السهل الصعب عند ملكة الدراما


اعتادت أمي -بارك الله لنا فيها- أن تترك نصيبها من اللحوم حتى إذا أنهى أحدٌ منا نصيبه ويريد الزيادة يجد نصيب أمي فيشبع ويستزيد، وهذه العادة لا تمر هينًا على عقلي المتشابك؛ فأنا أجد الفعل تضحية زائدة جدًا يجب أن تقف خاصة أن لا أحد سواي يُقدر هذه التضحية، وأصبحت كأنها من الفروض عليها، وأحيانًا أنظر لنفسي هل آكل ولا أعبأ بهم أيضًا فلا بد ألا آكل مثل أمي، ولكنني لست بهذه القدرة على التضحية، بل أفكر أن فعلة أمي تمثل ضغطًا علينا فيجب أن نكون جديرين بالتضحية في مثال واضح للابتزاز العاطفي ودعوة للتقشف الجاد مثل ما تفعل أمي، ثم ألومني على أفكاري وأصف هذه الأفكار بالمريضة السيئة "هل هذا ردّ الجميل أن أطعن فيها!"...

وأحيانًا يصرخ أحدٌ بعقلي "هذه فعلة أمّ فقط، أي أم تفعل هذا لأولادها مهما كان مهما حازت من الملايين، مهما كانت قوية، مهما أحبت نفسها مهما ومهما... ما دامت أمّ ستفعل ذلك، والأمر بكل هذه السهولة ولا حاجة للتأويل ولا الوقوف عنده، فقط امدحي طعامها وحفزيها على الأكل وعاونيها".

والعجيب أن هكذا كل مواقف حياتي تمر؛ فكرة ففكرة مضادة ففكرة أخرى، وفكرة رابعة وخامسة، وكلهم ينعتونني بمساوئ مختلفة، حتى أنني ظننت أنني أتآمر على نفسي حتى أستنتج فكرة بعيدة، وكم أنني متحاملة على ذاتي لأهدهدها وتكمل سباتها وسوءها؛ فمثلًا هذه السطور تحدثكم عن كم اضطراباتي الفكرية والحقيقة أنه تلك الاضطرابات لا تسيطر على حياتي، أو ربما تسيطر لكن ليس على ذلك المنوال، فربما أنا فقط ملكة دراما حقيقية أحصر حالي في لحظات وخاصة ما دمت قابعة في هذا الفراغ.

الحقيقة أنني أتوصل لهذه الحقيقة كل مرة وأتجاهلها "مسببا كل ذلك الفراغ". لو أنني عبأت وقتي بكل ما يجب أن أتعلمه وأفعله بلا تسويف وبلا انتظار رغبة لعمل تلك الأشياء وبلا ندم أو هروب من الندم، فبالتأكيد النتيجة ستكون أفضل، ولا يجب أن أملأ فراغي بأشياء عظيمة يكفي أن تكون حلالًا ومفيدة، فالأكيد أن حالتي ستكون أفضل مما عليه الآن، حتى لو أنني مسبقًا كنت أملأ أوقاتي بما لا أريد لكنه مفيد حلال وكنت أنتقد نفسي أنني أهرب من أحلامي بتحقيق أوهام، لكن تلك الأوهام أسمى من أن أظل معانقة للفراش لا أفعل شيئًا سوى أنني بعض الأوقات أسن قلمي لأكتب ما أسميه "حروبي"، فيتسلل لي شعور غريب أنني أحارب حقًا!

ثم أن الحل الأفضل متاح؛ ما المانع أن أنشغل فيما أحبّ؟ هل الخوف من التعثر فينعكس عليّ أن أكره ما أحب؟ أم الخوف أنني قد أكون لا أحب ذلك وما هو إلا وهم والخوف أن أستكشف وهمي فأصبح بلا شيء أحبه؟

لكن الحل بالتأكيد التجربة لأرى، أو على الأقل الانشغال بأشياء أخرى حتى يقوى عودي. فالحلول السهلة متاحة لكنها لماذا بكل هذه الصعوبة؟ سمعت مسبقًا أننا نختار الصعب حتى نثبت أنفسنا ونشعر بالتميّز رغم كون حالتنا لا تلاءم ذاك الصعب، ونغض الطرف عن السهل لأنه سهلٌ يقصده الجميع، ولكن -غالبًا، من وجهة نظري- نحن نختار الصعب لأن السهل نراه دائمًا أصعب، فها أنا كررتها مرة وأخرى حلي النهوض ومحاربة الفراغ لكنني أظن سأبقى مستلقية حتى ميعاد النوم وأستيقظ اليوم التالي أعيد اليوم دواليك.

بقلم الكاتب


مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم