السياسي والرواية.. شغف بالكتابة أم هوس البقاء تحت الأضواء؟

كثيرون هم السياسيون الذين مزجوا في مسارهم بين الممارسة العملية للسياسة والكتابة الإبداعية الأدبية، وعلى الرغم أن بعضنا ينظر إلى عالم السياسة على نحو منعزل عن الكتابة الأدبية، كأن الرابط بينهما منعدم.

وتكرس انطباع أن من ولج السياسة يظل محكومًا بصرعاتها طيلة حياته، أو عندما نقلب الوضع، أي حين يخترق كاتب عالم السياسة، ليتقلد منصبًا ذا بعد سياسي، يفقد وهجه وعطاءه في مجال الأدب، ويخفت بريقه، مع استحضار بعض الاستثناءات طبعًا؛ نظرًا لما يحمله عالم السياسة من صراعات نتيجة القرارات والآراء السياسية المعبر عنها التي لا تروق للجميع، فيُلقى على جبينه آثار ذلك، ما يؤثر في مصداقيته وحضوره بين جمهور القراء الذي يتضاءل بفعل المعارك السياسية.

لكن النموذج السائد -وهو موضوع مقالنا هذا- هو عندما يتحول السياسي إلى روائي، فهذه الوضعية المتحولة دائمًا ما كانت تثير تساؤلات عدة، وعلى رأسها الدافع الذي يؤدي بالسياسي إلى اختراق عالم الأدب.

فالأمر لا يعني أن مجال الأدب محصور بفئة دون أخرى، أو أنه يفرض وصايته، لكن السؤال الذي يلوح في الأفق، ما الذي يمكن أن يضيفه السياسي إلى الرواية؟ وما الذي سيرويه؟ هل هي محاولة أخرى للبوح بعيدًا عن الإعلام السياسي أم وسيلة للبقاء تحت الأضواء واستقطاب الفضوليين الذين تثيرهم القصص المغلفة والكلمات المبهمة؟ لكن قبل الحديث عن العلاقة بين السياسي والأدب، يجب بداية توضيح نقاط التداخل بين مجال السياسة والأدب، وحجم التأثير المتبادل بينهما.

الأدب والسياسة.. التداخل والتأثير

يتأثر الأدب كثيرًا بالسياسة وذلك بعدّ الروايات والكتب الفكرية لا تنعزل عن محيطها، بل هي أداة لنقل المعاناة التي يخلفها مجال السياسة، فلا تنحصر الرواية في بسط قصص الحب والعشق أو الخيال فقط، بل تصبح وسيلة للتأثير واحتضان هموم المجتمع، وعلى رأسها المشكلات السياسية المرتبطة بتراجع الديمقراطية، وانحرافات السلطة؛ لذا تمثل الرواية مدخل انفتاح على هذه الإشكالات ونقلها بأسلوب يتسم بالحبكة، ويشُد اهتمام القارئ؛ ليتكون لدى هذا الأخير حسٌ من المسؤولية اتجاه مجال السياسة.

 يتساءل البعض: لماذا هذا الإقبال على إقحام البعد السياسي في الرواية؟ والجواب، هو أن الراوية أكثر أمنا وحرية -في الأقل نسبيًا- من المقالات الأكاديمية التي تثقل بشروط الموضوعية والابتعاد عن حِكم قيمة.

أما المقالات الصحفية؛ أي مقالات الرأي فقد أصبحت مثل حقل الألغام، إذ يسهل كثيرًا إثارة مسؤولية الصحفي نظرًا للقيود التي تفرضها قوانين الصحافة والنشر، فلا يجد الكاتب السياسي الناقد متنفسًا آخر غير الرواية، فهذه الأخيرة تكون أوسع انتشارًا واستهدافًا للعامة أكثر من المقالات الأكاديمية أو الصحفية التي تبقى حبيسة المختصين في العلوم السياسية.

لكن هذا لا يعني أن الروايات ذات الوظيفة السياسية لا تطالها القيود، بل يمكن أن يطالها كذلك الحظر، وأشهرها رواية جورج أوريل 1984، التي منعت في عدة دول نتيجة انتقادها الأنظمة السياسية.

ومن الروايات العربية التي تناولت البعد السياسي في مضمونها نجد (ثرثرة فوق النيل) لنجيب محفوظ الصادرة سنة 1966، وقد جسد فيها حال المجتمع المصري، عبر شخصيات غارقة في التلذذ بالممنوعات، راغبة في الانفصال عن الواقع، ساخطة على وضع الدولة، والمجتمع المصري آنذاك.

رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ

ونمط أسلوب الترميز الأداة الجوهرية للتعبير عن معاناتهم على مستويات؛ سياسية واجتماعية ومادية، لكن لم تمر هذه الرواية مرور الكرام، بل نالت حظًا وافرًا من النقد سواء من الكُتاب أم السياسيين الذين طالبوا الرئيس جمال عبد الناصر بمنع الرواية، ويروى أن الرواية أغضبت المشير عبد الحكيم عامر، وظن أنها تمسه شخصيًا، فهدّد عبد الحكيم بالقبض على نجيب محفوظ، لكن جمال عبد الناصر أوقفه قائلًا: «إحنا عندنا كام محفوظ يا حكيم؟» .

ورغم وجود شكوك متعلقة بصحة هذا الحديث الذي دار بين عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر، لكن لا يمكن الاختلاف على الجدل الذي أثارته هذه الراوية داخل الأوساط السياسية، غير أن هذا التضييق ليس إلا ترجمة للدور الجوهري الذي تمثله الرواية.

على النهج نفسه مثلت رواية (الراقصة والسياسي) للكاتب إحسان عبد القدوس امتدادًا للدور السياسي للرواية، إذ جسدت شخوصها وأحداثها دلالة واضحة على الظلم والاستبداد والتآمر والجانب غير الأخلاقي في حياة السياسيين، وجرى تحويل الروايات سابقة الذكر إلى أفلام سينمائية؛ ليزداد حجم التفاعل المجتمعي معها.

رواية الراقصة والسياسي لإحسان عبد القدوس

وعمومًا يتضح أن الكتابة الإبداعية تؤدي دورًا سياسيًا يتجاوز دور المتعة اللحظية في تخيل الأشخاص، بل قد يصل إلى التنبؤ بالأحداث السياسية.

الأدب والسياسة عنصران متداخلان، فكثيرًا ما كان للكُتاب مواقف اتجاه الأنظمة السياسية، وطريقة تدبير الدولة، وجسدوا في روايتهم الواقع السياسي، وإن كان ذلك بأسلوب غير مباشر، وكانوا ناجحين في التوفيق بين السياسة والأدب.

ودليل ذلك الجدل والمنع، والتهديد بالسجن الذي كان يطال هؤلاء الكتاب، لكن ماذا إن حدث العكس؟ أي حين يقتحم السياسي عالم الأدب هل يحقق النجاح والتأثير نفسهما أم لا يعدو الأمر سوى بحثٍ عن وهج زائف؟

الروائي السياسي وسؤال الرسالة

يجد الكاتب الذي خَبر عالم السياسة في كتابة الرواية حرية أكثر، وقابلية للبوح والتعبير عما يختلج صدره، من كلمات وأسرار صدها سنين تحت ذريعة الولاء السياسي والحزبي، وتمنحه الرواية أيضًا ذراعًا واقيًا اتجاه منافسيه الذين يتربصون هفواته في الخرجات الإعلامية الرسمية، فيكون أكثر أمانًا وانفتاحًا عندما يلج عالم الرواية، ويُلبس الشخصيات والأحداث لبوسًا هو الوحيد المدرك لمن يمثلها فعلًا في الواقع، ليكون عبء التخمين على القارئ، وعبء المسؤولية على الكاتب.

يمثل الترميز كنه العمل الروائي-السياسي، وأداة جوهرية للتعبير بكل أريحية وبأقل الخسائر، على الرغم من أن الرهان الأكبر يبقى على عاتق القارئ لفك شيفرة هذا الترميز، وتحليل خفاياه.

يرى القُراء في هذا النوع من الروايات وجهًا آخر للسياسي، بعيدًا عن لغة الخشب والكلمات الرسمية المختارة بعناية، فتُبرز تلك المخاوف المكتومة والجانب المخفي من عالم السياسة.

فكل هذه العناصر تصنع فضولًا لدى القارئ، وتحرك لديه الرغبة في معرفة ما سيبوح به السياسي عندما يتقمص دور الروائي، فهل ينجح في هذا الدور؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب معرفة الهدف من وراء الكتابة بالأساس.

فإذا كان الهدف هو الرد على الخصوم وتصفية الحسابات، فيكفي أن يصدر العمل الأول، ثم الثاني، حتى تنتهي كل الأسرار، وتنكشف دوافع الكتابة، وفي الغالب هذا الصنف لا يُعمر طويلًا، وسرعان ما يأفُل نجمه بانقضاء الأسرار المفترضة، بعد أن تجمعت حوله حشود الصحافيين والفضوليين الذين يترقبون في كل حفل توقيع كتاب أن يبوح بسر ما؛ ليكتبوا على واجهة المجلة (حصري ولأول مرة يبوح فلان عن خفايا كذا)، أو (رواية جديدة عن أسرار السياسة وفضائح كذا، سارعوا إلى القراءة قبل النفاد)، فيتحول المنتج الأدبي إلى أداة للتسويق والحروب السياسية.

أما القراء-إذ لم يكونوا ذوي نفس طويل- سينفرون بسرعة، ومرد هذه الحالة بالأساس هو (غياب الرسالة)، فالرسالة هي تلك الشعلة التي توقد في الكاتب ملكة الكتابة والرغبة في الاستمرار، لا يهمه القارئ، ولا الرأي العام، ولا شقشقات الكاميرات في معارض الكتب، ولا تجمهر الناس حوله، ولا امتيازات دار النشر وعدد النسخ المباعة، بل يكون الدافع أكبر من الربح المادي، وأكبر من السياسة ومعاركها غير المنتهية، إنها الرسالة، هي ما تجعل الكاتب يستمر ولو اطلع على عمله شخص واحد.

عندما تكون الرسالة حاضرة يكون الاستمرار والنجاح نهاية حتمية، والمقصود بالرسالة تلك المسؤولية التي يحملها الكاتب إزاء المجتمع، ويسعى بعمله الأدبي إلى إماطة اللثام عن القضايا السياسية والاجتماعية، منها المرتبط بحرية التعبير والمساواة وغيرها من الحقوق التي تنحصر بفعل الديكتاتورية، فتؤدي حينها الرواية وظيفة مزدوجة: التثقيف والتأثير.

واختراق السياسي للكتابة الإبداعية عمومًا يبقى أمرًا إيجابيًا إذ كان الهدف منه التنبيه إلى القضايا السياسية، وخلق نقاش متعلق بجوانب مخفية في عالم السياسة، على الرغْم من ما قد يخلق من حظر أو منع نشر بعض الأعمال الأدبية أو إقحام مزيد من الرقابة في مجال الأدب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

دمتي رائعة ومتألقة صديقتي لكي كل التوفيق ولكل كتاب المنصة
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة