الشاعر المتمرد

تقديم

بقلم : أ.د.جمعة أحمد قاجة

عميد مدرسة الفنون والإعلام

بأكاديمية الدراسات العليا

 الجماهيرية العظمى

 لم أعتقد يوما أن الكتابة عن الشعر أمر هين سهل ولكن لم أكن أتوقع أن أكتب يوما عن ديوان شعر ولكي أكون صادقا أكثر لم أكن أرغب بهذا ولي أسبابي في ذلك منها عدم إلمامي الكافي بأصول وقواعد هذا الفن ثم المستوى الذي وصل إليه الفن العربي خصوصا في مجالي الشعر والغناء وكثرة مدعي الشعر والغناء والموسيقى ولن أذكر فنونا أخرى أو أسبابا أخرى عندما وصلني هذا الديوان لا أنكر أني ترددت حتى بقراءته بادئ الأمر فقد كانت معرفتي بصاحبه حديثة ومحدودة قبل أن تتوطد وتستمر

لقد عرفت خليل عوير من خلال صديقنا شاعر المقاومة الأستاذ سميح حمادة وكنت أسمع منهما الشعر وألتذ بسماعه في جلساتنا الخاصة وشاءت الظروف أن أدعى وأحضر ندوة أقيمت ضمن فعاليات دعم الانتفاضة ورأيت وسمعت خليل عوير على المنبر فوجدت نفسي أمام شاعر أراه وأسمعه لأول مرة أو أمام شاعر تتلمذ على زهير وأبي تمام وأبي العتاهية والمتنبي والمعري وغيرهم من شعراء الحكمة فقد قدم طرحا فكريا متميزا وهذا أول ما شجعني على خوض هذه المغامرة أعني كتابة هذا التقديم بدأت بقراءة بعض قصائده ودون أن أقصد بدأت أقارنها بما تطالعنا به صحفنا اليومية والدورية فوجدته متفوقا على الكثيرين ممن يكتبون ولا أبالغ إذا زعمت أنه يجاري الكبار الكبار ولكن رغم محبتي له وصداقتي قررت أن أقرأ ديوانه بعين الفنان الناقد لا بعين الصديق المحب فكل قصيدة من قصائده كانت تشدني إلى مابعدها وكل فكرة قرأتها كنت أظنها كتبت بعفوية الشاعر الملهم فوجدت نفسي فعلا ليس أمام شاعر ملهم وحسب إنما أمام شاعر مثقف متمكن من الفن وأصوله واثق بنفسه يعرف معنى ما يكتب بأدق التفاصيل الفنية والفكرية المتعارف عليها في عالم الفكر إنه باختصار يعرف كيف يوظف الرمز بدقة متناهية إنه يرمز كغيره للحياة بالمرأة ويسميها سناء فمن هي سناء هذه....؟ ويجيبك شعرا :

وطني ووجه حبيبتي وسناهما .. روحي التي ناجيتها.. خلي الوفي

وإذا سألته من سناء يجيب

: لا تســلني من سنــاءٌ .. ما أنــا منــكَ بأفصحْ

استوقفتني قصيدة بعنوان ما كل ما يعلم يقال يقدم فيها عرضا فلسفيا شيقا بمنتهى البساطة والدقة في موضوع الحقيقة – السناء مستخدما كمّا نوعيا متميزا من الألفاظ والفنون اللغوية والفلسفية

 تبدي رموزا في رموز سرها .. فلتفهمي من رمزها تفسيرها

ولا أدري هو يعترف أم يفاخر

أدركتُ قبل الأربعين فتونها .. فعشقتُ من كان السناء سفيرها

انه حتما يدرك معنى عمر الأربعين ويختمها بحكمة برأيي رائعة

من يفهم الدنيا فإن عزاءه .. أن الحقيقة أحكمت تزويـرها

ربما يتبادر للذهن أولا أن سناء هي الشهيدة سناء محيدلي وهذا واضح ثم لا تلبث أن ترى أن سناء قد تحولت إلى رمز فكري يتمتع بالجلال والسمو.

الحق أقول لكم لم أجد من يحترم المرأة وينظر إليها نظرة خليل عوير ..! لأنها ليست امرأة عادية فمرة تراها دمشق ومرة بيروت أو الجنوب أو حوران أو الكورة أو القدس أو بغداد أو اسكندرونة ثم تراها سورية.... وأحيانا .... زمنا... وفجأة تراها قصيدة ومرة تكون الحبيبة ومرة أمه أو أخته أو ابنته فهو يأخذ من سناء معنى الكلمة المجردة النور والضياء .... الحقيقة..! ولا تستطيع بسهولة أن تميز في قصيدته بين المرأة والوطن فالوطن عنده المرأة والمرأة عنده وطن ومبدأه السوري القومي الاجتماعي واضح جدا في كل ما كتبه (كتمت الحب .. رحلة الأشواق.. ما كل ما يعلم يقال.. الشاعرة.. غربة.. وجدتها... لحظة على الشاطئ...أمل...) والقصيدة من شعره تجدها كباقة ورد منتقاة من عدة بساتين قدم فيها الرثاء والغزل والوصف كما قدم العشق والولاء للمرأة - الوطن ففي غزله تجده حينا عفيفا رقيقا وحينا تجده ثائرا متمردا وحينا تجده رومانسيا إلى أبعد الحدود وفي مراثيه تجده واقعيا مستسلما ثم تراه وجوديا متفكرا فيما حوله أما في الوطنيات فقد يفرط باستخدام ألفاظه بين الغزل والحماسة كما تجد في وصفه موضوعات يتناولها بخصوصية وبراعة ( الرسام –اليتيمة – العاشقة – الشاعرة – المعلم - الشعر....) وغيرها كثير مما يحتاج إلى رؤية فكرية شمولية متميزة عما عهدناه من شاعر عادي وكل هذا عن علم وخبرة فنية تتميز بسعة الأفق وأنت عزيزي القارئ ستجد نفسك دون أن تدري محلقا معه فوق ميادين الفلسفة والتاريخ والسياسة والأدب والفقه وعلم الكلام والقانون إلى آفاق واسعة من التصوف وعلم النفس والفلك والتنجيم والموسيقى والرياضيات حتى اللغة وسهولة التعبير ودقة اختيار الكلمات وبساطتها وتوظيفها لتعطي حكمة المدلول الفكري الذي يرمي إليه وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ثقافته وسعة اطلاعه ومدى اتساع أفقه في الحياة ومع ذلك فإنه يعتقد بأنه مازال لا يعلم شيئا وهذا لعمري تواضع المثقف الحقيقي

مازلت أبحث في العلوم معانداً .. حتى علمت بأنني لا أعلمُ

وسأترك لك أيها العزيز تلمس هذه المفردات بنفسك وفقا لذوقك كي لا أفسد عليك بأمثلتي متعة التذوق الأدبي لديك وكي لا أطيل في هذه العجالة المتواضعة فإني أتوقع أن يكون لهذا الديوان صدى مؤثرا لدى النقاد ومتذوقي الشعر. قد تجده أحيانا وبنفس القصيدة عاصفا متمردا منطقيا:

ليس انتصاراً ردُّ كيدِ المعتدي .. بل باجتثاثِ الشرِّ بالإجمـالِ

فإذا به يدغدغ شعورك كالنسيم العليل:

وطني سما ند السماءِ جلالةً .. متواصلَ الآزالِ بالآجــالِ

وفوق هذا كله تمتاز قصيدته بالرصانة والوقار وتمتاز تعابيره بالجزالة والغنى بالمعاني ولم أجد بين مفرداته كلمات نابية أو غير مهذبة ربما لأنه يدرك أنه يخاطب رمزا ساميا ويخاطب فيك أسمى ما تملك .... المشاعر..! كما يدرك أنه يقف أمام حكمين عادلين هما القارئ والزمن وحسبه فخرا أنه كتب قوافيه على كل الحروف الأبجدية دون استثناء وستجد أن قافيته متينة لا حشو فيها ولا اضطرار كلماتها كالحجر المنقوش في مكانه الصحيح من البناء تعابيره مليئة بالمعاني المتعددة بارع باستخدام التورية وفنون البديع والبلاغة يتقن اختيار الكلمات التي تنسجم مع النغم الموسيقي الأصيل عالما بالتأثير النفسي للكلمات وظلال المعاني والرموز حتى يشعرك أن هذا الشعر لا تكلف فيه ولا صنعة فالعروض والموسيقى والإيقاع واللغة وفنون القافية والكتابة والتوازن اللفظي وفن الخطاب والخطابة هي أمور أصبحت سليقية عنده كما يبدو..

ولا بد أن أشير إلى تميز آخر ظهرت به بعض قصائده وهو اللزوميات .. أو لزوم ما لا يلزم (أي التزام حرف قبل الروي) لكنه لفت (هو) انتباهي إلى نوع آخر من لزوم ما لا يلزم (ورجاني عدم توضيحه احتراما وحفظا لأسرار الذين أحبهم من الفهم الخاطئ) وهذا الفن برأيي لم يسبقه إليه أحد منذ أيام المعتمد بن عباد وصديقه ابن عمار وسأتركه لفطنة القارئ وانتباهه..... ولعل تمهيده ومقدمته اللتان صاغهما شعرا خير دليل على تمكنه وامتلاكه بثقة صهوة اللغة والفن الأدبي – الشعر

. وفي الختام أقولها بصدق وتجرد ودون انحياز خليل عوير شاعر مناضل ومناضل مثقف ومثقف واع ومدرك لدوره كشاعر وأديب ملم بمختلف صنوف المعرفة عركته الحياة بقسوة ولم ترحمه لكنه عرف طريق الانتصار عليها وقهرها فقد وصل إلى بيروت فقيرا معدما هاربا من أزمة ما ...! وقد صبر واحتمل ما لا يحتمله الكثيرون في هذه الحياة ولم يعرف اليأس طريقا إليه .. بل وحفر بيديه في الصخور ليوجد لنفسه موطئ قدم ينطلق منه ولا أظن بأني أبالغ إذا قلت انه يتمتع بعقل فيلسوف أدرك معنى الحقيقة في الحياة .. وقلب طفل مرهف الشعور والإحساس وبهذه الصفات عرفته أهم وأكثر المنابر الثقافية في لبنان من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مدافعا عن قضية يؤمن بها بصدق وإخلاص وضحى في سبيلها بالكثير....... لكن وبأسف شديد أقول إن هذا الشاعر الذي وصل في بيروت إلى ما وصل إليه وأغرته بيروت بالطموح والمجد هو شاعر لا يسمع به أحد في دمشق بسبب مبادئه .. او لعله نسي أن الشام (هي أم هذا الكون دون منازع) .. كما يصفها هو.... ومن جهة أخرى لم يقدر ما عنده الكثيرون إما جهلا به وبمقدرته أو خوفا من تفوقه ..! فالفقير كما يقال لا ينادى ولا يهادى ولا تقبل له شهادة ..... وإن كان خليل عوير فقيرا بالمال فقد أنعم الله عليه بما هو أهم من هذا بكثير أعني العلم والمعرفة والمحبة .... فهو محبوب عند كل من يعرفه ويعرف كيف يفرض احترامه على من يعرفه وحسبه من الله هذه الموهبة النعمة وأسال الله له دوام النجاح والتوفيق

بيروت في 10 – 6- 2003

أ.د. جمعة أحمد قاجة

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب