فخ السيولة القاتلة: استعارة الضفدع وفلسفة عبور الاعتياد

ليست أخطر التحولات تلك التي تصل إلينا على هيئة صدمة، ولا تلك التي تعلن عن نفسها بوضوح، فتمنحنا فرصة لأن نقول: لقد تغير كل شيء، وأن نبحث عن موضع نقف فيه خارج التحول كي نتأمله ونقاومه، وإنما قد يكون أخطرها ذلك التحول الذي يدخل حياتنا من باب التفاصيل الصغيرة، ويتسلل إلينا من دون أن يطلب الإذن، فيغير درجة الأشياء قليلًا ثم قليلًا، حتى نكتشف، بعد زمن طويل، أننا لم نعد في المكان الذي كنا فيه، وأن المسافة التي تفصلنا عن البداية أصبحت أكبر من أن نستطيع قطعها في قفزة واحدة.

استعارة الضفدع والتحول المتدرج

من هنا تأتي استعارة الضفدع والماء الذي يسخن تدريجيًا، وهي استعارة لا ينبغي التعامل معها بوصفها وصفًا علميًا دقيقًا لسلوك الضفدع، بقدر ما ينبغي قراءتها بوصفها صورة فلسفية عن الإنسان حين يعيش داخل تغير متدرج لا يمنحه لحظة واضحة للاعتراض.

في الحكاية، يدخل الضفدع ماءً باردًا أو معتدلًا، فلا يرى في الماء خطرًا، بل يجد فيه بيئة ملائمة، ثم تبدأ الحرارة بالارتفاع شيئًا فشيئًا؛ لا يحدث انقلاب مفاجئ، ولا تأتي لحظة تقول له إن حياته انتقلت من الأمان إلى الخطر، ولذلك يستمر في التكيف، وكلما تغيرت درجة الماء تغير معها جسده واستجابته، إلى أن تصبح الحرارة قاتلة، وحين تأتي لحظة الرغبة في الخروج تكون القوى التي يحتاج إليها للخروج قد استُنزفت.

إن القيمة الفلسفية للاستعارة لا تكمن في الضفدع وحده، بل في السؤال الذي تضعه أمام الإنسان: ماذا لو كان الإنسان قادرًا على التكيف مع الخطر إلى درجة يفقد معها القدرة على مقاومته؟ هنا تبدأ فلسفة العبور.

فالإنسان كائن عابر بطبيعته؛ يعبر من الطفولة إلى الشباب، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن المكان إلى المكان، ومن نظام سياسي إلى آخر، ومن معنى إلى معنى، ومن هوية إلى هوية، ومن عالم قديم إلى عالم جديد. غير أن العبور ليس دائمًا حركة نحو الأفضل، وليس كل انتقال خلاصًا، وليس كل قدرة على التكيف فضيلة. فقد يعبر الإنسان أحيانًا نحو وضع أسوأ، لكنه لا يشعر بأنـه عبر إليه، لأن العبور لم يحدث في لحظة واحدة، وإنما حدث عبر سلسلة من التغيرات الصغيرة التي جعلت كل خطوة تبدو قابلة للتحمل. وهنا تصبح السيولة أكثر تعقيدًا من مجرد الحركة.

فالسيولة تمنح الموجود قدرة على التكيف، لكنها قد تحمل في داخلها مفارقة خطيرة: الكائن الذي يستطيع أن يتكيف مع كل شيء قد يفقد في لحظة ما القدرة على معرفة ما الذي ينبغي ألا يتكيف معه.

إن التكيف في ذاته ليس شرًا؛ إنه أحد شروط البقاء، بل إن الكائن الذي لا يستطيع التكيف مع العالم محكوم عليه بالانكسار. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التكيف من وسيلة للبقاء إلى وسيلة لقبول ما يهدد البقاء نفسه. عندها تتحول السيولة من قدرة على العبور إلى قدرة على الاحتمال، ومن قدرة على الحركة إلى قدرة على البقاء داخل المكان الخطأ. وهنا يمكن أن نطلق على هذه الحالة اسم «السيولة القاتلة».

السيولة القاتلة هي أن يصبح الإنسان مرنًا أمام ما كان ينبغي أن يقاومه، وأن يصبح قادرًا على احتمال ما كان ينبغي أن يرفضه، وأن يتحول نجاحه في التكيف إلى سبب لفشله في التغيير.

فالإنسان قد يتكيف مع الاستبداد حتى يصبح الاستبداد جزءًا من يومه، ويتكيف مع الفساد حتى يتوقف عن رؤيته بوصفه فسادًا، ويتكيف مع العنف حتى يصبح العنف لغة عادية، ويتكيف مع الخوف حتى يصبح الخوف جزءًا من تعريفه للأمان، ويتكيف مع انهيار المعايير حتى يتوقف عن السؤال عن المعايير نفسها. وهنا لا يعود السؤال: متى بدأ الانهيار؟

بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: متى أصبح الانهيار عاديًا؟ وهذا هو جوهر استعارة الماء الساخن. فالخطر الأكبر ليس بالضرورة أن ترتفع درجة الحرارة، وإنما أن ترتفع من دون أن نمتلك معيارًا داخليًا ثابتًا نكتشف بواسطته أن الماء تجاوز الحد الذي يمكن احتماله. إن الإنسان لا يعيش داخل الواقع فقط؛ إنه يعيش أيضًا داخل تفسيره للواقع. ولذلك فإن تغير الواقع لا يكفي وحده لصناعة الكارثة، وإنما ينبغي أن يتغير معه إحساس الإنسان بما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، وما هو مقبول وما هو مرفوض، وما هو مؤقت وما هو دائم. وعندما يتغير معيار الإدراك ببطء، يصبح الإنسان قادرًا على العيش داخل أوضاع كان سيرفضها لو واجهها دفعة واحدة.

وهنا تظهر العلاقة العميقة بين السيولة والتعدد. فالحياة ليست حالة واحدة، وإنما تعدد مستمر من الحالات. البارد لا ينتقل إلى الساخن بقفزة ضرورية، وإنما توجد بينهما درجات لا نهائية تقريبًا، وكل درجة تبدو مستقلة في لحظتها، لكنها في الوقت نفسه جزء من مسار أكبر. وهذا يعني أن التعدد ليس مجرد وجود أشياء كثيرة، وإنما هو وجود حالات تتوالد من بعضها، بحيث تحمل كل حالة أثر الحالة السابقة وإمكان الحالة اللاحقة. ومن هنا يمكن لفلسفة العبور أن تعيد النظر في معنى «الحالة». فالحالة ليست سجنًا مغلقًا، وإنما هي محطة في حركة مستمرة، لكن المشكلة أن المحطة قد تتحول إلى إقامة، والإقامة قد تتحول إلى اعتياد، والاعتياد قد يتحول إلى تطبيع، والتطبيع قد يؤدي في النهاية إلى فقدان القدرة على رؤية أن شيئًا ما قد تغير.

وهكذا يمكن أن نرسم مسارًا فلسفيًا بالغ الأهمية: (السيولة - الاعتياد - التطبيع - فقدان الحساسية - استنزاف القدرة - العجز عن العبور).

في البداية نحن نعبر، ثم نعتاد على العبور، ثم ننسى أننا نعبر، ثم نعتقد أننا وصلنا إلى مكان طبيعي، ثم نكتشف أن المكان الذي ظنناه إقامة مؤقتة أصبح عالمنا الوحيد. وهنا يولد مفهوم «عبور الاعتياد».

فلسفة الاعتياد وخطورة التطبيع

عبور الاعتياد ليس أن يتغير الإنسان فحسب، وإنما أن يتغير من دون أن يلاحظ تغيره، وأن تنتقل الجماعة من وضع إلى آخر من خلال سلسلة من التحولات الصغيرة التي لا تبدو كل واحدة منها كافية لإثارة المقاومة، بينما يصنع مجموعها عالمًا جديدًا بالكامل.

وهذا ما يجعل الاعتياد قوة فلسفية واجتماعية شديدة الخطورة؛ لأنه لا يقمع الإنسان بالقوة دائمًا، بل قد يغير حساسيته تجاه الأشياء حتى يصبح ما كان يستفزه بالأمس غير جدير بالانتباه اليوم.

إن الاستبداد، مثلًا، لا يحتاج دائمًا إلى أن يظهر في أقصى صوره منذ البداية؛ فقد يبدأ بتقييد صغير، ثم استثناء، ثم تبرير، ثم عادة، ثم قانون، ثم ثقافة، ثم يتحول إلى جزء من البنية التي لا يتخيل الإنسان حياته خارجها. والفساد قد يبدأ بمجاملة صغيرة، والعنف بكلمة، والكراهية بصورة نمطية، والتطرف باستثناء، وإلغاء الآخر بتعبير يبدو عابرًا، ثم تتحول هذه الجزئيات إلى منظومة كاملة.

لهذا فإن الكارثة لا تبدأ دائمًا عندما يصبح الشيء كبيرًا، وإنما قد تبدأ عندما نفقد القدرة على الشعور بصغره المتكرر. وهنا يصبح السؤال الأخلاقي في فلسفة العبور هو: أين توجد العتبة؟ فالعتبة هي اللحظة التي ينبغي عندها أن يتوقف التكيف ويبدأ الرفض، وأن تتحول السيولة من مرونة إلى موقف، وأن يدرك الإنسان أن الاستمرار في الحركة داخل الاتجاه نفسه ليس عبورًا بالضرورة، بل قد يكون اقترابًا من الهاوية. وهذه الفكرة تعيد تعريف المقاومة.

فالمقاومة ليست دائمًا مواجهة العاصفة بعد أن تصبح إعصارًا؛ قد تكون القدرة على إدراك تغير الهواء قبل أن يصبح عاصفة. وليست الحكمة أن ننتظر اللحظة التي يصبح فيها الخروج مستحيلًا، وإنما أن نعرف متى يتحول الاحتمال من فضيلة إلى مشاركة في الخطر. لذلك فإن فلسفة العبور لا ينبغي أن تسأل الإنسان فقط: كيف تعبر؟ بل عليها أن تسأله سؤالًا أكثر صعوبة: ماذا لو كنت تعبر في الاتجاه الخطأ؟ ثم سؤالًا أصعب: متى تعرف أنك تجاوزت العتبة؟ ثم السؤال الأكثر قسوة: هل ما زالت لديك القوة التي تسمح لك بالعودة؟

في استعارة الضفدع، إذن، لا تكمن المأساة في الماء الساخن وحده، وإنما في العلاقة بين الحرارة والزمن والتكيف والقوة والإدراك. فلو جاءت الحرارة فجأة، لكان الخطر واضحًا، ولو بقيت القوة كاملة، لأمكن الخروج، ولو ظل الإدراك يقظًا، لأمكن اتخاذ القرار قبل فوات الأوان. أما عندما يتضافر التغير التدريجي مع الاعتياد واستنزاف القوة، فإن الإنسان لا يموت بالضرورة لأنه لم ير الخطر، بل لأنه رأى أجزاءه الصغيرة ولم ير صورتها الكاملة.

وهذا هو أحد أعمق دروس السيولة: أن الحركة المستمرة لا تعني بالضرورة أننا نملك السيطرة على اتجاه الحركة. قد نكون سائلين أكثر مما ينبغي، متكيفين أكثر مما ينبغي، قادرين على احتمال أشياء أكثر مما ينبغي، حتى تصبح قدرتنا على الاحتمال نفسها مشكلة أخلاقية.

ولذلك فإن الإنسان يحتاج، داخل عالم متغير، إلى شيء آخر غير القدرة على التكيف؛ يحتاج إلى حدود داخلية، إلى عتبات، إلى قيم يستطيع بواسطتها أن يقول: هنا أتوقف، هنا أرفض، هنا لا أستطيع أن أواصل العبور بالطريقة نفسها.

فالسيولة بلا معيار قد تتحول إلى ذوبان، والتعدد بلا مركز أخلاقي قد تتحول إلى تشتت، والعبور بلا وعي بالاتجاه قد يتحول إلى ضياع. ومن هنا يمكن أن تُصاغ إحدى شذرات فلسفة العبور: أخطر العبور ليس الذي نشعر به ونحن نعبر، بل الذي لا نكتشف أننا عبرناه إلا بعد أن نفقد القدرة على العودة.

وربما تكون الحكمة الأهم في استعارة الضفدع أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون أقوى من الماء؛ أحيانًا يحتاج فقط إلى أن يعرف متى لم يعد الماء ماءً يصلح للبقاء.

حدود التكيف ومعيار الوعي

فالمشكلة ليست في أن العالم يتغير؛ العالم لا يفعل غير ذلك. والمشكلة ليست في أن الإنسان يتكيف؛ لولا التكيف لما بقي. المشكلة تبدأ عندما يصبح التكيف أسرع من الوعي، وعندما يصبح الاعتياد أقوى من الذاكرة، وعندما تصبح السيولة أقوى من القدرة على قول «لا». وعندها لا يعود العبور انتقالًا من مكان إلى مكان، وإنما يصبح انتقالًا صامتًا في معنى الإنسان نفسه.

وهنا، بالضبط، تبدأ فلسفة العبور في اكتشاف مهم: ليست كل قدرة على البقاء انتصارًا، وليس كل خروج هروبًا، وليس كل تكيف حكمة؛ فقد يكون أعظم فعل عبور هو أن تعرف اللحظة التي يجب أن تقف فيها، وتقول: لن أتكيف مع هذا أكثر.

يمكن لاحقًا تحويل هذه المقالة إلى فصل تأسيسي بعنوان «عبور الاعتياد: حين تصبح السيولة فخًا» داخل مشروع فلسفة العبور، وربطه مباشرةً بالاستبداد والحداثة والدين والمجتمع والهوية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة