يبرز اسم السلطان محمود الثاني في سجلات التاريخ العثماني كقوةٍ دافعةٍ نحو التغيير، وحاكمٍ استثنائيٍّ تولى مقاليد الحكم وسط أمواجٍ متلاطمة من التمردات الداخلية والضغوط الدولية. كان صاحب رؤيةٍ دقيقةٍ استهدفت اقتلاع جذور الفساد الإداري والعسكري، متمثلةً في سطوة الجيش الإنكشاري التي كبلت الدولة لقرون، وخاض صراعاتٍ مريرةً لمركزية السلطة وتحديث المجتمع، محاولًا موازنة الكفة أمام القوى الإمبريالية الصاعدة.
أنهى السلطان محمود الثاني نفوذ الجيش الإنكشاري عام 1826، وأطلق سلسلة إصلاحات إدارية وعسكرية وتعليمية، هدفت إلى مركزية السلطة وتحديث مؤسسات الدولة العثمانية على النمط الأوروبي.
من هو السلطان محمود الثاني؟
يُعد السلطان محمود الثاني (1785-1839م) واحدًا من أقوى سلاطين الدولة العثمانية وأكثرهم دهاءً، حيث تولى الحكم في مرحلة حرجة كانت تعصف بها الأزمات الداخلية والتهديدات الخارجية.

ولد محمود الثاني في قصر طوب قابي بإسطنبول، وهو ابن السلطان عبد الحميد الأول. نشأ في بيئة تجمع بين الصرامة السلطانية والتحصيل العلمي العميق، حيث أتقن اللغتين العربية والفارسية، وتبحر في آدابهما، كما أظهر براعة استثنائية في فنون الخط العربي وتذوق الموسيقى. هذه الخلفية الثقافية الواسعة صقلت شخصيته القيادية وجعلت منه حاكمًا يجمع بين الحزم العسكري والذوق الأدبي الرفيع.
الصعود إلى العرش والتحول السياسي
ارتقى إلى سدة الخلافة عام 1808م عقب أحداث دموية شهدت عزل أخيه مصطفى الرابع واغتيال عمه السلطان الإصلاحي سليم الثالث. هذه البداية العنيفة تركت أثرًا بليغًا في نفسه، حيث أدرك أن العائق الأول أمام نهضة الدولة هو الجيش الانكشاري الذي أصبح يتدخل في تنصيب وعزل السلاطين. أمضى سنواته الأولى في الحكم بهدوء وحذر، يخطط بصبر لتفكيك القوى التقليدية وبناء مؤسسات نظامية حديثة.

لقد كان متألقًا بعلاقاته العائلية، خاصة مع خاله السلطان سليم الثالث؛ لذا كان له علاقة قريبة بشؤون الدولة. ولذا استخلص رأيًا شخصيًا حول الإجراءات الواجب اتخاذها من أجل مواجهة انحطاط الدولة العثمانية. إن أساليبه بهذا الخصوص تشير إلى بطرس الأكبر «Pierre le Grand» ومعاصرته، خاصة مقارنةً بباشا مصر محمد علي.
المواجهة الأولى: عهد البيرقدار وصراع الاستقرار
في عام 1808، وعلى أثر تمرَّد بعض الأعيان الذي قاده البيرقدار الذي خلف أخاه مصطفى الرابع، كان أول عمل سياسي لمحمود الثاني هو تعيين بيرقدار وزيرًا كبيرًا؛ لأنه يعتمد عليه من أجل إعادة النظام في الإمبراطورية.
فبينما كان الروس يهددون حدوده، لم تكن الحالة الداخلية أقل اضطرابًا. وفي مصر كان محمد علي باشا يظهر استقلاله، وآل سعود احتلوا مكة والمدينة؛ وكانت الثورة تعم حلب، وأخيرًا، وفي قلب الإمبراطورية نفسها، في الأناضول وفي الأقاليم البلغارية، كانت المشكلات تشكل خطرًا دائمًا للسلطة المركزية.
وبناءً على نصائح بيرقدار، دعا محمود الثاني، ومن أجل أن يضع حدًا للفوضى، دعا في إسطنبول إلى جمعية الأعيان، ووعدهم، بمقابل اعترافهم له بجزء من حقوقهم الموروثة، وبالطاعة والاحترام، بأنَّه يتعهد، بالمقابل، بألا يعارض قيامهم ببناء قوات وفرض ضرائب خاصة بأقاليمهم.
من ناحية أخرى، فإن بيرقدار عرض على نفس الجمعية عددًا معينًا من الإجراءات التي تتعلق بالجيش الإنكشاري. ولكن هذه الإجراءات لم تُستقبل جيدًا من قبل المعنيين الذين ثاروا، كما حدث في عهد السلطان سليم الثالث. إن الوزير الكبير تخلى عنه أصدقاؤه، وقُتل، وكاد محمود الثاني أن يفقد تاجه، وأُجبر على اغتيال مرشح المتمردين، أخيه مصطفى. وبالتأكيد توجب عليه، ولو مؤقتًا، التخلي عن التدخل في شؤون الجيش الإنكشاري، فإن الظروف لا تسمح بأي مغامرة فيما تبقى في تلك الظروف.
تصفية الإنكشارية وتحديث الجيش العثماني
بدأت الحرب مع روسيا عام 1809–1812، وفي الوقت نفسه انفجرت ثورة في صربيا وفي اليونان؛ ففي مثل هذه الظروف من الأفضل تحاشي المشكلات الداخلية.
لذا فمنذ 1826، في حين كان يستفيد من الهدوء على الجبهة اليونانية، أخذ مرة أخرى خطة بيرقدار ونجح في تصفية نهائية للميليشيا القديمة «الجيش الإنكشاري». واعتبارًا من ذلك التاريخ أخذ على عاتقه تطبيق برنامج إصلاحي، وتابع ذلك البرنامج حتى الموت.
فأول قسم من الإجراءات كان يتعلق بتحديث الجيش. فلقد تأثر بتنظيم محمد علي باشا للجيش؛ فغيَّر محمود الثاني التجنيد، وأسَّس عدة فرق مزودة ومدربة على الطريقة الأوروبية؛ وجلب من بروسيا مجموعة من المستشارين، من بينهم المارشال «H. Von Moltke». ولكن هذا الأخير لم يكن متمتعًا بالكفاءة التي تمكنه من معرفة الإمكانية القتالية للجيش العثماني ذي النمط الجديد.
في رسائله التي نشرها بعد انتهاء خدمته في إسطنبول حول الشرق، ينتقد بشدة الضغط على الجيش الإنكشاري؛ ويقول إن الحرب الروسية التركية 1828–1829 كان ممكنًا أن تتحول لصالح العثمانيين، لولا أن محمود الثاني كان قد أفسد تنظيم الجيش بإصلاحاته عام 1826، حسب رأيه.
فالسلطان محمود، بسبب عدم رضاه عن الجيش، بقي على سطح الأشياء؛ فقد قام بتعديل اللباس وطرق التدريب، ولكنه لم يلغ انعدام انضباط الجنود، ولا جهل الضباط الكبار، ولا الفوضى وعدم التنظيم.
إن هذا الفشل في السياسة العسكرية لمحمود الثاني قوبل، لحسن الحظ، بنجاح الإصلاحات في مجالات أخرى. في المقام الأول، فإن الجهود انصبت على مركزية السلطة، وتحرك واسع قد شُرع به ضد الولاة العنيدين، ومن بينهم، بالطبع، الولاة الأكثر قوة الذين كانوا يواجهون السلطان:
في اليونان كانت توجد مقاومة تبديها علي باشا، وهذه كانت بداية التمرد لدى اليونانيين؛ كذلك فإن باشا مصر محمد علي احتل سوريا وتقدم نحو الأناضول. ولكن بوجه عام، وبالرغم من هذه الحروب الأهلية، نجح محمود الثاني في فرض سلطته.
ففي عام 1831 ألغى «التايمر»، وهو حصن عسكري كان يشكل آخر معاقل الإقطاعية العثمانية.
وتركزت الجهود من أجل تقوية السلطة المركزية، من جهة أخرى، حول إعادة تنظيم الإدارة في الأطراف: فالولاة أصبحوا من الآن فصاعدًا برواتب، وأصبح لهم تقسيمات إدارية وإقليمية جديدة. وفي القسطنطينية كان تدوين الوزراء وتعيينهم يتغير، فقد عُيِّنت لجان من أجل مناقشة شؤون الدولة.
نحو مجتمعٍ على النهج الحديث
وحسب نظرة محمود الثاني، فإن تقوية السلطة لم تَمرُّ فقط بطريقة الإصلاح الإداري؛ ولكن أيضًا كان يمكن أن تتم بصورة خاصة عن طريق التطوير الاجتماعي على النهج الأوروبي.
ففي عهد سليم الثالث فُتحت أبواب الإمبراطورية العثمانية أمام التأثيرات الأوروبية. وتحمل هذا الانفتاح مظهريًا بالإصلاحات المتعلقة بالملبس والثياب التي تهم الجيش والموظفين؛ فالسلطان أعطى بنفسه المثل بظهوره على نحوٍ علني مرتديًا بنطلونًا وسترة طويلة. وكانت الحلاقة عنصرًا رئيسيًا في المظهر الإسلامي، وقد تعرضت لتغييرات جذرية: فالطربوش حل محل «العمامة».
ولكن في العمق تركز الإصلاح على التعليم العلمي وتعلم اللغات الأجنبية. فقد أنشئت مدرسة للطب عام 1827، ومدرسة عسكرية عام 1834. ومن أجل تهيئة الكادر المستقبلي لتلك المؤسستين، أرسل محمود الثاني عددًا كبيرًا من الطلاب إلى أوروبا، وجلب بالمقابل معلمين أجانب، ومن ناحية أخرى عمل على ترجمة كميات من الكتب التي أصبحت تشكل القاعدة الجديدة للتعليم. وفي هذا النطاق، نرى الدور الذي لعبه رجال ذوو كفاءة موسوعية مثل شانيزاده «Chanizade» 1769 - 1826، أو الحجة إسحاق أفندي المتوفى عام 1834، فكانوا ذوي كفاءة عالية.

وبفضلهم، وبفضل الدبلوماسيين والكوادر العائدة من أوروبا، أزيلت العقبة اللغوية شيئًا فشيئًا.
إن تقوية السلطة المركزية ونشر الأفكار الجديدة استوجبا العمل بوسائل الاتصالات العصرية. إن محمود الثاني أسس نظامًا بريديًا، وشيد شبكة طرق مهمة.
وفي عام 1831، ظهرت أول جريدة باللغة التركية «Le Takvim-i Vekayi»، مخصصة لإعلانات ودعاية النظام.
وعلى الصعيد الاقتصادي بدا محمود الثاني أقل كفاءة. فإبان حكمه كانت التجارة الأوروبية، وبوجه خاص الأنسجة الضرورية لصناعة الألبسة العسكرية الجديدة، قد غزت السوق العثمانية. ولقد تحرك متأخرًا عندما منع دخول المنسوجات الأجنبية، وشجَّع إقامة الصناعات الوطنية.
ومن ناحية أخرى، سياسيًا، فيما يتعلق بالنفقات الكمالية، فقد وُضعت الميزانية في ضائقة، وإن الحكومة أُجبرت على البحث عن مداخيل ضريبية جديدة، وهذا لم يمرُّ من دون تذمر شديد. لذا توجب اللجوء إلى الموجودات الدينية «الوقف»، التي أُعيد تنظيمها بالمناسبة تحت إشراف وزير جديد لها.
التقييم التاريخي: بين نجاح الإصلاح والإخفاق العسكري
ضمن هذه الشروط، فإن ميزانية الحكم أصبح من الصعب وضعها. فالدعاية الصاخبة المتميزة التي نفَّذها محمود الثاني حول إصلاحاته، كانت تخفي ضعفًا كبيرًا، خصوصًا وأن الإفلاس كان كاملًا على الصعيد العسكري.
وقد تلقى جيشه هزيمة إثر هزيمة، وتعرضت الإمبراطورية إلى خسارة إقليمية مهمة: فالروس احتلوا «Bessarabie» بيسارابيا عام 1812، وقسمًا من الأناضول الشرقية عام 1829؛ وقد مُنحت امتيازات إلى صربيا عام 1816؛ وحصلت اليونان على استقلالها عام 1830؛ وبدأ الفرنسيون بالنزول في الجزائر عام 1830، وثبَّت محمد علي سلطته المستقلة بشكل نهائي على مصر عام 1839.
من جهة أخرى يمكن توجيه اللوم إلى محمود الثاني باهتمامه بالشكل أكثر من جوهر المسائل. فإن ما فعله هو عمل أرستقراطي معزول، بعيدًا عن شعبه، ومنقطع حتى عن من هم حوله. فكل من لا ينصاع لتسيير إرادته يسقط منسيًا. وعلى أي حال تعد إصلاحاته تاريخيًا جوهرية في تاريخ الإمبراطورية العثمانية؛ فمن جهة كانت تلك الإصلاحات هي أصل التحسين الحقيقي فيما يتعلق بالاتصالات والتعليم والإدارة، ومن جهة أخرى فقد أوجد العناصر الأولى للاجتماعية الثقافية لنظام غائي دفاعي بمواجهة الإمبريالية الأوروبية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.