الحطيئة الشاعر الذي هجا نفسه وأبكى عمر بن الخطاب

يحتل الشاعر الحطيئة مكانة فريدة ومثيرة للجدل في تاريخ الأدب العربي، فهو عَلَمٌ لا يُتجاوز في فن الهجاء، حتى أصبحت أبياته نموذجًا للقول الموجع الجارح، لكن خلف هذا اللسان السليط، تكمن مأساة إنسانية عميقة كوَّنت شخصيته وشعره، لقد كان الشك في نسبه هو الجرح الذي لم يندمل، وحوَّل حياته إلى رحلة مضطربة من البحث عن هوية، وجعل من شعره سلاحًا يشهره في وجه مجتمع قاسٍ.

في هذا المقال، نغوص في سيرة الحطيئة هذا الشاعر الفذ، ونستكشف كيف ولدت عبقريته الشعرية من رحم معاناته الشخصية.

الشك في نسب الحطيئة كان أهم عامل فيما عاناه من حياة مضطربة قلقة تغلب عليها القسوة والشظف، وما يقرب من التشرد في الترحال التماسًا للرزق، بشاعريته الفذة التي كرَّسها للهجاء فتسنم بها الذروة من الشعراء الهجّائين في الأدب العربي، حتى إنه لا يُذكر الهجاء أو يُذكر شعراؤه في أي عصر من العصور إلا ويقفز اسمه إلى الطليعة، حتى تكون أهاجيه نموذجًا للإقذاع، وتكون الأبيات من هذا الشعر على الألسنة أمثلة للموجع الجارح من القول، بقيت وما تزال باقية حتى اليوم، فكأن هذه الحياة المضطربة، وهذا النسب الوضيع أو المشكوك فيه، كانا سبيله إلى هذه المكانة السامقة التي نهضت باسمه، فكان عَلَمًا من الأعلام الذين يحتفل بهم تاريخ الأدب العربي، فلا يتجاوزه بأية حال.

الحطيئة.. قصة اللقب ومأساة النسب

الحطيئة ليس اسمه وإنما هو لقبه الذي غلب عليه، ومعناه «القصير»؛ لأنه كان من قصر القامة حتى إنه لم يكن يرتفع عن الأرض إلا قليلًا، أما اسمه فـ«جرول»، والإجماع منعقد على أنه ابن «أوس بن مالك العبسي»، ولكن أمه «الضراء» شككته في الانتساب إلى أوس هذا، إذ قالت له فيما قالت: «أنت لست لواحد، ولا لاثنين»، لأنها كانت مستهترة وقد يبلغ من استهتارها أن تقول لابنها ما قالته، ولا عجب، فقد كانت جارية لـ«بنت رباح بن عمرو»، ولم يكن مما يُستغرَب في الجاهلية أن تستهتر الجارية، فلا تجد في البغاء ما يشين أو يهين.

الحطيئة هو لقبه الذي غلب عليه ومعناه «القصير» أما اسمه فـ«جرول» والإجماع منعقد على أنه ابن «أوس بن مالك العبسي»

ولم يستطع جرول (أو الحطيئة) أن ينسى هذه الطعنة الجارحة في نسبه، فقد نشأ وهو يشعر في أعماقه أنه «زنيم»، فليس له أن يفخر كما يفخر غيره من الناس، وليس له أن يعتز بنسبه كما يعتز الناس، وإنما نصيبه الموكوس أن يغضّ طرفه، وأن يعيش الضعة والهوان، فلا عجب أن ينقم على أمه خاصة ثم على الناس جميعًا، ولا عجب أن نراه ينتقل من قبيلة إلى قبيلة، في محاولة يائسة مريرة للاستقرار على نسب يُنقذه من هذا الضياع الذي لم يكن فيه ذنب بلا شك.

رحلة بحث الحطيئة عن النسب والميراث

قالوا: إن أوسًا (أبا الحطيئة) تزوج بعد الضراء امرأة حرة هي سيدة الضراء.. ومن هذه الحرة، أنجب ولدين ثم مات، ثم حدث أن تزوجت «الضراء» رجلًا من عبس هو «الكلب بن كنيس» فولدت له ولدين.. فكان للحطيئة أخوان من أبيه (أوس) وأخوان من أمه (الضراء). فلما ترعرع الحطيئة، ذهب إلى أخويه من أوس يُطالبهما بميراثه من أبيه، فلم يعترفا له بحق في الميراث، وإنما قالا له: «أقم معنا فنحن نواسيك». فعزّ عليه هذا الرد، ففارقهما بعد أن هجاهما، وقصد اليمامة، حيث يعيش أهل امرأة أبيه من بني «ذهل»، وقد أوهمته أمه «الضراء» أنه ابن «الأفقم» أخي زوجة أبيه أوس، وطالب بميراثه المزعوم من الأفقم، سعى إلى المطالبة مادحًا إياهم بقصيدة يقول فيها:

قومي بنو عمرو بن عوف إن أراد العلم عالم

وبقصيدة أخرى يقول فيها:

إنَّ اليمامة خير ساكنها *** أهل القرية من بني ذهل

وأشفق عليه أبناء الأفقم، وأعطوه نخلات عُرفت فيما بعد بـ«نخلات أم مليكة» وهي امرأة الحطيئة.. ولكنه لم يقنع بهذه التسوية، وإنما ظل يطالب بميراثه كاملًا، ولجّ وألحّ في الطلب، حتى أحرجهم، فلم يجدوا بُدًّا من أن يمنعوه طلبه، وأن يضربوه أيضًا، وسلاحه الشعر فيما يقع عليه وفيما ينشأ له من خصوم وأعداء.. فهجا بني ذهل هؤلاء في قصيدة منها:

إنَّ اليمامة شر ساكنها *** أهل القرية من بني ذهل

وانتهى به الأمر إلى العودة إلى بني عبس، واستقر على الانتساب إلى أوس بن مالك، وبذلك عُرِف، فهو اليوم «جرول بن أوس بن مالك العبسي».

تأثير الشك في النسب على شخصية وشعر الحطيئة

التشكيك أو الشك في نسبه يُفسر إسرافه في الهجاء، وعلى الأخص هجاء أمه وأبيه، بل ونفسه أيضًا.. ويُعلل لهذا السخط الذي طبع أكثر ما عُرف له من الشعر الذي نال به من أعراض الناس حقًّا وباطلًا، وهو سخط ونقمة جعلاه لا يبالي ما يقترف من شر وسفَه، وما يُسرف فيه من السؤال المُلحِف، والجشع الكريه، ما طبع شخصيته بخسة النفس ولؤم الطوية، مع البخل، وضعف الاهتمام بشرف العواطف، وترفُّع النفس عن الدنايا، والعرفان بالجميل.. ولا عجب أن تتجمع فيه كل هذه النقائص، وهو الذي وجد نفسه مشرّدًا يتدافع بين القبائل، في بيئة النسب فيها أصل من أصول الكرامة والعزة والإباء، وهو فيها المحروم من هذا الأصل الأصيل.

قال عنه ابن قتيبة الدينوري صاحب «عيون الأخبار»: «كان الحطيئة رقيق الدين.. لئيم الطبع».. وقال أبو الفرج في «أغانيه»: «كان من أولاد الزنا الذين شرفوا».. وهو يعني ما تحقق له من الشهرة وذيوع الصيت، ورهبة الناس منه، بما نبغ فيه من هذا الشعر الذي ظل قويًّا رائعًا، وإن كان موضوعه الهجاء.

مكانة الحطيئة في الشعر العربي وفن الهجاء

الهجاء، كما نعلم، فن من فنون الشعر العربي، بل هو فن من فنون الشعر في كل لغة من اللغات الحية، تظهر فيه كما تظهر في غيره من أغراض الشعر، بلاغة الشاعر، وقدرته على التصرف في أداء المعاني، واختيار الألفاظ، والوقوع على أصول البلاغة والتبيان وفق هذه الأصول فيما يُرسل من التعبير عن غرضه، مع تلمّسٍ لبقٍ لمكامن الجمال فيما يُعالج من الوصف، مادحًا أو هاجيًا، أو ما شاء من أغراض.

أجمع النقاد على أن الحطيئة من فحول الشعراء وأنه «متين الشعر.. شرود القافية لا مطعن  في شعره»

وبذلك كان للحطيئة حظه من تقدير النقاد، وإجماعهم على أنه من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم، وأنه إذا اشتهر بالهجاء، لم يكن أقل فحولة وتقدمًا وفصاحة في المديح والفخر والنسيب والوصف، وأنه «متين الشعر.. شرود القافية، لا مطعن في شعره». بل وجد من قال: «إنه أشعر الشعراء بعد زهير بن أبي سلمى»، وذهب بعضهم إلى المجاهرة بأنه «أشعر الناس».

حياة الحطيئة بين الجاهلية والإسلام

من المألوف تعذر تحديد تاريخ مولد كثيرين من الأعلام في الشعر وفي غير الشعر في هذه الحقبة التاريخية، فإن الأخبار عن تاريخ مولد الحطيئة تتضارب إلى حد يصعب معه شيء من التحديد أو حتى التقريب، ولكن لا شك في أنه عاش دهرًا قبل الإسلام، إذ نجد في أخباره أنه اشترك في حرب داحس والغبراء، وأنه كان يفد على حاتم الطائي، وأنه اشترك في غزوة كان فيها عنترة العبسي، وهذا إلى ما تناقله الرواة من شعره مادحًا أو هاجيًا لشخصيات لها مكانتها قبل الإسلام.

ومع أن المشهور أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنشده، فإن ابن قتيبة يتردد في قبول ذلك، ويرى أنه لم يُسلم إلا بعد وفاة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام.. وأيًّا كان الصواب، فإن الثابت أن الحطيئة قد أسلم، ولكنه ارتد مع من ارتد في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وقال عن هذه الخلافة شعرًا قصد به إهاجة قومه من المرتدين.

وما يثبت أنه كان رقيق الإسلام، على أنه لم يلبث أن وقع أسيرًا في حروب الردة، فأقلع عن كفره، وعاد يُظهر الإسلام، والأرجح أنه بعد هذه الردة قد حسن إسلامه، إذ يُروى أنه كان في صفوف المسلمين في القادسية سنة 14هـ، في أوائل أيام خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونسمع أنه قال شعرًا يحث فيه المسلمين على الاستبسال ضد الفرس.

حياة الحطيئة الأسرية وتناقضات شخصيته

يتعذر أن نعرف متى وُلِد الحطيئة، وكذلك يتعذر أن نعرف متى تزوج، ولكن أخباره تقول: إنه تزوج امرأة أو اثنتين، إحداهما «أم مليكة»، وأنه رُزق عددًا من البنات وابنين هما «سوادة» و«إياس». وما يستوقف النظر في سيرته، وهو الهجّاء المقذع، الذي تجمعت فيه أوصاف الشر والسفَه والبخل والجشع وقلة الخير، أنه كان بَرًّا بأهله، رقيق القلب معهم، كثير العطف عليهم، حتى لنَجده يزمع الرحيل وقد قُدِّمت له راحلته ليركب، فيسمع أم مليكة تقول له:

اذكر تخننا إليك وشوقنا *** وارحم بناتك إنهن صغار

فيقف، ليقول: «حطوا.. لا رحلت لسفر أبدًا».

وليس في أخباره ما يسعفنا لنعلم بواعثه على التمسك بعادته التي جرى عليها قبل الإسلام، وهي التنقل بين الأجواد، يطرق أبوابهم بأماديحه، فإذا لم يفز منهم بما كان يرجو، يبادرهم بأهاجيه، ولكن ليس من شك في أنه كان دائم الحاجة إلى المال ينفق منه على أهله وعياله، وأن هذه الحاجة ظلت تلاحقه منذ وجد نفسه محرومًا من إرث من انتسب إليهم، إلى أن تزوج وأعال.

وإذا لم يكن له من سبيل إلى سد هذه الحاجة إلا الشعر، يمدح به من يجود عليه، ويهجو به من يبخل بعطائه، فقد اتخذه وسيلة إلى التكسب، حتى أصبحت المسألة في النهاية احترافًا.. لم يكن فيه بدعًا، فما أكثر ما حفل به تاريخ الأدب العربي، بعد الإسلام، في العصرين الأموي والعباسي، من الشعراء الذين كان الشعر مادحًا أو هجاءً، سبيلهم إلى التكسب والارتزاق، على اختلاف في الحظ والمكانة عند الممدوحين، وعلى اختلاف في نصيب هؤلاء الممدوحين من الجاه والسلطان والثراء.

المشاعر الوجدانية في شعر الحطيئة

إلى جانب ما عُرِف من رقّة قلبه وشدة عطفه على أهله وولده، فإننا نجد له ما يمكن أن يدخل في معنى المشاعر الوجدانية الصادقة، التي يُقدمها في أسلوب قصصي، إذا لم يتفرد به من ناحية الرواية، فقد تفرد فيه من ناحية الموضوع الوجداني الذي عالجه، وهو ما يكاد يكون نادرًا في الأدب العربي القديم.

وطاوى ثلاثًا عاصب البطن مرمل *** ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما

قال يروي موقف رجل في الفلاة، إزاء ضيف طرأ عليه في ساعة من ليل:

وطاوي ثلاثًا عاصب البطن مرمل *** ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما

أخي جفوة، فيه من الأنس وحشة *** يرى البؤس فيها من شراسته نعمى

تفرد في شعب، عجوزًا إزاءها *** ثلاثة أشباح تخالهم بهما

حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملة *** ولا عرفوا للبر، مذ خلقوا طعمًا

رأى شبحًا وسط الظلام فراعه *** فلما بدا ضيفًا تشمر واهتما

فقال ابنه، لما رآه بحيرة *** أيا أبتِ اذبحني ويسر له طعما

ولا تعتذر بالعدم، علّ الذي طرا *** يظن لنا مالًا فيوسعنا ذما

فروى قليلًا، ثم أحجم برهة *** وإن هو لم يذبح فناه فقد همّا

وقال:

هيا رباه، ضيف ولا قرى *** بحقك، لا تحرمه تا الليلة اللحما

فبيناهم، عنت، على البعد، عانة *** قد انتظمت من خلف مسحلها نظما

بينما كان الرجل وابنه في هذه الحيرة، وهذا الموقف المتأزم الذي بلغ حد التفكير في ذبح الفتى، وقد عرض نفسه لذلك، وبعد أن تضرع إلى الله ألا يحرم الضيف اللحم، ظهرت على البعد «عانة» وهي قطيع من حمر الوحش. ثم يقول:

ظماء، تريد الماء فانساب نحوها *** على أنه منها إلى دمها أظمأ

فأمهلها، حتى تروت عطاشها *** فأرسل فيها من كنانته سهما

وكم هو رائع، وإنساني المشاعر، حين يُمهل العانة حتى تروى ظمأها، فلا يرسل سهمه إلا بعد أن ترتوي.. ثم نجده يقول:

فخرت نحوص ذات جحش، فتية *** قد اكتنزت لحما وقد طبقت شحما

فيا بشره إذ جرها نحو أهله *** ويا بشرهم لما رأوا، كلمها يدمى

فباتوا كراما قد قضوا حق ضيفهم *** فلم يغرموا غرما وقد غنموا غنما

ويصل إلى القمة من التعبير عن وقع الفرحة في نفس الرجل وأهله حين يختم القصيدة، أو هي القصة الرائعة، بهذا الختام:

فباتوا كراما قد قضوا حق ضيفهم *** لم يغرموا غرما، وقد غنموا غنما

وبات أبوهم من بشاشته أبا *** لضيفهم، والأم من بشرها أما

الحطيئة مع الزبرقان وعمر بن الخطاب قمة الهجاء

ومن أبرز الأحداث في حياة الحطيئة، موقفه مع الزبرقان الذي تقول الأخبار إنه كان من الولاة منذ حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان قادمًا إلى المدينة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليؤدي الصدقات، حين لقي الحطيئة في إحدى قرى اليمامة، فعرفه الحطيئة، وقد اصطحب معه امرأته وبناته وأبناءه.

قال له الزبرقان: «أين تريد؟» فأجاب الحطيئة: «أريد العراق، فقد حطمتنا هذه السنة» وكانت سنة مجدبة.

قال الزبرقان يسأله: «وتصنع ماذا؟»

قال الحطيئة: «أصادف رجلًا يكفيني مؤونة عيالي وأصفيه مدحي أبدًا».

قال الزبرقان: «قد أصبته.. فهل لك فيه يوسعك لبنًا وتمرًا، ويجاورك أحسن جوار وأكرمه؟»

فتهلل الحطيئة فرحًا وقال: «هذا.. وأبيك العيش، وما كنت أرجو هذا كله». وعرفه الزبرقان بنفسه، ودله على مكانه، وسيره إلى زوجته، فرحل الحطيئة وأكرمته المرأة وأحسنت إليه.

وكان من قوم الزبرقان، قوم بني أنف الناقة، ولكنهم كانوا ينافسونه الشرف، وقد استعلى عليهم بشخصيته ومكانته، على أنهم كانوا يعيرون بهذا الاسم «أنف الناقة» الذي ركبهم، لأن أحد أجدادهم نحر ناقة، وقسمها بين نسائه، ولم يبقَ منها إلا الرأس والعنق، فجاء ابنه يطلب قسمة أمه، فدفع إليه هذا الذي بقي من الناقة، فأدخل ابنه يده في أنف الناقة، وجر الرأس والعنق ومضى به.. فسخر الناس به، وذهبوا يسمونه «أنف الناقة»، ولحق اسمه بأبنائه وحفدته فكانوا «بني أنف الناقة».

رأى بنو أنف الناقة الحطيئة، وعرفوا خطره حين يجاور الزبرقان، وعرفوا ما يمكن أن يكون للشاعر الضخم من أثر لو أنهم مالوه إليهم، فسعوا إليه، وزعموا أن امرأة الزبرقان قصرت به فيما خصته من الرفد والرعاية.. فلما عجزوا أن يستميلوه، دسوا إلى زوجة الزبرقان من قال لها إن زوجها يهم بأن يتزوج «مليكة» ابنة الحطيئة، وكانت جميلة.. وبهذا السعي وبغيره من قصة تطول، استطاعوا أن يستميلوا الحطيئة، وأن يفرقوا بينه وبين الزبرقان.. فضربوا له قبة، وربطوا له بكل طنب (أي مغرز وتد من أوتادها) قفة تمر من هجر، وأكثروا له من اللبن، وأعطوه عددًا من النوق والكسى.

ورجع الزبرقان من رحلته، فأهاب «بجاره».. فخيَّروه، فإذا به يختار بني أنف الناقة.. وشرع يمدحهم بقصائد، منها تلك التي قال فيها:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم *** ومن يُسوى بأنف الناقة الذنبا

ثم، تجاوز هذا المديح الذي جعل القوم يفخرون بأنف الناقة الذي كانوا يُعَيَّرون به، إلى هجاء الزبرقان بقصائد، منها تلك القصيدة التي قال فيها:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

قصة الحطيئة مع الزبرقان بن بدر وعمر بن الخطاب

وتقدّم الزبرقان إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، شاكيًا مما وجد في هذا البيت من هجو جارح، ولا شك في أن عمر لم يكن يجهل ما فيه من الجرح، ولكنه أحب أن يحكم على بيّنة، فاستقدم حسان بن ثابت الذي ما إن سمع البيت حتى قال: «لقد هجاه وأقبح به».. فأمر عمر بحبس الحطيئة، فيما شَبَّهَه الشاعر بحفرة أو بئر. ويبدو أن حبسه قد طال أمدًا، فأخذ يستعطف ويسترحم، ويشرح ما يعطف الخليفة عليه بقصائده من شعره. نرى في إحداها، مرة أخرى، حَـدَبَه على أهله، ونظرته إلى صغاره، وإشفاقه عليهم، إذ يقول في أشهر هذه القصائد:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ *** زغب الحواصل، لا ماء ولا شجر

وهو يبلغ من الرقة حدًّا رائعًا، حين يُشبه أطفاله بأفراخ الطير، ويؤكد هذا التشبيه، حين يقول إنهم «زغب الحواصل»، وفي التشبيه على إطلاقه إحساس يُضعف هؤلاء الصغار، هو دون شك إحساس شاعر رقيق الوجدان.

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ *** زغب الحواصل لا ماء ولا شجر

ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة *** فاغفر، عليك سلام الله، يا عمر

أنت الأمين الذي من بعده صاحبه *** ألقى إليك مقاليد النهى البشر

وهو يلتفت التفاتة ذكية بارعة، حين يُلاحق هذا البيت بقوله:

لم يؤثروك بها إذ قدموك لها *** لكن لأنفسهم كانت بك الأثر

ثم يقول:

فامنن على صبية بالرمل مسكنهم *** بين الأباطح تغشاهم بها القَرَر

فرقّ له عمر فأطلقه، بعد أن أخذ عليه عهدًا ألا يهجو أحدًا، وقالوا إنه اشترى منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم.

الحطيئة الشاعر الذي حوَّل الألم إلى فن خالد

هكذا عاش الحطيئة حياة بالمفارقات؛ فهو الهجاء البذيء والأب الحنون، وهو اللئيم الطبع والشاعر الفحل، وهو المرتد عن الإسلام والمجاهد في القادسية، لقد كانت عقدة النسب هي المحرك الأكبر لحياته وشعره، فحوَّل هذا النقص الاجتماعي إلى مصدر قوة فنية، وصاغ من مرارته الشخصية شعرًا بقي خالدًا على مر العصور. ويظل الحطيئة نموذجًا فريدًا للشاعر الذي لم تسمح له الحياة بأن يكون شيئًا، فقرر أن يكون كل شيء بشعره، حتى لو كان ذلك عبر الهجاء الذي أتقنه وجعله مرآة لروحه المعذبة وعصره المضطرب.

يظل الحطيئة شخصية أدبية فريدة في تاريخ الشعر العربي، إذ تُجسد حياته المضطربة ومعاناته النفسية مدى تأثير الظروف الشخصية على الإبداع، لقد حول هذا الشاعر، الموصوم بالشك في نسبه ولؤم الطبع، الألم إلى قوة هجائية لا مثيل لها، جعلت منه عَلَمًا بارزًا في فن الهجاء، لكن في ثنايا قصصه وأشعاره، نكتشف جوانب إنسانية عميقة، تظهر في رقة قلبه تجاه أهله وعياله، وقدرته على تصوير المشاعر الوجدانية الصادقة، ما يؤكد أن العبقرية الأدبية قد تنبع من رحم المعاناة وتُخلد صاحبها في سجلات التاريخ، بغض النظر عن الجدل الذي أحاط بحياته.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.