تُعد السينما (Cinema) مرآة للإنسان وواقع الحياة التي يعيشها، ففن السينما يحوِّل المشاعر والخيال إلى صورة بصرية فنية مبهرة، ويعكس مدى حاجة الإنسان لرؤية الواقع والمشاعر والثقافات بطريقة تلامسه وتخاطب مشاعره وأفكاره. وللسينما دور كبير في تشكيل الوعي المجتمعي، والتأثير في مختلف جوانب الحياة؛ فليست مجرد مجال للترفيه أو نقل الثقافات والعادات والتحديات فقط، بل هي أداة مؤثرة، وفن قائم على المشاعر والصدق الفني والخيال الملموس الذي يروي ما لا تستطيع الكلمات قوله.
وهنا في اليمن، تحاول السينما اليمنية العبور من حدود المستحيل إلى الحقيقة، وعلى الرغم من محدودية الإمكانيات والظروف الصعبة التي يعيشها اليمن منذ عقود، استطاعت أن تخترق جدران العزلة، وتجد طريقها نحو المهرجانات العربية والدولية، في محاولة لتقديم قصص إنسانية مؤثرة، تُعبر عن مجتمع يعيش بين الأمل والوجع، من خلال تجارب متعددة تكشف عمق التجربة اليمنية في عيون مبدعيها.
الرواد الأوائل: كسر حاجز العزلة والبدء بالتدوين
نجحت جهود مستقلة لمبدعين تحدوا واقع الحياة بصبر، ومحاولات تحمَّلت مشقة الوصول رغم الصعوبات السياسية والاقتصادية التي تمر بها اليمن. ومن هنا تمكَّنت السينما اليمنية من تحقيق حضور مشرِّف في المهرجانات العربية والعالمية خلال العقدين الماضيين. إن هذه الأفلام لم تنقل فقط معاناة الإنسان اليمني، بل قدَّمت رؤى إنسانية مميزة جذبت اهتمام النقاد وصُناع السينما في العالم.
المخرج بدر بن حرسي: أول فيلم روائي طويل يصل كان
سأذكر على رأس الرواد المخرج بدر بن حرسي، وهو من أوائل المخرجين الذين حوَّلوا المشاعر الواقعية للإنسان اليمني ومجمل التحديات والصعوبات التي يعيشها إلى صور فنية لامست قلوب المشاهدين. فقد حقق المخرج نقلة نوعية في تشكيل السينما اليمنية وإخراجها من العزلة والصمت الى آفاق عربية وعالمية.

«يوم جديد في صنعاء القديمة» (2005): يُعد هذا الفيلم أول فيلم روائي طويل يُنتج في اليمن بعد عقود من التوقف. حصد جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وجائزة الجمهور (الخنجر الذهبي) في مهرجان مسقط السينمائي في سلطنة عمان، وعُرض في مهرجان كان السينمائي بفرنسا، ليصبح أول فيلم يمني يُعرض في هذا المحفل العالمي.
المخرجة خديجة السلامي: الصوت النسائي الأول على الساحة الدولية
تُعد المخرجة خديجة السلامي من أوائل الأصوات النسائية التي مثَّلت اليمن في السينما العالمية.

-
«أنا نجود بنت العاشرة ومطلقة» (2014): هذا الفيلم الروائي مستوحى من قصة حقيقية لفتاة يمنية صغيرة أُجبرت على الزواج. هذا الفيلم لم يكن مجرد عمل فني، بل شهادة على واقع مؤلم تعيشه كثير من الفتيات في اليمن. فاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم روائي (جائزة المهر) في مهرجان دبي السينمائي الدولي، ومثَّل اليمن رسميًا في جوائز الأوسكار لعام 2015 عن فئة أفضل فيلم أجنبي.
-
أفلام وثائقية سابقة: نالت خديجة جوائز عن أفلامها الوثائقية مثل «أمينة» (2006) الذي تناول قصة فتاة يمنية تواجه العنف الأسري، و«امرأة غريبة في مدينتها» الذي فاز بجائزة الشباب في مهرجان ويسول الفرنسي عام 2006.
تكللت جهود خديجة السلامي المستمرة في نقل واقع مؤلم من خلال جميع أفلامها المقدمة، إذ تُعد من أكثر المخرجين السينمائيين اليمنيين نجاحًا في الساحة اليمنية.
جيل المقاومة: شباب يحمل الكاميرا كأداة للمقاومة
أما في الجيل الجديد، فقد قدمت المخرجة سارة إسحاق تجربة مغايرة من خلال أفلامها الوثائقية التي رصدت الثورة اليمنية والمرأة والهوية.

-
«ليس للكرامة جدران» (2012): كان أول فيلم وثائقي قصير يمني يصل إلى ترشيحات جوائز الأوسكار عن فئة الفيلم الوثائقي القصير، بعد أن فاز بعدة جوائز دولية مثل أفضل فيلم قصير في مهرجان الجزيرة الوثائقي، وجائزة الأمم المتحدة للأفلام الوثائقية.
-
«بيت التوت» (2013): وهو فيلم وثائقي شخصي يجمع بين الذاكرة والمنفى، عُرض في مهرجان IDFA الهولندي للأفلام الوثائقية.
تواصل السينما اليمنية إنتاجها رغم الحرب، بجهود شبابية مستقلة ومحدودة التمويل. وتحديدًا في السنوات الأخيرة، لمع اسم المخرج أسامة خالد بفيلمه القصير «الخوذة» (2017) الذي فاز بجائزة ريشة الكرامة لأفضل فيلم قصير في مهرجان كرامة لأفلام حقوق الإنسان بالأردن.
عمرو جمال: الريادة الحديثة في الأفلام الروائية
-
«عشرة أيام قبل الزفة»: يُعد أحد أنجح الأفلام اليمنية الحديثة، فقد تناول قصة حب تدور في ظل آثار الحرب بعدن. حاز على جائزة الجمهور في مهرجان عمان السينمائي، وجائزة أفضل سيناريو في مهرجان الدار البيضاء للسينما العربية.

-
«المرهقون» (2023): إخراج عمرو جمال، ويُعد من أكثر الأفلام اليمنية تتويجًا على الصعيد العالمي. فاز بجائزة لجنة تحكيم منظمة العفو الدولية في مهرجان برلين السينمائي الدولي، وشارك في مهرجانات عالمية مثل شيكاغو وسيدني وبكين.
أفلام حديثة تعزز الحضور الدولي
-
«سطل» (2023): إخراج عادل الحيمي، وهو فيلم وثائقي قصير سلَّط الضوء على أزمة المياه في اليمن. فاز بجائزة أفضل إخراج للأفلام القصيرة في مهرجان الدار البيضاء السينمائي العربي 2024.
-
«فريحة» (2024): للمخرج بدر يوسف، فاز بجائزة التانيت الفضي لأفضل فيلم وثائقي قصير في مهرجان قرطاج السينمائي الدولي في تونس، ما مثَّل خطوة جديدة للسينما اليمنية نحو تثبيت حضورها.
-
«لن أغادرها» (2024): إخراج علوي أحمد السقاف، نال جائزة أفضل فيلم وثائقي قصير في مهرجان بغداد السينمائي الدولي 2025.

-
«يلا نلعب عسكرة»: للمخرجة مريم الذبحاني، فاز بجائزة فاينال كت في مهرجان البندقية السينمائي ضمن برنامج دعم المشروعات العربية والإفريقية.
على الرغم من قلة الإنتاج والدعم، فإن الأفلام اليمنية تميزت بجرأتها وصدقها. فهي لا تعتمد على البهرجة التقنية بقدر ما تنقل تفاصيل الحياة اليومية، وتعبر عن أوجاع الناس بواقعية مؤثرة، هذه الخصوصية جعلت النقاد في الغرب يصفونها بأنها «سينما من قلب الألم»، وأنها واحدة من أكثر التجارب الصادقة في العالم العربي.
تؤكد هذه الأعمال أن السينما اليمنية، على الرغم من محدودية الإمكانيات، استطاعت أن تضع بصمتها في المحافل السينمائية العربية والدولية. اليوم، تقف السينما اليمنية على أعتاب مرحلة جديدة، يقودها جيل من الشباب يؤمن بأن الصورة قادرة على أن تغير، وأن الفن يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة في وجه العزلة والدمار.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.