الشاعر الغنائي

في مدينة مزدحمة، تظللها سماء رمادية، ويسكنها مواطنون رماديون، يحلم الفتى الملون بأغنية، يقول: أريد أن أكتب أغنية قبل أن تصبح المدينة رمادًا؛ هذه المدينة التي تأكلها أقدام البشر، ستنتهي يومًا ما، وربما تقذفها الريح إلى طرف العالم، ثم تسقط ببساطة في المحيط. أريد أن أكتب أغنية بطول المدينة، يظل الناس يرددونها حتى نهاية الزمان، ليعبروا إلى الجانب الآخر، دون ذرة تراب، أو نقطة دم.

الأغنية بالنسبة للفتى هي "النداهة" بصوتها الشفاف، القادم من الغروب، ومن حقول القصب والذرة. هي الخفة التي ناضل "كونديرا" من أجل الوصول إليها، لكنه أخفق عندما انشغل بمعمار رواياته، فالخفة لا بيت لها. هي نضوج الثمار فوق الشجر، وتفتح الزهور، هي جريان الماء إلى الأرض العطشى. إنها المسافة بين لحظة الولادة والموت.

يقول الفتى: للشجرة أغنية ترددها عندما تنضج ثمارها، وللماء أغنية تحفظها الأرض عن ظهر قلب، وللرب أيضًا أغنية تحفظ توازن الكون؛ لولا أغنية الرب، لتوقفنا عن المشي، وابتلعتنا الأرض. لولا أغنية الرب لأصبح الكون عتمة. أنا أيضًا أبحث عن أغنيتي، أتخيلها وهي آتية من آخر بقاع الأرض، من المجهول الكامن في نهاية الأفق. إنها نغمة الكون السرية، إنها أصوات الموتى، والغرقى، وأبناء السبيل، في طريقها ستمر، على كل الأزمنة، تأخذ حلوها ومرها، ستعبر البحار والمحيطات، ستعبر كل الحضارات، ستعبر كل الخير والشر البشري، وتأتيني وأنا هنا متجولًا في أحد الشوارع، ستأتيني لأنني أنتظرها بحب، لأنني وحيد.

الفتى الذي لا يعرف لنفسه اسمًا أو بيتًا، اكتسب أزهى الألوان من الأرض الشاسعة، لأنه أحد المتسكعين الأوفياء للشوارع، والأماكن المهجورة؛ تراه دائمًا، جالسًا على إحدى العتبات، مستندًا إلى جدار، واقفًا بجوار شجرة، أو سائرًا بجوار الماء، تلك هي طقوسه اليومية، التي يؤديها كصلاة، منصتًا إلى الأصوات البعيدة، الآتية من خلف الأشياء، أو من عمقها، ينصت لأنه يريد فقط أن يكتب أغنية قبل أن تصبح مدينته رمادًا، يقول: أريد أن أكتب أغنية حادة كالغاب النابت، على شط الترع، أريدها خضراء، بسيطة كالماء، عميقة كالليل، أريدها ناعمة كالسكين، لتشق المدينة المزدحمة نصفين، وتنفك تلك الأسلاك الشائكة، ويصبح هناك طريق متسع، أمشيه حتى العبور إلى الجانب الآخر.    

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

منين حضرتك.. أستاذة زيزي،، 🍎

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

من القاهرة

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Nov 24, 2022 - سهيلة شعبان علي بكر
Nov 1, 2022 - رايا بهاء الدين البيك
Oct 31, 2022 - شيماء التميمي
Oct 23, 2022 - أصالة صالح شاش
Oct 22, 2022 - ايمان عبد العزيز رمضان
Aug 25, 2022 - إلهام عبد الرحمان محمد
Aug 8, 2022 - اسماء محمد عنتر
Jul 25, 2022 - بيسان صبحي سويدان
Jul 25, 2022 - بيسان صبحي سويدان
Jul 20, 2022 - ساريا أحمد محمد
Jul 18, 2022 - مناس معين اسماعيل
Jul 18, 2022 - قوة هذه الأرض
Jul 10, 2022 - مايا عبدلله ناعم
Jul 6, 2022 - زياد الراسي
Jun 30, 2022 - مروان محمد سليمان الزملوط
Jun 24, 2022 - امال ابراهيم عبدالمولى
Jun 17, 2022 - رويده احمد حاجي
Jun 10, 2022 - سحر منذر خليل محمد الشيخ حسن
Jun 4, 2022 - زينب علاء نايف
May 31, 2022 - الـكاتبه:إهـداء صـابر"دَيْجُور"
May 31, 2022 - زينب علاء نايف
May 30, 2022 - آية طلال عبدالاله محمد الخطيب
May 27, 2022 - سوزان غسان محمود
May 25, 2022 - عثمان محجوب أحمد
May 21, 2022 - رايا بهاء الدين البيك
May 8, 2022 - حسين فتحي
May 8, 2022 - علا نايل أبو أحمد
May 8, 2022 - علي الشامي
May 3, 2022 - كريمة عبدالله البدوي
Apr 15, 2022 - محمد سالم علي بازغيفان
Apr 12, 2022 - فريدة المحمدي
Apr 8, 2022 - هديل عبدالرحمن
نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية