أريـــــكةً تزهو إذا عجموا الكتاب ونقحوا
وعوالم الأسفار وهي شــــــــهية أضواء عقل نيراتٍ تُفتَـــــــــــح
يا صانع العصر النحيب بروحه وعروقه وبريشه يستمـــــــــــنح
ينادي الشاعر الفقيد، ويصفه بصفات كمالية يريدها من عاصره، ولكن دونه يتذبذبون، وما بلغوا معشاره، ويصف تمكنه من العارف نحوًا وصرفًا وبلاغة وما ضارع ذلك. ويناديه مرة ثانية ليعلم الناس مقدار الفقيد في عصره حتى الذين لم يعرفوه وهو حي.
ونلمح في هذا الرثاء أنه أسند إليه الريش كأنه طائر يطير في جو السماء، وما ذاك إلا كناية عن ذيوع صيته في الآفاق، وكناية عن علو شأنه في المجتمع.
لو أردنا فصَّ هذا النُّضار ما انتهينا من سرد الأخبار، والشاعر له السباعيات، ولكن ما وصلت إليها أنامل الأمنيات، ولو وقفنا هنا لدراسة شاعر آخر لكان أحسن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.