يُعد الشاعر عبد الرحمن شكري من أوائل الرواد في الانطلاق بالشعر من أساليبه الكلاسيكية -من حيث الموضوع- التي ظل الشعراء يتمسكون بها، إلى آفاق تشبه إلى حد بعيد آفاق الرومانسية التي عُرف بها الشعر الإنجليزي خاصة.
وتُعزى انطلاقته العملاقة في حينها إلى ثقافته الإنجليزية المتعمقة، وهو في هذه الثقافة ثالث ثلاثة تزاملوا مدة من الزمن عُرفت في تاريخ النقد والأدب العربي في مصر بفترة الديوان، وهم: عبد الرحمن شكري، وإبراهيم عبد القادر المازني، وعباس محمود العقاد.
من هو عبد الرحمن شكري؟ الميلاد والنشأة
عبد الرحمن شكري شاعر مصري من مؤسسي مدرسة الديوان مع العقاد والمازني في أوائل القرن العشرين؛ كما يعد أحد رواد الأدب العربي الحديث، وعُرف بحرصه على اللغة العربية الفصحى.

ولد عبد الرحمن شكري عام 1886م بمدينة بورسعيد، وفي طفولته التحق بكتّاب الشيخ محمد حجازي، وكان في مدرسة الجامع التوفيقية في المرحلة الابتدائية، وحصل فيها على الشهادة الابتدائية.
انتقل عبد الرحمن شكري إلى الإسكندرية ليلتحق بمدرسة رأس التبن الثانوية، حتى حصل على شهادة البكالوريا عام 1904م، التحق بعدها بكلية الحقوق في القاهرة، إلى أن تم فصله منها بسبب اشتراكه في المظاهرات المنددة بالاحتلال الإنجليزي عقب حادثة دنشواي.
تخرج عبد الرحمن شكري من مدرسة المعلمين العليا عام 1909م التي كان متفوقًا فيها، ثم اختير في بعثة إلى جامعة شفيليد بإنجلترا بسبب تفوقه في اللغة الإنجليزية، فدرس العلوم المختلفة مثل الاجتماع والتاريخ والفلسفة حتى عاد منها عام 1912م.
بداية عبد الرحمن شكري مع الأدب
التقى عبد الرحمن شكري بالمازني في مدرسة المعلمين العليا، بعد إصدار شكري ديوانه الأول بعنوان "عند الفجر" في أثناء دراسته، وعقب عودته من إنجلترا قدمه المازني إلى صديقه العقاد حتى أسس ثلاثتهم مدرسة الديوان التي اتجهت للدفاع عن التجديد في الشعر.
وضع المازني والعقاد أساس كتاب الديوان ولم يشترك فيه شكري، وكان الكتاب عبارة عن نقد لشعر عبد الرحمن شكري بقلم صديقه المازني.
عُين عبد الرحمن شكري مدرسًا للتاريخ واللغة الإنجليزية بعد عودته من إنجلترا، حتى صار مفتشًا قبل أن يحال على المعاش عام 1938م.
سبب إحالته على المعاش
بعد نظم عبد الرحمن شكري قصيدة "أقوام بادوا" قابل الغدر والغضب من رؤسائه، وصاروا يحرضون عليه حتى خرج على المعاش بمرتب بسيط لا يكاد يكفيه، فاعتزل الناس، وقد عاش بدون زواج طيلة عمره، وأحرق ما لديه من نسخ مؤلفاته ودواوينه حتى أصيب بضغط الدم ثم جلطة في المخ جعلته يعتزل الناس حتى وفاته عام 1958م.
مؤلفات عبد الرحمن شكري
بعد ديوان "عند الفجر" أصدر عبد الرحمن شكري سبعة دواوين خلال 10 سنوات، منها "زهر الربيع" و"الخطرات"، أما ديوانه الثامن فقد نُشر بدون عنوان بعد وفاته بعد تجميع عدة قصائد كتبها في الفترة ما بين 1935م-1939م، كانت قد نُشرت في بعض الصحف والمجلات منها مجلة الهلال وجريدة الرسالة.
كما قدم بعض الكتب النثرية مثل كتاب "الاعترافات" عام 1926م، "حديث إبليس" وعددًا من القصص القصيرة بخلاف المقالات المتنوعة.

تُعد دواوين عبد الرحمن شكري حتى اليوم من أروع ما امتاز به الشعر العربي من محاولات الانطلاق والتجديد، حتى قد يمكن أن تُعد انطلاقة مدرسة أبولو نوعًا من امتداد لوثبة عبد الرحمن شكري، وإن كان الدكتور محمد زكي أبو شادي قد رسخ في الأذهان انتماءها إلى شاعر القطرين خليل مطران، وقد صدرت دواوين عبد الرحمن شكري متوالية، في مدة لم تزد على عشر سنوات، وعلى التحديد من عام 1909م إلى عام 1919م.
ومما يؤخذ على المازني والعقاد رحمهما الله أنهما تنكَّرا لصديقهما وثالث ثلاثتهما في الوثبة الفكرية الفنية، وليس من سبب لهذا التنكر سوى حقد المنافسة وشراستها. وكانت حملاتهما عليه سببًا مباشرًا في انكماش الشاعر عن الحياة، وليس عن الشعر فحسب.
وكأن فجيعته في الصديقين كانت آخر ما يمكن أن يخطر له ببال. وقد ظل ينطوي على نفسه ويهرب من نداء الحياة، إلى أن أُصيب بالشلل، وظل يعاني العلة وحيدًا مجفوًا ومنسيًا عدة سنوات، إلى أن مات رحمه الله.
حقيقة الصراع بين شكري ورفيقيه
تذكر بعض المصادر أن الذي بدأ أسباب التنافر بين شكري وزميليه، هو مقال كتبه عبد الرحمن شكري في مقدمة الجزء الخامس من ديوانه، ذكر فيه شيئًا عن سرقات المازني؛ فغضب هذا، ودعمه العقاد.
وكتب المازني فصلين في الديوان هاجم فيهما شكري وسماه (صنم الألاعيب). ومن هنا يمكن القول إن (الديوان) -الذي يعده الكثيرون أول مدارس النقد- إنما قام على أنقاض أو على محاولة هدم عبد الرحمن شكري في الدرجة الأولى. وقد تخلل ذلك آراء الكاتبين -المازني والعقاد- في تجديد الشعر، وإن كانت لا تختلف في الواقع عن رأي أو آراء عبد الرحمن شكري، التي لخصها في بيته المشهور الذي يقول فيه:
ألا يا طائر الفردوس إن الشعر وجدان...
ومن هذا المنطلق، كانت حملات العقاد المشهورة على شوقي. وفي كتاب الديوان أيضًا يقول ما خلاصته أن عيوب شعر شوقي وأمثاله هي: (التفكك، وانعدام الوحدة العضوية، والإحالة) ويقصد إفساد المعنى بالاعتساف والشطط والمبالغة ومخالفة الحقائق والخروج على المعقول والتقليد وأظهر ما فيه تكرير المألوف من القوالب اللفظية والمعاني وأيسره على المقلد الاقتباس والسرقة، وأخيرا الولع بالإعراض دون الجوهر)
أما حافظ إبراهيم، وهو الذي لا يُذكر شوقي حتى يُذكر هو، حتى لقد عُرفت الفترة التي حملا فيها لواء الشعر بأنها فترة حافظ وشوقي، نظرًا لمكانتهما الرفيعة في الريادة تغريدًا ملأ الحياة العربية صدحًا وتوثبًا لاستعادة ما فقده الشعر العربي من قوته بعد القرن الرابع الهجري.
حافظ إبراهيم نفسه قال عن عبد الرحمن شكري كلامًا، يتعذر أن يؤخذ مأخذ المجاملة أو جبر الخاطر أو التشجيع. قال:
أفي العشرين تعجز كل طوق *** وترقصنا بأحكام القوافي
شهدت بأن شعرك لا يجارى ***وزكيت الشهادة باعترافي
لقد بايعت قبل الناس شكري *** فمن هذا يكابر بالخلاف
وقال عنه العقاد قبل أن ينقلب عليه، وقبل أن تجرفه حمى المنافسة:
«إن شعر شكري لا ينحدر انحدار السيل في شدة وصخب وانصباب، ولكنه ينبسط انبساط البحر في عمق وسكون».
ومن هذا المنطلق، كانت حملات العقاد المشهورة على شوقي. وفي كتاب الديوان أيضًا يقول ما خلاصته إن عيوب شعر شوقي وأمثاله هي: (التفكك، وانعدام الوحدة العضوية، والإحالة) ويقصد إفساد المعنى بالاعتساف والشطط والمبالغة ومخالفة الحقائق والخروج على المعقول والتقليد وأظهر ما فيه تكرير المألوف من القوالب اللفظية والمعاني وأيسره على المقلد الاقتباس والسرقة، وأخيرا الولع بالإعراض دون الجوهر).
ويدهشنا عبد الرحمن شكري، بأنه لخص كل هذا الذي ظل يدور حوله نقد العقاد فيما يلي:
- الشعر لازم للحياة لزوم الإحساس للنفس والتفكير والعقل.
- مجال الشعر هو الإحساس بخوالج النفس وشرح ما يعتورها.
- الشاعر الصميم يرى أن الشعر أجلُّ عمل يعمله في حياته وأنه خُلق للشعر.
- على الشاعر أن يتعهد شعره بالتهذيب.
- ينبغي للشاعر أن يتذكر وهو يكتب شعره أنه يكتب للعقل البشري ونفس الإنسان أين كان، وأنه يكتب لكل يوم وكل دهر وهذا لا يعني أنه لا يكتب لأمته وبيئته.
- يمتاز الشاعر العبقري بذلك الشره العقلي الذي يجعله راغبًا في أن يفكر كل فكر وأن يحس كل إحساس.
- ليس الشعر كذبًا، بل هو منظار الحقائق والمفسر لها.
- ليس الخيال مقصورًا على التشبيه، فإنه يشمل روح القصيدة وموضوعها وخواطرها.
هذه الحقائق المركزة والمقطرة من فهم عبد الرحمن شكري للشعر، وقد تجلَّت في كثير من شعره، هي نفسها التي دار عليها كل ما كتب العقاد والمازني في نقدهما لشعر حافظ وشوقي وغيرهما، وفي زعامتهما لمدرسة النقد في الشعر.
خصائص شعر عبد الرحمن شكري
يمتاز شعر عبد الرحمن شكري بتأملاته الذاتية وتعبيراته الرومانسية المغلفة بطابع من التشاؤم، مستخدمًا في ذلك الأساليب البلاغية المختلفة من تشبيهات واستعارة مكنية بشكل بارع، لم يجعله يتباهى بنجاحه على غيره من الشعراء والقراء.
من سمات شعر عبد الرحمن شكري ارتياده قصائد الشعر المرسل في بعض قصائد ديوانه الثاني، وابتعاده عن الهجوم أو إثارة المعارك بعكس سواه.
في الختام، يبقى عبد الرحمن شكري النموذج الأسمى للشاعر المخلص لفنه، الذي آثر العزلة والصمت حين وجد أن الصداقة والمنافسة قد تحولت إلى معارك شخصية نالت من روحه المرهفة.
ورغم أن جسده واراه الثرى عام 1958 بعد سنوات من النسيان والمرض، فإن صدى شعره لا يزال يتردد في كل قصيدة عربية حديثة تحتفي بالذات والوجدان.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.