السياسة والمجتمع

السياسة في اللغة اسم من الفعل يسوس بمعنى يقود ويوجه ويتحكم، وهي لفظة عامة تلحق بها عدة ألفاظ للتخصيص، فهي تدخل في كل مجال وكل نشاط إنساني وتنتقل من السياسة العامة للمجتمع إلى السياسة الخاصة لكل فرد ومؤسسة ومجال، فهي الخط العام الذي يحدد سير الأفراد والجماعات والدول.

واصطلاحًا تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وتعرف إجرائيًا حسب هارولد لاسويل عالم الاجتماع الأمريكي بأنها دراسة السلطة التي تحدد من يحصل على ماذا ومتى وكيف. كما أنها تعني دراسة تقسيم الموارد في المجتمع عن طريق السلطة حسب (ديفيد إيستون) عالم السياسة الأمريكي الشهير. وعرفها الشيوعيون بأنها دراسة العلاقات بين الطبقات، وعرف الواقعيون السياسة بأنها فن الممكن أي دراسة وتغيير الواقع السياسي موضوعيًا وليس الخطأ الشائع وهو أن فن الممكن هو الخضوع للواقع السياسي وعدم تغييره بناء على حسابات القوة والمصلحة.

وتعبّر السياسة عن عملية صنع قرارات ملزمة لكل المجتمع، تتناول قيم مادية ومعنوية وترمز لمطالب وضغوط، وتتم عن طريق تحقيق أهداف ضمن خطط أفراد وجماعات ومؤسسات ونخب حسب أيدولوجيا معينة على مستوى محلي أو إقليمي أو دولي.

والسياسة هي علاقة بين حاكم ومحكوم وهي السلطة الأعلى في المجتمعات الإنسانية، حيث السلطة السياسية تعني القدرة على جعل المحكوم يعمل أو لا يعمل أشياء سواء أراد أو لم يرد. وتمتاز بأنها عامة وتحتكر وسائل الإكراه كالجيش والشرطة وتحظى بالشرعية عن طريق اختيار الحاكم أو الساسة من قبل المحكوم بالانتخابات أو بالتفويض أو بالوراثة وهي النظم المتعارف عليها.

ومع أن هذه الكلمة ترتبط بسياسات الدول وأمور الحكومات فإن كلمة سياسة يمكن أن تستخدم أيضًا للدلالة على تسيير أمور أي جماعة وقيادتها، ومعرفة كيفية التوفيق بين التوجهات الإنسانية المختلفة والتفاعلات بين أفراد المجتمع الواحد.

تعرف السياسة أيضا بأنها: "كيفية توزيع القوة والنفوذ ضمن مجتمع ما أو نظام معين". وكذلك تعرف بأنها: "العلاقة بين الحكام والمحكومين أو الدولة وكل ما يتعلق بشؤونها أو السلطة الكبرى في المجتمعات الإنسانية وكل ما يتعلق بظاهرة السلطة".

وختامًا يمكن تعريف الساسة بالمعنى الهدفي بأنها العلم الذي يهدف إلى تقديم السبل والمناهج المختلفة من أجل تدبير شؤون الدولة في الداخل وفي علاقاتها مع الخارج (دول، منظمات وغيرها من أجل تحقيق أهدافها على المدى القصير والمتوسط والطويل الدولة.

أما علوم السياسة فهي دراسة السلوك السياسي وتفحص نواحي وتطبيقات هذه السياسة واستخدام النفوذ، أي القدرة على فرض رغبات شخص ما على الآخرين أو فرض رغبات مجموعة من الأشخاص على رغبات المجتمع ككل أو فرض رغبات ورؤية دول على دول أخرى.

ومن هذا نستطيع أن نستخلص أن السياسة هي المحرك لكل خيوط المجتمع فهي التي ترسم وتخطط الاقتصاد الذي يتحدد من خلاله مستوى دخل الأفراد وجودة معيشتهم، والاقتصاد بدوره يؤثر على طبيعة المعاملات والعلاقات بين أفراد المجتمع من بيع وشراء وأجور ومرتبات ومزايا وتبادل منفعة إلى آخره، وهي بذلك تؤثر على مستوى الأخلاق والقيم في الواقع الملموس وليس العكس كما يعتقد البعض. 

والأخلاق والقيم السائدة تؤثر على استقرار المجتمع ونموه وتقدمه من عدمه.

لذا نجد أنه عندما تكون السياسة جيدة وصالحة ينصلح حال المجتمع ككل وإذا كانت سيئة وفاسدة يفسد حال المجتمع ككل أيضًا اقتصاديا واجتماعيًا وسلوكيًا وتتضارب مصالحه وتختل منظومة الأخلاق والقيم بين أفراده.

قد يسأل سائل أين دور الدين في هذه العملية المعقدة المسماة لعبة السياسة؟ 

ونجيب أن الدين يعمل في طريق عكس السياسة إذ إن الدين يعمل على المنظومة من الأسفل من القاعدة العريضة فالدين في الأساس يعني بالأخلاق والقيم، قيم الحق والعدل والخير والمساواة والاعتدال فالأديان جميعها جاءت لتدل الناس على الخير والصفات الحميدة. 

لذا فهو يبدأ التأثير في الطريق المعاكس صعودا لبناء منظومة أخلاقية تؤثر على العلاقات والمعاملات ومن ثم على الاقتصاد حتى يصل إلى السياسة لهذا دائما ما يطالب الساسة بفصل الدين عن السياسة وفصل السياسة عن الدين لتحقيق رغباتهم ومصالحهم التي قد تتعارض مع قواعد الدين الأخلاقية لكنهم في نفس الوقت يلجؤون للدين ويستشهدون به للتأثير على القاعدة العريضة بالأسفل وفق منظومة أخلاقية مختلفة توافق سياستهم تختلف عن المنظومة الأخلاقية الأساسية للدين فينشأ عن ذلك حالة انفصام مجتمعي وتناقض بين ما نقوله ونؤمن به وما نفعله على أرض الواقع بحكم السياسة العامة المفروضة من أعلى.

وهذا يقودنا إلى سؤال آخر وهو هل يستطيع الأفراد والجماعات اعتناق أفكار وقيم ومبادئ خاصة بهم بمعزل عن السياسة العامة للدولة أو للعالم ككل؟ الإجابة بكل تأكيد لا، وهذا ما دعا أحدهم إلى مقولة الناس على دين ملوكهم فعندما يتعارض ما يؤمن به البعض مع ما تقرره السياسة تحدث الصراعات ويتم الأقصاء ويظهر الاختلاف الذي ربما يؤدي إلى التعسف والإرهاب.

فلا بدّ من التوافق بين ما نريده من دين وأخلاق ومبادئ تحكم سلوك المجتمع وبين الخطط والمنهج أو السياسة التي تنظم حياة هذا المجتمع؛ ليحدث الاستقرار والسلام الاجتماعيّ.

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وشاعر وعضو الجمعية التاريخيه المصرية