الشاعرة القطرية تليلـة بنت غانــم المهنــــدي"صدي الحرمان".. تعرف إليها الآن ج2

أصدرت وزارة الثقافة والفنون والتراث بالتعاون مع مركز الفنون البصرية كتابًا قيمًا بعنوان «نخبة من شعراء الوطن، رحلوا إلا أنهم باقون»، جمع أسماء عشرة شعراء لمعوا في سماء الشعر القطري.

وقطف من حديقة أشعارهم الجميلة أزهارًا يجذبك أريجها إلى مزيج من الأجواء الوطنية والإنسانية التي احتضنتها هذه الأرض الطيبة. المؤلف هو الشاعر والإعلامي القطري حمد بن محسن النعيمي. وفي هذا الكتاب ينظر إلى التراث الشعري القطري من ثلاث زوايا أساسية هي: الزاوية التاريخية والزاوية الثقافية والزاوية الاجتماعية، وحاول الناشر أن يقدم هؤلاء الشعراء القطريين وآثارهم الشعرية في حلة وفقت بين الجمالية والفائدة.

اقرأ أيضاً دراسة في ديوان في توقيت الدخول للروح

مكانة الشاعرة تليلة بنت غانم

بينما أوضحت مقدمة الكتاب أهمية الفكرة ودوافعها وأهدافها؛ إذ جاء فيها: «من تابع مثلي حركة الشعر في قطر منذ بداية الستينيات من القرن الماضي 1960 إلى هذا اليوم، بالتأكيد إنه قد يتذكر أن في وطننا نخبة من الأدباء والشعراء كان لهم دورهم البارز في إثراء ساحة الشعر والأدب»، وتضيف المقدمة «ومن هذا المنطلق بدأت الفكرة في عرض ما نستطيع عرضه تقديرًا وتكريمًا لمن سيسمح لنا الوقت في عرض شيء من إبداعاتهم وسيرتهم الذاتية التي نعدها نموذجًا يعتز به الشعب القطري[1]».

وقد تابع الكتاب مسيرة عدد من شعراء قطر المتميزين ومنهم الشيخ سعود بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني من رموز الشعر في قطر. والشاعر التالي هو عمير بن راشد بن عفيشة الهاجري (1890م - 1980م)، والشاعر عبد الله بن سعد المسند المهندي، ثم اختتم الكتاب بالشاعرة صدى الحرمان، التي يقول عنها: «لا بد أن يكون للشاعرات القطريات دورهن في هذا المعرض.

وشاعرتنا هي الشاعرة صدى الحرمان رحمها الله، بنت الخور، تليلة بنت غانم المهندي، شاعرة طرزت بإبداعها قوافي الشعر وأوزانه متحدية كل صعاب الحياة، تحدث عنها متذوقو كل ما هو راقٍ من الشعر وعن إبداعها المميز، وكتب وأشاد بها نقاد الشعر»، صدر ديوانها الأخير بعد رحيلها رحمها الله عام 2003م. أما المختار من حديقة شعرها فهما قصيدتان هما: (الشوق إلى الوطن) و(هامة العز)[2].

اقرأ أيضاً شعر العامية بأقلام نسائية | بين رفض التسمية والظلم والإنصاف..

أنشطة الشاعرة تليلة بنت غانم

بدأت تليلة المهندي الكتابة سنة 1985، وراسلت كثيرًا من المطبوعات الخليجية التي لم تجد اختيارًا أمام موهبتها الملحوظة إلا أن تنشر قصائدها التي طرقت أبواب القلوب بعذوبتها، ومن ثم استمرت بطريق الأدب والشعر النبطي، كما شاركت في كثير من الأنشطة المجتمعية. وبالرغم من أنها لم تكمل تعليمها الأكاديمي.

لكنها ذات يوم امتطت بساط قصائدها لتدخل جامعة قطر، التي حُرمت من الوصول إليها كونها طالبة للعلم، ولكنها دخلتها  لتعلِّم المتلقين قواعد الفطرة الغضة للجمال والقيم الوجدانية والعاطفة النبيلة، في أمسيات شعرية أقيمت على شرفها؛ فتوجت ذلك الحضور بالمحبة والتفاعل الحقيقي بينها وبين جمهورها، تلك الجماهير التي قلدتها المرتبة الثانية بين شاعرات الخليج في استفتاء أجرته مجلة النهضة الكويتية، ليحرص محبو شعرها على أن يلقبوها باسم: شاعرة الخليج الثاني.

فقد استولت على قلوب وآذان محبي الشعر الراقي والإحساس النبيل والكلمة الجميلة، فكانت تتحلق أرواحهم كل يوم ثلاثاء على ضفاف قناة الخليج إذ تهفو الأفئدة وترهف الأسماع كلما تحين الساعة التاسعة والنصف بتوقيت قطر.

وعلى الرغم من أن البرنامج كان مخصصًا للشاعرات حصريًّا لكن الجميع بلا استثناء من الشعراء المشهود لهم بالمهارة على الرغم من أنهم حرموا من المشاركة باقتصار البرنامج على النساء لم يفوتوا على أنفسهم الاستمتاع إلى جميل شعرها وعذب قصائدها وغير ذلك من الخصائص الشعرية الراقية والمتميزة التي كانت تليلة المهندي تمتلكها وتمتاز بها.

اقرأ أيضاً اللغة الشفافة والصور البلاغية في ديوان (مكتوب بماء الورد)

تابع أنشطة الشاعرة تليلة بنت غانم

بشجاعة نادرة تمكنت شاعرتنا من مواجهة مختلف الآلام النفسية والجسدية فكانت رمزا للمثابرة، وقد عثرت في أثناء إعداد البحث على طرف من لقاء صحفي مع الشاعرة قبيل وفاتها فيه تحكي متى كان ظهورها العلني الأول أمام الجمهور في الأمسيات الشعرية؟

فتقول: «بعد سنوات من ظهور قصائدي في المطبوعات المحلية ببلدي قطر وبعض صفحات الشعر الشعبي في الخليج، تشجعت ولبيت الدعوة للمشاركة بعدة أمسيات منها أمسية في جامعة قطر للبنات وأخرى بمناسبة اليوم العالمي للتمريض. وكان التجاوب في الأمسية حافزًا لي لتقديم المزيد والاستمرار في عالم الشعر».

وتضيف في معرض الإجابة عن سؤال آخر: «لعل مشاركاتي في معظم المطبوعات الخليجية ونشر قصائدي في الصفحات التي تُعنى بالشعر الشعبي عرَّفت بي أكثر وأكسبتني حب الناس، وحققت لي حضورًا مقبولًا شجَّعني على الظهور عبر قصائد عاطفية وإنسانية».

وعن سر اختيارها لقب «صدى الحرمان» خاصة وأنها كتبت في البدايات باسم آخر، قالت: «كنت قد قرأت قصيدة للأمير الشاعر عبد الله الفيصل أعجبتني وأثرت بي كثيرًا خاصة أن عنوانها صدى الحرمان الذي لامس واقعي وأزمتي الصحية؛ فإعاقتي التي يعرف عنها جميع من حولي أدَّت إلى حرماني من أشياء وأحلام كثيرة».

اشتقت اسمها من حرمانها بسبب أنها من ذوي الاحتياجات الخاصة ولكن كلماتها شقت عنان السماء من الشمال إلى الدوحة وتعدته إلى الخليج.

وفي التسعينيات أصدرت ديوان شعر بعنوان «رحلة أيامي»، وعنه سُئلت ما إذا كان قد عبَّر عن إبداع صدى الحرمان كما يجب؟ فأجابت: «نظرًا إلى تلك المدة أقول: نعم. فالديوان صدر قبل أكثر من سبعة أعوام وتجربتي آنذاك كانت مستقرة نوعًا ما.

ولا أقول مكتملة. فمتى أحس الشاعر أن تجربته الشعرية اكتملت ينطفئ كما الشمعة ويفقد قدرته على نشر الضوء في محيطه. تجربتي أو حالتي الشعرية تطورت بعد ذلك تبعًا لعدة ظروف منها سعة اطلاعي وتعدد قراءاتي واحتكاكي بتجارب شعراء وشاعرات كثر».

اقرأ أيضاً دراسة النظرة الشعرية عند الشاعرة سعاد الصباح في ديوانها "في البدء كانت الأنثى"

الأغراض الشعرية في قصائد تليلة المهندي

في الديوان المذكور تناولت الشاعرة كثيرًا من الأغراض الشعرية عبر 40 قصيدة كان منها الوصف والمديح والغزل وكذلك الوطنيات والظواهر الاجتماعية، ولعل السبب في ذلك على حد قولها: «آثرت أن لا أكون سجينة القصيدة الذاتية الحزينة التي تفتح جراحي كما ورقة مقروءة أمام الجميع. أنا أحب كل الناس ولا أريد أن أُدخلهم في عالم حُزْني، أردت لقصائدي أن تكون بسمة لقرائي الذين أحببتهم، ولولا حبهم وتشجيعهم لي لما كانت لحياتي قيمة حقيقية، أنا أدين للشعر والزملاء والزميلات وكل القراء بأجمل أوقات حياتي».

اكتسبت صدى الحرمان علاقات أخوية نبيلة ومتميزة مع بعض الشعراء والشاعرات في قطر والخليج العربي كله، وكان أقربهن إلى قلبها الشاعرة الكويتية مليحة الفودري التي جمعتها بها أكثر من مشاكاة شعرية، وعن مليحة تقول: «هي برأيي الشخصي أكثر شاعراتنا إنسانية وإخلاصًا».

كانت تليلة المهندي تنظر إلى حركة الشعر الشعبي أو اللهجي في قطر على أنها تشهد تطورًا ملحوظًا، وعن ذلك قالت: «... ظهرت لدينا أسماء جديدة تقدم شعرًا جميلًا سوف تتضح الآراء حولهم حين يستقر نتاجهم مستقبلًا، وأعتقد أن من أهم شعراء قطر: أحمد المسند وجهز العتيبي وصدى الدوحة وشيهانة».

عاشت تتقاذفها أمواج الألم والحرمان والحسرة، فجاء من بين طيات التجربة اسم «صدى الحرمان»، ولعله اسم على مسمى، فلم تفرضه الضرورة البلاغية ولا شغف الشاعرة في الإتيان باسم أدبي جذاب، بل تجسد واقعًا عاشته وخبرته الراحلة، فظلت تحول الآلام الصامتة إلى قصائد ناطقة بشكواها وشكوى الناس، تنطق بصبرها، وتعين الغير على محاكاتها في الصبر، بل وتجسد الرضا السمح بما قسمه الله سبحانه وتعالى لها.

لم تكن الإعاقة وحدها مصدر المعاناة، فقد أصيبت بمرض الربو ليضيف إلى معاناتها معاناة جديدة، وعن ذلك تقول: «وضعي الصحي ليس على ما يرام، وأنا لا أريد أن أشغل القراء والشعراء الكرام بما يزعجهم.... فأنا أقضي أيامي بين المستشفيات، لكنني اعتدت على هذا الوضع إلى درجة أن الألم هو من بات يتحملني لا العكس».

عاشت (صدى الحرمان) أيامًا قاسية في رفقة ضيف ثقيل استعمر حركتها، ثم ألَّب عليها صدرها الذي كان باتساع الكون رضا بقدر الله، على الرغم من ضيقه بالنفس وثقل الهواء عليه في سنواتها الأربع الأخيرة.

اقرأ أيضاً دراسة نقدية في ديوان اغتراب الأقاحي للشاعرة المغربية فاطمة بوهراكة

بعض الأبيات التى كتبتها الشاعرة تليلة المهندي

وفيما يلي أبيات كتبتها تليلة المهندي عبرت عن ما كانت تعانيه من نزف وألم لم يزدها إلا صبرًا وغنىً بفضل إحساس الإنسان المؤمن بأن قضاء الله سبحانه وتعالى قد حان موعده، وكأنها كانت ترثي نفسها:

جسد وقبر

تهاوت رحلة ايامي في ركن الخوف والحســره

و بديت اضعف مثل ظلّي وارمي بالعمــر خلفي

تصوّرت القدر حاجز زجــاج من الســـهل كسره

ولكــنـي جرحـت أنــامـلي حتى دمــع طرفـي

وعشت اليـاس والحيره بشــوق يـنـتـظر بكره

ولا هان الألم عندي ونصـفي ملّ من نصــفي

يميني خانت حروفي وهانت عنـدها العشـره

ومن يكــتب لـي اشعاري اذا ما خانـني كفي

وهل ارتاح وإحساسي مجــرد حلم أو فكــره

أو احذف باقي اوراقي واودع فكــري المـنـفي

تمــنـيــت ارحل لعـــالم .. علـيه الفــاتحه تقـرا

ورفض موتي يواجهني بوجه القـادم المخـفي

فهل شفتوا جسد ميت ورفض يستقبله قبره؟

أنا هذي معانـاتي واظـن اللـي مضـى يكــفـي

ابترجى الزمـن واحمل على كفي عنا دهــره

ما عادت فيني القوه على اقناعه يجي صفـي

وانا اللي كنت بالأول عنيده قاسيه وحره

وبديت اضعف وانا اكره مجرد ضعفي لضعفي[4]

[1]  حمد بن محسن النعيمي، نخبة من شعراء الوطن، رحلوا إلا أنهم باقون، مركز الفنون البصرية، كتارا 2010.

[2]صحيفة العرب القطرية، العدد 8045 ، الثلاثاء 22 يونيو 2010م – الموافق 10 رجب 1431هـ.

[3] مجلة زهرة الخليج، العدد 1644، 2010، ص 38.

 

[4]صحيفة «الاتحاد الإماراتية».. شعر وفن، العدد 104 ص 7.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رحمة الله على الطيبين
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

رحمة الله على الطيبين
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

وعشت اليـاس والحيره بشــوق يـنـتـظر بكره

ولا هان الألم عندي ونصـفي ملّ من نصــفي

يميني خانت حروفي وهانت عنـدها العشـره

ومن يكــتب لـي اشعاري اذا ما خانـني كفي
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

صدى الحرمان
لقب ملهم
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة