الشات وغيرة الزوجات

تلقيت دعوتهما، فقبلتها.. مستمعاً ووسيطاً، لا حكماً في نزاعهما:

- قالت الزوجة في غضب: لم أعُد أحتمل ما تفعل.

- وماذا فعلت؟

- تتحدّث عبر "الشات" من كثيرات.

- رد في هدوء ـ محاولاً تمالك نفسه، في حين أشعر أنه ينتفض فوق أريكته ـ إنهم قرَّاء يعلقون على ما أكتب.

- لا.. ليس هذا تعليقاً، هذه تسلية، ودردشة في هذا الموضوع أو ذاك، بعيدًا عن التعليق عما كـُتب ويُكتب؟

ثم أردفت في حزم: أنا لا أرضى بهذا مُطلقاً.

نظر إليّ وإليها، وتابع، مع مزيد من محاولات "ضبط النفس".

- الكاتب لا شيء من دون قرَّاء، يعلقون، ينتقدون، يمدحون، يقدحون، يضيفون، يحذفون، ينتجون الخ.

- نظرت إليه قائلة: إن هذا ما يزعمه ليبرّر به ما يفعل.

بدوره نظر إليّ محاولًا استنطاقي.

- لا أبرّر ما أفعل لكن هذا هو الواقع الحقيقيّ، لمن يمارس الكتابة.. حرفة وهواية. إنه يكتب ليس لنفسه، بل لغيره، ولو كان يكتب لنفسه لظلّ ما يكتب خواطر ذاتية، حبيسة الأدراج. أما وإنها قد نُشرت فهي من حقّ الآخرين.. الذين هم هدف وغاية في آن معاً.

- ازدادت غضباً وقالت: هذه السفسطة لا تعنيني بحال الآن. إن الذي يعنيني أكثر "زلزلة" هذا البيت، وعدم استقراره، وتقلب الأمزجة والمشاعر بسبب هذه التسلية.

-نعم.. لو أراد هؤلاء الذين تصفينهم (بالمتسلين)، هذه التسلية لكان لهم ما أرادوا عبر وسائل أخرى متاحة. لكن أن يتبادل قارئ...

قاطعت قائلة: أو قارئة، هذا ما يقلقني أكثر. ألا تعلم كم يفوق عدد النساء عدد الرجال؟ ألا تعلم كم هي مرتفعة نسبة العنوسة فضلًا عن العدد الهائل للمطلقات والأرامل؟

واصل حديثه: نعم أعلم، لكن ما علاقة هذا بذاك؟ ما صلة هواجسك بتبادل الأفكار حول موضوع ما كتب أو سيكتب.. هذا شيء حميد، لا ضير فيه، بخاصّة أنه لم يعد هناك الكثيرين يهتمون أصلاً بالقراءة ومعاناتها. لا أدري ما الذي أصابك في الآونة الأخيرة، رجاء: لا تدعي تجارب الآخرين السلبية تنغص على حياتنا الأسرية، لكل ظروفه وأحواله الخاصة. إن كان يحدث ما يحدث من حالات انفصال بين أزواج فليس السبب الأوحد له هذه" الدردشة"/ لعل القشة التي قصمت ظهر البعير. لعل في هذه الحالات تكون هذه الدردشة، وتجاوزاتها، بديلاً عابراً، سهلاً ومغرياً، ومتوهماً للهروب من حل مشكلات، والشعور بثقل تبعات، والموت في سجن لا ينعم فيه أحد "بعيش"، ولا استقرار، ولا راحة فكر، ولا وجدان.

حزينة تكاد دموعها تطفر من عينها.

- أنت لا تجلس معي مثلما تجلس أمام شاشة الحاسوب. لا تحاول إقناعي بأن الحديث يبقى محصوراً في هذا الشأن الأدبي فقط. إنني لم أعد أطيق هذا الجهاز، أكرهه، أتمنى خرابه لا خراب بيتي، ليته ما كان. أنت "ملكي وحدي"، أريدك أن تتفرغ لي.

- غاضبا، ناهضا من فوق أريكته، مشيرا إليها بإصبعه: لا ـ يا زوجتي الغاليةـ أنا لست (ملكك)، لست متاعاً أو غرضاً من أغراض هذا البيت. لقد جانبك الصواب بكلمتك هذا، وهنا لب القصيد.

- أن كل إنسان، وبخاصّة من يتصدى "لمحنة" الكتابة، أنه ليس ملك نفسه. إنه "كيان وكينونة"، وشتان بين غرض عبدِ ذليلِ، وكيانِ حرِ عزيزِ. ثم قام مسرعا إلى أرفف مكتبته، وفي لمحة خاطفة قال لها: ألم تطالعي هذا الكتاب: "نتملك أو نكون To have or to be/ الإنسان بين المظهر والجوهر لأريك فروم".

- رمقته بغضب: نعم طالعته.

- أردف قائلاً: إنك بادعائك تملكك إياي ستقتلينني، أو تسجينني في "قفص ذهبي"، إن حريتي هي أثمن ما لدي، وما أعيش له وبه. والكتابة سمة من سمات التحرر، والقراءة كذلك. هل تريدين أن تكوني "كالدب التي تقتل ولدها بغية أن تذب الهوام عنه؟!".

دعيني أصارحك: إنها السيطرة والاستحواذ والأنانية الطاغية والشعور بالتهديد من جراء الفقد.

ردّت بنبرة ساخرة: ما هذا كل هذه الأمور موجودة لديّ؟ حتى تخصصي الدقيق "علم النفس" تدس أنفك فيه.

بل أفسر لك دوافع هذه التصرفات المتزايدة الوتيرة في الفترة الأخيرة.

- إن تواصل البعض لبعض الوقت على هامش الانشغال بأمر الكتابة والبحث والدرس لا يعني بحال أنهم سيشاركونك وجداني.. لا -يا عزيزتي- ليس الأمر بهذه البساطة أو بهذا التهويل الذي تظنين. تهويل دفعك للتجسس عليّ.

- لا.. لم أتجسس عليك بل لدي إحساس عميق، وحواس لا تمام كما تحدّثت مع إحداهن. كذلك أجد شارات غرف الدردشة تضيء وتطفئ، وتخفيها عني.

- ماذا أخفي عنك؟ لست نجماً سينمائياً، ولا مطرباً غنائياً، ولا لاعباً كروياً، ولا تاجراً رأسماليا، ولا داهية سياسياً.. فيسارعن إلى التحدث معي.

ردّت قائلة: البعض لا يغريهن هذه الأصناف التي ذكرتها، بل يغريهن مواصفات كمواصفاتك. سلني أجبك؟، فأنا أدرى منك بشأن المرأة، وما يعتمل بداخلها.

حاول أن يلطف من الأجواء العاصفة لهذا الحوار فقال:

- نعم.. أنت أدرى بالمرأة منّي، ولكنّي أدرى بنفسي منك. ولعلّي أدرى بمن يعقب ويعلق ويتواصل معي. فمن يتعامل مع الكلمات وما تظهر وما تُخفي.. يكتشف من أول وهلة طبيعة من يقولها.

- زوجتي الغالية: لو كنت مقصرًا في التفرُّغ للحديث معك، ومرّت فترة من فتور، فلك الحقّ، والحقّ معك. وأشكرك على لفت انتباهي لذلك، ولكن ليس بهذا التهويل وترك أساس الموضوع. لا تخشي شيئاً، ولا تدعي هواجسك وأوهامك، وغيرتك الطاغية، تقض مضجع هذا البيت المستقر، فتحيله إلى ساحة حرب مستعرة، مع إن تهدأ يومًا حتى تشتعل أياماً.. فلسوف تجنين على هذا المنزل بدافع واهم من "الحفاظ عليه"، بل "الغيرة المدمرة" لنا، ولأبنائنا، وله. هل تظنين يومًا أن أترك العش الذي بنيته -معك- عوداً عوداً، ولبنة لبنة، إلى "مغامرة" هنا، أو "نزهة" هناك. واهمة أنت.

- يا أم الأولاد: إن ما تشتكين منه هو من قبيل "عموم البلوى". وسائل ومعطيات حديثة لها ما لها وعليها ما عليها. لكنني معك أنها يجب أن تنضبط في استعمالاتها السليمة الإيجابية، فلا تحيد عنها لتخرب بيتاً، أو لتضل شاباً، أو لتدمّر فتاة، أو لتصنع مجرماً، أو مدمناً.

هدأت قليلاً، ثم تابعت القول: أنت كل ما لدي، أخشى أن أخسرك فأخسر كل شيء.

- يا عزيزتي: لم كل هذا الشعور السلبي المقيت. إذا وافاني أجلي الآن.. فهل ستنتهي حياتك وحياة الأبناء.. كلا، بل لعلّكم ستكونون أسعد حالاً، من هذه المناكفات والمنغصات التي يكتوون بنارها كل حين. ولعلّكم أيضًا ستكونون أوفر غنى، وستنهال عليكم الأرزاق من كل حدب وصوب.

غاب فترة ثمّ عاد.

- هذه هدية متواضعة، أرجو أن تقبليها منّي.

- منذ متى وأنت لا تتذكرني حتى بشيء بسيط؟

- معذرة لعلّه ضيق ذات الوقت، وضيق ذات اليد، لكن لا تعتادي الأمر، فكلّما دبّ نزاع أو خلاف، توقعت هدية.

- بل سأعتاده، فهذا قدري معك، وربما قدرك معي.

وأخيراً.. جاء دوري في الحديث، فقلت بنبرة حازمة حاسمة تنهي هذا الخلاف: أين قدح القهوة اللذيذة التي اعتدت احتسائها عندكم؟ لم أعهدكما بخيلين، وبخاصّة وأنا أرى الهدايا تتلألأ الآن أمام ناظري.

كاتب وأكاديمي في جامعة القاهرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

رائع جدا دكتور ناصر

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وأكاديمي في جامعة القاهرة