تُعد ظاهرة «الشاعر الناقد» إحدى أبرز سمات المشهد الشعري الحديث، فلا يكتفي المبدع بكتابة القصيدة، بل يتجاوز ذلك إلى تأملها وتفكيكها ونقدها، محولًا العملية الإبداعية ذاتها إلى موضوع للشعر. هذا الوعي النقدي ليس وليد العصر، بل هو امتداد لجذور ضاربة في عمق التراث العربي، منذ كان شعراء الجاهلية ينقّحون قصائدهم كـ«عبيد للشعر».
في هذا التحليل، نستكشف رحلة هذا الوعي النقدي، ونرصد تحولاته من الصنعة الشعرية القديمة إلى التنظير المنهجي في حركة الشعر الحر، ونتعمق في مفهوم «الميتاشعرية» الذي يجعل القصيدة تتحدث عن نفسها، بنماذج تطبيقية تكشف عن كيف يمارس شعراء اليوم هذا الدور المزدوج ببراعة.
الشاعر الناقد.. وعي نقدي قديم متجدد
يُعدّ الوعي المتزايد بمكانة الشاعر المعاصر في سياق شعري يربطه بالماضي والمستقبل من أبرز سمات حركة الشعر الحر وإنجازاتها. كما أن الوعي النقدي الذي يمتلكه الشاعر تجاه العملية الشعرية هو ما أضفى على الشعر العربي الحديث مستوى عالٍ من التعمد والتنظير.
و«يتقمص الشاعر دور الناقد التحليلي للشعر، متأملًا في دور آخر يلعبه مبدع آخر هو الناقد، وينظر من مرآة شعره التي تخبره بأنه يجب أن يفهم: ما الشعر؟ كيف يمكن الوصول إليه؟ ما موقفه تجاه اللغة؟ ما موقعه في تراثه؟ وما هدف المعاناة في كتابة قصيدة؟».
تُعد صفة الشاعر الناقد من الصفات القديمة التي مارسها الشعراء منذ العصر الجاهلي. فقد كان الشعراء يهتمون بقصائدهم، وينظرون في خصائصها ومواطن الجمال والقبح فيها، حتى أطلق عليهم الأصمعي لقب «عبيد الشعر»، وهو لقب معروف بين الباحثين. كما أنهم لم يقتصروا على نقد أشعارهم قبل عرضها على الجمهور، بل مارسوا النقد أيضًا على أعمال الآخرين في الأسواق الأدبية والمنتديات التي كانت تعج بالشعر، إذ يتنافس الشعراء في إظهار فحولتهم.

البحث عن ماهية الشعر في التراث النقدي
لقد شغل البحث عن معنى الشعر وقيمته المفكرين القدماء، بما في ذلك الشعراء والنقاد. وقد صدرت كتب عدة نقدية تتناول طبيعة الشعر وخصائصه، مع تباين الآراء بين النقاد. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، سعى ابن طباطبا العلوي في كتابه «عيار الشعر» إلى وضع معايير ترتبط بتصورات محددة حول وظيفة الشعر وطبيعته وأدائه.
أما قدامة بن جعفر، فتولّى في «نقد الشعر» مهمةً بارزة، كما يشير جابر عصفور في «مفهوم الشعر في التراث النقدي»، تتمثل في تأسيس علم يميز بين الشعر الجيد والرديء بالفهم والتذوق والحكم. ومن ثم، يسهم هذا التأسيس في استبعاد النظم الزائفة ويؤكد على الشعر الحقيقي.
«ليس من الغريب أن يتبنى بعض الشعراء آراء تختلف عن الآخرين، إذ يفضلون عدم تقديم مفهوم محدد للشعر في أعمالهم. بعض النقاد، بعد مراجعة مجموعة واسعة من التعريفات، يصلون إلى استنتاج مفاده أن الشعر هو ببساطة شعر، لأن الشعراء يرون أن الشعر هو رسالة، ويجب ألا يكون وسيلة لتحقيق أي أيديولوجية، مهما كانت».
إن إدراك الشاعر لأهمية قصيدته دفع عددًا من الشعراء في العصور القديمة إلى الدفاع عن عملية تهذيب شعرهم. فعلى سبيل المثال، عَدي بن الرِّقاع يتحدث عن جهوده في تحسين شعره بقوله:
«وقصيدة قد بتُّ أجمع بينها
حتى أقوّم ميلَها وسِنادها
نظرَ المثقِّف في كعوب قناته
حتى يقيم ثِقافه مُنْآدَها».
أنماط الشعراء النقاد.. بين التنظير والتأمل الذاتي
الشعراء الذين يمارسون النقد على أعمالهم، أشار إليهم ت. س. إليوت في مقاله «بحث موجز في النقد والشعر» كجزء من فئة «النقد الحقيقي الأصيل» الذي يُعرف بأنه نقد الشاعر الناقد الذي «ينتقد الشعر من أجل خلق الشعر»، وهو ما يُطلق عليه «النقد الولادي».
يمكن تقسيم الشعراء النقاد الذين مارسوا النقد إلى نوعين:
الأول يتضمن الشعراء الذين قدموا كتابات نقدية تتناول الشعر وماهيته ومفاهيمه وتصوراته. مثل ويليام وردزورث، وصموئيل كولردج، وت. س. إليوت النقدية. وفي السياق العربي، يكفي أن نذكر نازك الملائكة التي قدمت ما يشبه المانيفستو لحركة الشعر الجديد في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» سنة 1962، إضافة إلى مقدمة ديوانها «شظايا ورماد» سنة 1949، وما تبع ذلك من كتابها «سايكولوجية الشعر ومقالات أخرى» سنة 1992.
أما النوع الثاني، فهم الشعراء الذين تأملوا كتاباتهم، وهو ما عُرف بالميتاشعرية، إذ إن الشعر يكون منعكسًا ذاتيًّا، وقد ربط بعض النقاد بين الميتاشعرية والمساءلة الذاتية التي يمارسها الشعراء المعاصرون.
نموذج تطبيقي (1): هناء البواب وقصيدتها المتمردة
ونجد من شعراء الألفية الثالثة من يقدّم نقدًا للقصيدة الصحيحة، الشاعرة الأردنية، هناء علي البواب، في قصيدتها التي عنونتها بـ «القصيدة المتمردة»:
«أنا شاعر
وعلي نظم قصائدي
وعلى الحضور الاستماع
لا بأس في شيء من التصفيق
والتهليل
والإكبار
لم لا...؟؟؟
هذي القصيدةُ رائعةْ
متخضبةْ
كعروسِ حفلكم الموقرْ
من عادتي
أن أنظم الأشعار
ما قال لي أحد
بأن الوزن مكسور
ولا أني خرجت على الخليل
ومن الخليل؟؟؟»
إن الشاعرة تضع قصيدتها نصب أعينها وأعين المتلقين وأسماعهم، وتجلّها وتكبرها، ولا تغامر الشاعرة في هذا الطلب عنوة، وإنما تعلل لنا الذات الشاعرة بمنطقية أسباب هذا الإعجاب بقصيدتها؛ فهي تتميز بروعتها وسحرها برموزها، وتترك أثرًا عميقًا بموسيقاها التي تلتزم بوزن الخليل بن أحمد الفراهيدي، ومع ذلك، تحتفظ بخصوصيتها الفريدة.
إن ما عوّلت عليه الشاعرة وجعلته معيارًا لفحولة قصيدتها يجمع بين ثنائية تراثية حداثية؛ فهي قصيدة موزونة لا تُقلق الخليل، وأيضًا لا تستعلي على التجديد والتحريب والابتكار، وتزيدنا من النقد سطرًا، وتُكمل في سرد مساقات القصيدة الجيدة -من وجهة نظر مبدعة/ناقدة- فتقرر سبب حسن قصيدتها واستساغها، والذي يحمل إشارة ضمنية إلى ما يجب أن تكون عليه القصائد:
«فاشتد تصفيقُ الحضورْ
ونفشتُ ريشي في غرورْ
هذي القصيدة شاهدي وهناك نقاد عظامْ
حاروا أمامَ رموزها
بُهِتوا لشدة أخْذها ولسحرها
فقصيدتي العصماءُ تغلق بابها في وجههم
كمحارة في عمق أعماق البحارْ
كأميرةٍ....
كعروسِ بحرٍ غامضةْ
لا ناقدًا يدنو ليخطبَ ودها في قصرها
هي فكرةٌ مجنونةٌ...
محروسةٌ...
تأبى على العقلاء والخطّابْ
هي لفظةٌ متمردةْ....
لم ينظمِ الشعراءُ يومًا مثلها
لم يحوها طيرٌ بحوصلةٍ ولم ينزفْ بها قلمُ
هي أم هذا الشعر
وهي أبوه
وهي المعجم
هي قدس أقداس الوجود
وموطن الإعجاز
والإبداع
هي تحفة فنية
من قبل هارون الرشيد بألف عام».

يمكن أن تتسم القصيدة برموز سحرية ومعانٍ غامضة وغير مباشرة، وتحمل أفكارًا غير تقليدية. ينبغي أن تكون القصيدة كالمحارة أو العروس أو الأميرة الفريدة، التي تتمرد على المألوف، وتثور على الذات والتراث الشعري القديم الذي سبق عصر هارون الرشيد بألف عام.
إن ذكر هارون الرشيد ليس مصادفة أو رغبة في بيان قدم قصيدتها وأنها تضارع عيون الشعر بل وتفقهم، وإنما لأن هارون الرشيد وعصره رمزٌ في تقدير الشعر والشعراء، وما اشتهر في عصره من قصائد كانت هي القصائد بحق، فالرشيد «كان يحب الفقه والفقهاء، ويميل إلى العلماء، ويحب الشعر والشعراء، ويعظم الأدب والأدباء، ويكره المراء في الدين والجدال، ويقول: إنه لخليق ألا ينتج خيرًا، ويصغي إلى المديح ويحبه، ويجزل عليه العطاء ولاسيما إذا كان من شاعر فصيح مجيد».
وبعد أن حددت الشاعرة مقومات قصيدتها الشكلية، تذهب مذهبًا نقديًا آخر وهو استنكار النقاد الذين يعلون من الشكل على مستوى المضمون، وترمي بإحكام إلى أن القصيدة باقية ولو عابها النقاد والنحاة وحللوها منها:
«وأمام إصراري على أنَّ القصيدة رائعةْ
متفوقةْ....
لم يفهمِ النقاد منها أي حرفْ
لم يدخلِ النقادُ بابَ قصيدتي المسحور بعد
ثاروا عليّ....
ثاروا عليها....
أنا لستُ صاحبها ولا لي أن أدافعَ عن معانيها
هو زعمهم...
فقصيدتي تجثو أمام حرابهم
وأنا أعتّقُ خمرهم
وبنو أبي في الحفل غضّوا طرفهم
ونسوا وجودي بينهم».
فهناء تناقش فكرة المضمون في الشعر والمعنى الذي يتراوح قول النقاد فيه بين ضرورة أن يكون جليًا أو كما رأى البعض أن يكون بليغًا عميقًا، وكذلك تعوّل على نظرية بنيوية وهي نظرية «موت المؤلف» بأن قالت: «أنا لست صاحبها ولا لي أن أدافع عن معانيها»، كما أنها تربط ذلك بمنهج ما قبل حداثي وهو «المنهج الاجتماعي» الذي يربط النص بالسياقات المحيطة به وأولها مجتمع المؤلف، ولكن هذا المجتمع تنصل منها ونسوها بنو أبيها ونسوا وجودها.
لكنها تصر أن للشعر أن يثور ويتمرد حتى لو على البنى والتراكيب والثوابت اللغوية القارّة، أو حتى على مستوى المضمون؛ لأن قصيدتها قدس ولا يجب أن يطأه كل من شاء، ولكن من هم أهل لذلك فقط:
«لا شكَ أن قصيدتي ستظلُّ رغمَ أنوفهم متمردةْ
ستثورُ... تحزم أمرها
ستردّهم...
وتدقُّ أعناقَ النحاة المعتدين بكبرياء
فقصيدتي قدسٌ محرّمْ...
وهُمُ ومَن والاهُمُ
يستوطنون أمامَ باب قصيدتي
يتكاثرون ليمنعوا الفجر المخبأ في ثناياها العتيقة أن يشعْ
وبنو أبي يتناولون الخمرَ...
يترنحونَ... ويسقطونَ... ويضحكونْ
وطهارةُ الشعر المؤصّل في ضمائرهم تدنّسْ
وقصيدتي يجتاحُها الطوفانُ، يضربُ معبدَ الشمس المقدّسْ
صارت حروفُ قصيدتي لغةً وأوزانًا تُدرسْ
ألفاظها قبرٌ به جثثٌ تُكدّسْ
وأحاطها ذاتُ السوارِ كما أحاطَ الساعدين
وتشرّدتْ منها المعاني هاربة...
لكأنها جثثٌ قديمةْ
نُصبت على أطلال هيكلها المقدّسْ
والحفلُ يصدح لا يُبالي بالعروضِ، ولا العروسِ، ولا القصيدةْ
والشاعرُ المسكينُ يشربُ كأسَه العشرين، ممتزجًا بماءِ الدمعِ
بالأطلالِ... بالوطنِ المدنّسْ...
وجماعةُ النقاد تغرسُ نابها المشحوذَ في نعش القصيدةْ».
إن الشاعرة هناء البواب تظهر لنا وعيها النقدي ورؤيتها بما يجب أن تكون عليه القصيدة، من قوة مضمون، وأن يكون في ثناياها ما يستحق أن تُحارَب القصيدة لأجله ويُناضَل صاحبها للكشف عنه، وهذا الكشف يكون من وعي نقدي سامق.
إن الشاعرة هنا تجعل الشعر أصلها، والشعراء امتدادها؛ فهي حين تقول «بني أبي» تقصد الشعراء بخاصة؛ وهم الذين يترنحون ويضحكون ويسقطون أمام رفض النقاد لقصيدتها المتمردة، فتُدنّس فيهم طهارة الشعر؛ لأنهم لم يصبحوا أهلًا لذلك، فهم سطحيون لا يعون هذا التمرد في هذه القصيدة.
ثم تعوّل على عناصر المركب الشعري وتنطلق منها إلى بيان جودة قصيدتها، من ذلك الأوزان التي تُدرس، والألفاظ التي تحمل كثيرًا من المسكوت عنه، والمعاني الهاربة المترامية من كل جانب، والعروض المتسق، والجمال اللفظي الذي جعل منها عروسًا.. كل هذه البنى جعلت الشاعرة تحتكم إلى قصيدتها بمنطقٍ وحجة، وترفض ما قدّمه النقاد من نهشٍ في القصيدة واستنكار؛ ولكنها تظل متمردة وتنتصر لقصيدتها.
ما قدّمته هناء البواب هنا هو وعيٌ نقدي بمقومات وحجج ومنطق، بما عليه القصيدة من مآثر وميزات جمالية، تناقش فيها النقاد بنقدٍ شعري منظوم.
نموذج تطبيقي (2): عمرو البطا وأزمة افتتاح القصيدة
أما الشاعر المصري عمرو البطا، فيضعنا أمام فاتحة القصيدة، ويجعلها محورًا من محاور التميّز الإبداعي، أو هكذا يجب أن تكون:
«مِن أينَ أفتَتِحُ القَصِيدةَ؟
كَيفَ؟
أينَ لها بِلَفظٍ لَم يُدَنِسْهُ التّلفظُ؟
فَابتَلِع حَجَرًا إذَنْ، أو كُنْ حَجَرْ.
إن أعجَبَتْكَ فَرَاشَةٌ بَيضَاءُ يَومًا
لَا تَصِفْهَا!
إن مَرَرتَ بِطِفلَةٍ تَلهُو بِدُميَتِهَا
فَلَا تَقتُلْهُمَا أرجُوكَ!
لَا تَدَع الكَلامَ يُمَارسُ التحنيطَ في فيرُوزهَا.
إثمُ القَصِيدَةِ لا يَزَالُ يُطَاردُ الحَمقَى
مِنَ الشُّعرَاءِ
مَنْ يَتَطَهْرُونَ مِنَ القَصِيدَةِ بِالقَصِيدَةِ...
فَاترُكوا شِعرًا يُمَارسُ مَوتَهُ!».
هو يقول إنه لا يقوى على افتتاح القصيدة كما يجب أن تكون؛ لاستحالة أن يجد لفظًا لم يُدنّسه التلفظ؛ لأن كل الألفاظ مستعملة ممقوتة أو مهملة متروكة. وهو هنا يضع معيارًا نقديًا لما يجب أن تكون عليه فاتحة القصيدة، بأن تكون التراكيب سامقة، أخّاذة، عصية على التكرار والسطحية والبلادة. وإن لم يجد الشاعر ذلك، فليترك الشعر والوصف حتى لا يُفسد الذوق والذائقة، فليمارس الشعر موته إن لم يُكتب كما يجب.

والنماذج التي تمت مناقشتها تعكس ما عليه الشعراء الجدد من وعي نقدي ميتاشعري، ومن رؤيتهم المتفرّدة إلى القصيدة والشعر، وإحاطتهم بالمقاييس النقدية التي على أساسها يقيمون المحوري في القصيدة من الهامشي، بل ويُقيّمون شعرهم وشعر بني أبيهم (الشعر) وفقًا لذلك.
إن النماذج التي ناقشناها تظهر بوضوح عمق الوعي النقدي والميتاشعري لدى الشعراء الجدد، ورؤيتهم المتفردة للقصيدة والشعر، لم يعد الشاعر مبدعًا فقط، بل أصبح فيلسوفًا لعمليته الإبداعية، يحيط بالمقاييس النقدية التي على أساسها يقيم ما هو محوري وما هو هامشي في نصه ونصوص الآخرين.
إن هذه المساءلة الذاتية للشعر من داخل الشعر نفسه ليست ترفًا فكريًّا، بل هي شهادة على نضج التجربة الشعرية العربية المعاصرة، وقدرتها على تفكيك ذاتها وإعادة بنائها باستمرار في سعي دؤوب نحو قصيدة أكثر أصالة وعمقًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.