السلوك الانساني في مواجهة سياسات الدولة الاقتصادية

تفترض النظرية الاقتصادية التقليدية أن المستهلك رشيد اقتصاديا، بمعنى أنه لا يتأثر بالعواطف والعادات والتقاليد عند اتخاذ قرار بالبيع أو الشراء، حيث يحكمه عقله عند اتخاذ أي قرار اقتصادي. وباختبار صحة تلك الفرضية على أرض الواقع نجد عكس ذلك تماما، فنسبة كبيرة جدا من الشعب- قد تصل الى 90% أو أكثر - يتأثرون بالعواطف والعادات والتقاليد والمقارنات الاجتماعية أكثر من تأثرهم بما يمليه العقل عند اتخاذ قرارات اقتصادية. 

 

      ويمثل ذلك عائق كبير أمام الحكومة لتحقيق أقصى جدوى وفاعلية للسياسات والقوانين المطبقة، الأمر الذى يخلق فجوة كبيرة بين الأهداف التي تضعها الدولة عند وضع السياسات، وما يتم تحقيقه ويشعر به المواطن بالفعل عند تنفيذ تلك السياسات. السؤال الان: ما السبب وراء تلك الفجوة؟، وكيف يمكن القضاء عليها؟

قبل الاجابة على هذا السؤال يجب التنويه الى أن السلوك الاقتصادي يختلف من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر تبعا للظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئة المحيطة. يعتبر السلوك الاقتصادي سلاح ذي حدين، فبينما يمثل أحد المعايير والمؤشرات التي تدل على نجاح السياسات الحكومية أو فشلها، يمثل أيضا أحد العوائق التي تحول دون تحقيق أقصى فاعلية وجدوى من السياسات المطبقة. توجد العديد من العوامل المؤثرة على السلوك الاقتصادي للمواطنين، من أهمها التحيزات الاجتماعية مثل تحيز النفور من الخسارة، وتحيز المقارنات الاجتماعية، وتحيز الثقة المفرطة. كما يوثر التسويق للمنتجات على السلوك الاقتصادي تأثيرا كبيرا.

بالنظر الى الطبيعة الانسانية، نجد أن الانسان أكثر حساسية لتحمل الخسارة عن الحصول على المكسب. ولذلك نجد أن فقدان شيء ما يجعله تعيسا أكثر مما يسعده الحصول على نفس الشيء. كما نجد أن الانسان بطبيعته ملتزم بقاعدة التشابه والابهام، حيث يمكن أن يشترى منتجا ما لا يحتاج اليه لمجرد أن الطلب عليه كثير أو لأن شخصا يعرفه اشترى نفس المنتج. وبالنظر الى السلوك الانساني نجد أن نسبة كبيرة من الناس تثق في قدراتها وقراراتها ثقة عمياء لدرجة تجعله يرفض أي تشكيك في صحة قراراته الشرائية أو الصحية. كل تلك التحيزات تمثل انحرافات عن الفرضية التقليدية التي تنص على أن المستهلك رشيد اقتصاديا.

وبالنظر الى جدوى السياسات الحكومية، فان الدولة تتعامل مع المواطنين على أنهم حيوانات لا يحتاجون سوى الى الطعام والشراب والنوم فقط، ويضعون سياساتهم وقوانينهم على هذا الأساس، دون النظر الى حقوقهم الثقافية والاجتماعية والقانونية، الأمر الذي يدعم وجود تلك الفكرة في أذهان الناس، فيقل وعيهم وينخفض مستوى مشاركتهم المجتمعية في تنفيذ السياسات، وبالتالي يصبحون عائقا كبير أمام الدولة في تنفيذ السياسات الحكومية.

والدليل على ذلك أن الدولة المصرية تعاني الان بسبب عدم استجابة المواطنين لسياساتها بشكل كافي، مما أدى الى تحقيق زيادة في تكلفة تنفيذ السياسات بدلا من أن تؤدى الى تخفيض الانفاق العام، الأمر الذي يساعد على توسيع الفجوة بين الأهداف المرغوب تحقيقها، وما يتحقق بالفعل.

وكمثال على السياسات التي أثر السلوك الاقتصادي للمواطنين على فاعليتها وجدواها نجد سياسات الدعم الحكومي. فقد أثبتت سياسة الدعم العيني فشلها في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين وتخفيض حجم الانفاق العام في ان واحد. وللقضاء على تلك المشكلة  تناقش الدولة مشروع تطبيق سياسة الدعم النقدي، وقد تجاهلت تماما مستوى الثقافة الاستهلاكية والاقتصادية للمواطنين ومدي استعدادهم لتنفيذ تلك السياسة.

أن تفضيلات الأفراد تتأثر بعدد من العوامل مثل الدخل، فجودة السلع التي يرغب الفرد في شرائها سواء كانت سلع ضرورية أو كمالية تتوقف على ما يمتلكه من النقود. ومن العوامل المهمة المؤثرة على تفضيلات الأفراد معيار التفضيل، حيث تتسم رغبات الأفراد بالتقلب الدائم وعدم الاستقرار، ويرجع ذلك الى عامل الدخل السابق ذكره، بالإضافة الى عدم وجود ثقافة منطقية للاستهلاك، حيث أن دخل الفرد قليلا كان أو كثيرا أو سوء ادارته لشئون حياته من الناحية الاقتصادية قد يدفع به الى شراء سلع كمالية غالية الثمن في ظل احتياجه للسلع الأساسية أو قد يشترى كميات كثيرة من سلعة ما لا يحتاج منها في الوقت الحالي الا كميات محددة، وذلك لاقتناعه بفكرة تخزين السلع في مواجهة الظروف الطارئة.

ومن السياسات التي تطبقها الدولة وتؤثر الثقافة المجتمعية في جدواها وفاعليتها السياسات الضريبية. والحقيقة أن الجدال حول تلك المسالة عميق جدا، ولكن سأحاول اختصاره قدر الامكان. تكمن المشكلة الرئيسية في محاولات المواطنين بمختلف فئاته للتهرب من دفع الضرائب، وذلك بسبب جهل المواطنين بالهدف من جمع الضرائب، واعتقادهم أن الحكومة تقتطع نسبة كبيرة من دخولهم دون جدوى.

تفرض الدولة الضرائب على المواطنين كنسبة من دخولهم للمساهمة في تحسين بنود الايرادات وخدمة متطلبات التنمية. والسبب وراء غضب المواطنين من فرض الضرائب هو اعتقادهم بأنها اقتطاع نسبة كبيرة من دخولهم الى الحد الذي يؤثر بالسلب على مستوى معيشتهم. والحقيقة أن الحكم على الضرائب بأنها اقتطاع نسبة كبيرة من الدخل غير منطقي، وذلك لعدم عقد مقارنة بين ما يتم اقتطاعه من الدخل وتكاليف المعيشة الأصلية دون أي كماليات، وأيضا عقد مقارنة بين نسبة الضريبة على الموظف ونسبة الضريبة المقتطعة على رجل الأعمال. وبالتالي نجد أن استجابة المواطنين للسياسات الحكومية تتوقف على مستوي ثقافتهم الاستهلاكية، ومدى وعيهم واقتناعهم بالهدف من تلك السياسات، وقدرتهم على التكيف في وجود تلك السياسات.

ان الفجوة بين الهدف من السياسات الحكومية وما يتم تحقيقه لا يقل أهمية عن الفجوة بين العرض والطلب. لذلك لابد من اتخاذ اجراءات فعلية لتضييق تلك الفجوة، وذلك عن طريق عدة سياسات تبدأ باقتناع الحكومة المصرية بوجود المشكلة في الأساس، وبالتالي التعامل معها. ومن المهم أن تضع الدولة في حسبانها التصورات السلوكية ومستوى وعى المواطنين، ومن ثم تعيد هيكلة عملية صنع القرار للتأثير على قرارات المواطن الاقتصادية، وجعلها في خدمة السياسات الحكومية والتنموية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.