جانب هزيل من دولاب التلفاز الضخم الذي امتاز بتعدد رفوفه في بداية الألفينيات، يحتوي فقط ثلاثة أرفف بها عدد من الكتب متراصة جنبًا إلى جنب، كانت هذه المرة الأولى التي أبصر فيها رفوف كتب في بيتنا، كانت الكتب لأمي خريجة الأزهر التي احتفظت بكتبها الدراسية قبل أن يقرر والداي شراء قصة أطفال لي جرَّت وراءها القصة وراء القصة، كانت هذه بذرة أول مكتبة في حياتي.
ثم لم تجاورني الكتب إلا في سنواتي الأخيرة، جاورني البحر ومياه القنال والتاريخ في مدينة السويس، جميعها عدا الكتب، فهنا لا يوجد أي مكتبات من تلك المشهورة بتعدد فروعها داخل القاهرة العظمى، الشروق وتنمية وغيرهما، ولا حتى مكتبات محلية وُلدت من المدينة ذاتها، كانت «ألف» المكتبة الوحيدة الحقيقية لدينا قبل أن تغلق أبوابها في مصر كلها، ولم يتوقف الأمر على المكتبات الخاصة، وإنما طال القطاع العام، فالهيئة المصرية للكتاب لم تعرف طريقها للسويس كما فعلت مع الإسماعيلية وبورسعيد وسائر محافظات مصر، بل حتى قرى الصعيد ضمن مبادرة «كشك كتابك»، وينطبق الأمر نفسه على مكتبة مصر العامة التي تتيح نظام الاستعارة باشتراك سنوي وأنشطة أخرى.
المعارض والطلب الإلكتروني.. حلول مؤقتة لأزمة دائمة
حتى الكتب «المضروبة» قلَّ وجودها، إلا رجل وحيد منذ زمن قرر أن يفترش أحد الأرصفة ثم انتقل إلى محل صغير، لكن لم تنبت فرشات الكتب على أرصفة الطرقات كما نبتت على حوائط وسط البلد أو الزمالك، ولم تتوافر مكتبات بيع الكتب المستعملة، تقطعت بنا كل السبل نحو نشاط يُعد اعتياديًا للكثيرين في المدن الكبرى، فصار شراء الكتب حدثًا، واقتصر على معرض القاهرة الدولي أو معرض يقام في جامعة المدينة، أو حتى معرض السويس المقام حديثًا منذ سنتين.

كانت توجد محاولات قليلة لإنشاء مكتبات في المدينة، لكنها محاولات كانت تشبه الصراخ تحت الماء، كما لو أن لعنة صارت تلاحق أصحاب الكتب، فلا تصمد الواحدة منها أكثر من عام أو أقل ثم تغلق أبوابها.
وطال هذا الشح باعة الصحف وما توفره هذه المهنة من حلقة وصل بين القارئ وبين مختلف المجلات والإصدارات التي توزع لديهم، كعالم المعرفة وعالم الفكر ومجلة الأزهر ومجلة المرايا ومجلة العربية وغيرها، ففي مدينتي لا يوجد سوى بائع صحف واحد، يجابه لعنة المدينة بـ «ستاند» هزيل يعرض عليه ما وفَّره من مجلات وصحف، وبالطبع يؤثر هذا في انتظام وصول الأعداد، فترانا نفقد عددًا بين أعداد عدة من عالم المعرفة مثلًا.
السويس بلا ندوات.. عندما يُحرم القارئ من مجتمعه الثقافي
من السهل طلب الكتب أونلاين من المكتبات في القاهرة أو حتى مباشرةً من دور نشرها، لكن الكتب تشد إليها الندوات الثقافية وما يأتي معها من احتكاك مباشر بالكُتاب وخلق مجتمعات ثقافية وجو من مشاركة المعرفة والآراء، لكن بسبب هذا الغياب الصارخ للمكتبات من أراضي السويس، ضل الكُتَّاب طريقهم إلينا، فلا أذكر أنني قابلت أحدًا غير الكاتب المصري عمر طاهر في ندوة منذ سنوات داخل متحف السويس، لا نوادٍ للكتاب ولا ندوات، هكذا تُركت المدينة التي تحمل قدرًا لا بأس به من التاريخ خالية من كل سبل الثقافة.
كيف يؤثر غياب الكتب في تشكيل الوعي المجتمعي؟
يقول المثل الشعبي «البعيد عن العين بعيد عن القلب». أثَّر غياب الكتب عن المدينة ليس فقط في الندوات والاجتماعات ولكن في ترتيبها في قائمة أولويات الفرد، فكما تجبر السلع الاستهلاكية الشخص على شرائها بمحاصرتها له في الإعلانات في كل مكان، فغيابها عن ناظريه يدفعه لوضعها في آخر الأولويات بوصفها شيئًا ترفيهيًا لا ضرورة له.

أيضًا فقد تؤثر أحيانًا في نظرة القارئ لنفسه ونقده الذاتي، فغياب المساحات المشتركة لأصحاب الهواية الواحدة يجعل الفرد منهم يشعر-خطأً أحيانًا- بتفرده عمن حوله، وكأي قارئ في بداياته يشعر أنه غير مفهوم ولا يجد من يشبهه، لا تلقى أفكاره المساءلة اللازمة لتنضج ولا يتعرض للـ«الفلترة»، فيغلق عقله على ما طاله عقله من المعلومات دون تفنيد، ويبقى في طور القارئ المحدث الغريب عن مجتمعه، ويهوى «الكتب والقهوة والمطر وفيروز»، فيعاني مخاض النضج الفكري بمفرده لبعده عن وسائل المساعدة.
هكذا تُركت المدينة ذات التاريخ، تُركت خالية تقريبًا من الكتب، لا أعلم كم مدينة مصرية أخرى لها هذا الحظ العاثر، لكنني أعلم أنه ليس لكل المدن ذلك التاريخ النضالي، فكيف نتوقع أن يُحفظ تاريخها ويستمر فتيل النضال مستعدًا لإشعاله.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.