السير الذاتية


تنتاب الإنسان أفكار عديدة منذ أن خلقه الله إلى أن يرث الله الأرض، وهذه الأفكار يمكن تلخيصها كالآتي.

1. الخلود.
2. مقاومة الموت.
3. استرجاع الحياة وتأملها عند اقتراب الأجل.

وللخلود بريق خاص لدى الإنسان منذ أن خلق الله آدم، فإغواء الشيطان له لم يكن إلا عن طريق الخلود، وفي عصرنا هذا يخلد الإنسان اسمه بطرق كثيرة أهمها أولاد يذكرون الناس به؛ ليكونوا امتدادا له، ولكن الصفوة لهم طرق أخرى في إدراك ذلك الخلود.

الخلود عند الصفوة

الصفوة في أي مجتمع هم الأدباء والفنانين، والمخترعين، والمفكرين، الذين يمتلكون التفكير السديد ويحبون أن يخلدهم التاريخ فمنهم من يكتب سيرته الذاتية، ومنهم من يحكي قصة حياته، ومنهم من يكتفي بما قدَّم للبشرية، ومنهم من يصور قصَّة حياته متلفزة، والبعض من أولئك من يكتب جزءا من سيرته، والبعض يستعين بمن يكتب سيرته، وهنا في ذلك المقال سنرى الأدباء وسيرهم الذاتية، فهم أهل الكلام وأهل الإحساس المرهف.

السير الذاتية لدى الأدباء

في أدبنا العربي يمكن اعتبار كتابة السيرة الذاتية لونًا أدبيًا، ففيه يبحث الأديب عن أن يذكره الناس بعد موته، وهذا اللون الأدبي غربيا بامتياز، ومن أشهر من كتب سيرته الذاتية الشرق عميد الأدب العربي طه حسين في رائعته "الأيام"، وهي قصَّة ملهمة انتصر فيها طه حسين بالمعرفة على الجهالة والفقر، حتى صار أيقونة من أيقونات الأدب والفكر في العالم العربي بل في العالم أجمع.

وكذلك كتب العقاد سيرته الذاتية من خلاك كتاب "أنا" وأيضا الفيلسوف زكي نجيب محمود من خلال "حصاد السنين وقصة نفس"، وأحمد أمين من خلال كتاب "حياتي"، وغير هؤلاء الكثير الذين أثروا المكتبة العربية بذلك الفن الرائع من الأدب الجيد الذي يجمع خبرة حياتية وجودة في محتوى تلك السير الذاتية.

الفرق بين كتاب الشرق والغرب في كتابة السير الذاتية

1. في الغرب يوجد حرية مطلقة وانتشار ذلك اللون الأدبي، إذ لا يوجد رقيب على الفنان إلا ضميره، مما يجعل السير الذاتية لأدباء الغرب مرآة عاكسة لكل حياة الأديب، فلا يخجل من شيء فتلك المجتمعات كل شيء فيها متاح ومباح، فمن لم يعجبه الأمر توجه للقضاء وهو يفصل بين الفرقاء، والسير الذاتية لدى أدباء الغرب أشبه بالاعتراف أمام الكاهن في القيمة الأصيلة فيها هي الصدق والوضوح.

2. وفي الشرق السير الذاتية لأدبائه لها حدود أخلاقية، فلا يستطيع ذكر كل شيء عن نفسه، ولكن قد يجد حلاً في رواية أو قصة يكون نفسه هو بطلها، كما فعل العقاد في قصة سارة، أو كما فعل المازني في إبراهيم الكاتب وإبراهيم الثاني، وكما فعل الحكيم في عصفور من الشرق، وكما يفعل كثير من الكتاب والأدباء.

أدب السير الذاتية والتراجم متحيز للرجل:

في الشرق ومجتمعاتنا المحافظة المغلقة لا تستطيع النساء العيش إلا في إطار تقاليد وعادات المجتمع، وإلا اعتبرت خارجة عن إطار ذلك المجتمع، ويُعدّ لون السير الذاتية ذكورياً أكثر في المجتمعات الشرقية، إذ إن مساحة البوح لدى الأدبيات قليل عن الأدباء الرجال ومن أشهر السير الذاتية للنساء مذكرات هدى شعراوي، فهي تتكلم عن الحرية وسعيها للحرية في ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر ومذكرات لطيفة الزيات بعنوان "أوراق شخصية"، ومذكرات نوال السعداوي التي كان فيها شجاعة وصراحة غير معتادة لدى الأغلبية من محبي الأدب وتُعدّ استثناء لا يمثل العامة.

لماذا يحب الكثيرون أدب السيرة الذاتية؟

يحب الناس أدب السيرة الذاتية نظرًا لسهولة الفهم لقصص السير الذاتية وبساطتها يحبها الناس عموما ويطلق عليها "اوتوبيوجرافيا autobiographia" فهي طابعة للحياة وكثير من السير أشبه بالحكايات والسرد عامل هام في تكوين تلك السير وهي تحكي الماضي دائما، وهي تأريخ لحياة الكاتب أو لجزء منها.

تاريخ السير في الأدب العربي

ظهرت من الأدب الجاهلي مرورًا بالعصر الإسلامي مثال سيرة ابن إسحاق، والمنقذ من الضلال للأمام الغزالي، ثم تطورت إلى التراجم ثم ما أصبحت عليه اليوم.

أهم السير الذاتية المعاصرة

من وجهة نظري إن أهم سير ذلك العصر سيرة المفكر الدكتور مصطفى محمود لأنه جعل لحياته معنى وهدف، فلقد امتدت حياته بعد موته بعد أن ترك آثارًا عظيمة من علم وأعمال خيرية، وكأن حياته امتدت في حياة الكثيرين المستفيدين من ذلك الإرث العلمي والخيري.

بقلم الكاتب


Mostafa Mahfouz Rashwan بكالوريوس علوم قسم كيمياء جامعة أسيوط أهوى الكتابة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Mostafa Mahfouz Rashwan بكالوريوس علوم قسم كيمياء جامعة أسيوط أهوى الكتابة