السلطان الأشرف برسباي: الأمير الفهد وفاتح قبرص

في تاريخ الدولة المملوكية، تبرز أسماءٌ نقشت خلودها بحد السيف وبصيرة السياسة، ويأتي على رأسها السلطان الأشرف سيف الدين برسباي، الملقب بـ«الأمير الفهد».

كان برسباي القائد الذي أعاد لمصر هيبتها البحرية بفتحه لجزيرة قبرص، والسياسي الذي استحدث نظامًا نقديًا واقتصاديًا مستقلًا. في هذا المقال، نبحر في تفاصيل عهده الذي امتد 17 عامًا؛ لنستعرض بطولاته العسكرية، ومنشآته المعمارية الخالدة، والجدل التاريخي الذي رافق سياساته الاقتصادية والاجتماعية

من هو برسباي؟ وما معنى اسمه؟

هو السلطان الأشرف سيف الدين أبو النصر برسباي الدقماقي الظاهري، السلطان المملوكي الثاني والثلاثون في الترتيب العام، والثامن بين سلاطين المماليك الجراكسة.

من هو برسباي؟

وُلِد عام 1369م، وجاء من عرق جركسي كأغلب أقرانه، واشتراه الأمير «دقماق المحمدي» (ولذلك لُقب بـالدقماقي)، قبل أن يُهديه للسلطان الظاهر برقوق لتنفتح له أبواب الحظ.

أما عن معنى برسباي، فالاسم مؤلف من مقطعين باللغة التركية القديمة: «برس» وتعني (فهد)، و«باي» وتعني (أمير أو سيد)، ليصبح معناه «الأمير الفهد»؛ وهو لقب طابق شخصيته التي اتسمت بالرشاقة، والهيبة، والذكاء السياسي الذي مكنه من اعتلاء العرش عام 1422م بعد رحلة طويلة من السجن والنيابة في طرابلس ودمشق.

حياة السلطان برسباي واعتلاؤه العرش

لم تختلف حياة السلطان برسباي كثيرًا عن أقرانه من المماليك الذين جاؤوا إلى مصر عبيدًا، ثم التحقوا بخدمة أمراء وملوك، ومن ثم تأسسوا تأسيسًا علميًّا عبارة عن دراسة للعلوم الشرعية مع بعض التدريب والتعليم في فنون الحرب والقتال، وإن كان برسباي لم يحظَ بقدر كبير من التعليم كالذي حظي به أقرانه المماليك.

بعد ذلك عمل مع الأمير «الناصر» ابن السلطان برقوق، ولكن تم قتل الناصر، وبعدها انتقل إلى خدمة الأمير «المؤيد» في الشام، وتولَّى نيابة مدينة طرابلس. ولكن لم تكن حياته بالسهلة، فبعد ذلك غضب الأمير المؤيد على برسباي، فألقاه في السجن، وبالتحديد في قلعة «المرقب». وبعد أن قضى بها مدة طويلة، أُطلِق سراحه، ولكن الحرية لم تطُل، فبعدها سُجِن مرة أخرى بقلعة دمشق.

بعد مدة، قدم السلطان الظاهر سيف الدين ططر إلى الشام، وكان هو السلطان الوحيد في دولة المماليك الذي نُصِّب من الشام وليس من مصر، وكأنَّ مجيئه كان بمثابة اليسر الذي يأتي بعد العسر بالنسبة لـ «برسباي»، فمع دخول «ططر» إلى القاهرة، أخذ معه برسباي وعيّنه «دودار»، والدودار هي وظيفة مقتضاها إرسال الرسائل والأوامر من السلطان، وعرض الطلبات والرسائل على السلطان للتوقيع.

بعد مدة، تُوفي السلطان «ططر»، وتولى العرش من بعده ابنه السلطان «الصالح ناصر الدين محمد»، وكان عمره حينها أحد عشر عامًا، فأصبح برسباي «صاحب الترجمة» أي المتحدث بالنيابة عن السلطان، إلى أن استقرَّت الآراء على عزل السلطان الصبي -عقب حكمٍ استمر ثلاثة أشهر- وتولية برسباي الحكم، وبهذا أصبح سلطان مصر وملك الدولة المملوكية في الثامن من ربيع الأول عام 825 هجريًا، الموافق للأول من أبريل لعام 1422 ميلاديًا.

المجد العسكري: «فاتح قبرص» وحكاية الخوذة

ارتبط اسم السلطان بلقب «فاتح قبرص» نتيجة صراعه المرير مع القراصنة الصليبيين الذين اتخذوا من الجزيرة مركزًا لمهاجمة سفن المسلمين. 

السلطان برسباي فاتح قبرص

تعود جذور الحرب بين المماليك والقبرصيين إلى ما قبل مرحلة حكم برسباي، بل إلى ما قبل ميلاد برسباي أصلًا، فبدأت الشرارة في عام 1365 ميلاديًّا، حيث كانت جزيرة قبرص دائمًا ما تشنُّ حملات على موانئ المسلمين المُطلة على شرق البحر المتوسط.

ففي التاريخ المذكور، شنَّ الملك «بطرس الأول لوزينيان» حملة على مدينة الإسكندرية، وصحيح أنها لم تدم أكثر من ثلاثة أيام، إلا أن ضررها كان بالغًا، وذلك ظهر في أعمال الحرق والتخريب وقتل الأطفال وكبار السن واغتصاب السيّدات وتعليق الصلبان على المساجد، وتكرر ذلك الأمر في مدينة «طرابلس» اللبنانية عام 1393.

ولم تنتهِ هجمات القبارصة إلى ذلك الحد، بل ظلَّت متواصلة إلى عهد برسباي، ففي عام 1423 هجم القبرصيون على سفينة مصرية وأسروا من كان بها، وقد بدأ «برسباي» بمدِّ يد السلام، وذلك بطلب عقد معاهدة سلام مع «جانوس» ملك قبرص، يطلب فيها عدم التعدي على التجار المسلمين، لكن «جانوس» رد بالغرور ورفض تلك المعاهدة، ولم يكتفِ بذلك، بل داهم القبرصيون سفينتين بالقرب من دمياط، كان بهما أكثر من 100 فرد، وأسروا من بهما.

الحملات الثلاث: الطريق إلى نيقوسيا وإذلال الملك جانوس

إلى أن جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير بإغارتهم على سفينة مرسلة من السلطان برسباي نفسه إلى السلطان «مراد الثاني» سلطان الدولة العثمانية، فأعدَّ العدَّة وبدأت الحرب على هيئة ثلاث حملات بحرية.

الحملة الأولى

تحركت الحملة الأولى في 827 هجريًّا تجاه قبرص، وبالتحديد إلى ميناء «ليماسول»، فهاجمته وأحرقت ثلاث سفن كانت على وشك الإغارة، ثم عادت الحملة إلى مصر ومعها الانتصار والغنائم.

الحملة الثانية

كانت الحملة الثانية -التي حدثت في عام 828 هجريًّا- أكبر وأعظم من سابقتها، فتكوَّنت من 40 سفينة حربية، بدأت من مصر متجهة إلى الشام، ومن بعد الشام إلى قبرص، وكانت نتائجها أعظم، فقتلت نحو 5000 شخص، وأسرت 1000، ودمّرت قلعة «ليماسول»، وغنمت غنائم أكبر من سابقتها.

الحملة الثالثة

أتت الحملة الثالثة كما المثل «التالتة تابتة»، فلم تكن لردع القبرصيين وإيقافهم عند حدٍّ واضح وحسب، بل جاءت لضم قبرص تحت سيادة الدولة المملوكية، فكانت أعظم الحملات الثلاثة بأسطولٍ قوامه 180 سفينة خرجوا من «رشيد» في عام 829 وذهبت إلى المدينة السالف «الحطّ عليها» ليماسول وفتحتها، بعدها اتجهت إلى العاصمة «نيقوسيا».

وقد حاول «جانوس» صد الجيش المصري، ولكنه فشل وزار القاهرة على رأس جيشٍ من الأسرى قوامه 3700 جندي قبرصي، متذيلين الموكب المنتصر الذي جال القاهرة، وبعدها استكمل مراسم الذل في القلعة حيث مقر حكم بارسباي، متوسلًا إليه ومُقبِّلًا الأرض بين يديه لكي يطلق سراحه، فقبل بارسباي بذلك مقابل عدة شروط، ألا وهي:

  1. أن يدفع جانوس 200,000 دينار فدية.
  2. أن تظل قبرص تابعة للمماليك، ويظل جانوس حاكمًا لها، ولكن كتابعٍ للدولة المملوكية.
  3. أن تدفع قبرص جزية سنوية.

وتمت الشروط، وظلت قبرص تابعة لمصر إلى أن انتهت الدولة المملوكية عام 1517 على يد سليم الثاني، وهكذا انتهت الحرب المصرية القبرصية.

وفي مدرسة الأشرف برسباي بشارع المعز، تجسدت عظمة هذا النصر؛ حيث جرى العرف على عرض الغنائم الحربية، ومنها حكاية خوذة ملك قبرص وتاجه اللذين وُضعا في المدرسة كرمز لعزة الدولة، وظلت الجزيرة منذ ذلك الحين تابعة للمماليك وتدفع الجزية لمصر.

مميزات حكم برسباي: نهضة شاملة واستقرار سياسي

يُعد عهد السلطان الأشرف برسباي من أزهى فترات الدولة المملوكية الثانية، حيث تميز حكمه بالاستقرار السياسي والنهضة الشاملة التي مست جميع قطاعات الدولة. فقد كان قائدًا عسكريًا نجح في بسط نفوذه الخارجي، وكان رجل دولةٍ من الطراز الأول.

مميزات حكم برسباي

الإصلاح الزراعي

كانت الزراعة من الأمور التي عُني بها السلطان برسباي، فقد كانت المحاصيل الزراعية كثيرًا ما تهلك بسبب شح المياه، فأصلح القناطر التالفة والمهدَّمة وبنى قناطر جديدة، بالإضافة إلى بنائه لجسور وحفره للخليج الناصري الذي كاد أن يختفي.

التجارة: تأمين طرق التجارة العالمية

من مميزات مصر خاصة، والدولة المملوكية عامة، توسطها قلب العالم القديم؛ ما جعلها طريقًا تمر عليه حركة التجارة العالمية حتى من قبل حفر قناة السويس.

ذلك ما جعل نصيبها من الأرباح التجارية كبيرًا لدرجة جعلت اقتصاد الدولة المملوكية قائمًا على التجارة، وجعل موانئها مقصدًا لمختلف التجار لبيع وشراء المنتجات. ذلك الأمر الذي استغله برسباي أفضل استغلال، بأن أمَّن التجار وبضاعتهم من أعمال قطع الطريق والسلب، وخفَّض أيضًا الرسوم المحصلة من التجار في بعض الموانئ، مثل ميناء جدة.

العلاقات الخارجية

استكمالًا لنهضته التجارية، عقد برسباي اتفاقيات مع دول أوروبية، ووطَّد العلاقات الخارجية معهم؛ وذلك لتقوية العلاقات التجارية، ولكي يضمن اختيار التجار الموانئ المملوكية للرسو بها دون غيرها.

الدينار الأشرفي والنهضة المدنية

سكَّ السلطان برسباي عملة محلية سُمِّيت بالدينار الأشرفي، وذلك بعد أن كان يتعامل الناس بالنقود القادمة من «البندقية» و«فلورنسا»، فألغى التعامل بتلك النقود وأرسى التعامل بالدينار الأشرفي، ورفع قيمته وقوته الشرائية لدفع الناس إلى التعامل به.

ويكفي لتدرك قيمة ذلك الدينار، أن تعرف أن وزن ذلك الدينار أكثر من 40 جرامًا، ووصل التعامل به إلى أن بلغ آسيا الوسطى والشرق الأوسط وجنوب آسيا.

الخدمات: طريق الحج

لعل من أبرز إنجازاته، هو اهتمامه بالطريق إلى الحج وبالحجاج، حيث حفر الآبار على طول الطريق إلى الحج.

الإرث المعماري: من قلب القاهرة إلى الخانكة والصحراء

لم يكن برسباي قائدًا عسكريًا فحسب، بل كان عمرانيًا بارزًا، وتوزعت آثاره لتشمل:

  • مؤسس حي «الخانكة»: الذي حوله من منطقة صحراوية إلى مدينة عامرة، وأنشأ فيها مسجد السلطان الأشرف بالخانكة عام 825 هـ، وهو مجمع ديني فسيح لا يزال من معالم القليوبية الأساسية.
  • مدرسة السلطان برسباي (بشارع المعز): المعروفة بـ «الأشرفية»، وهي تحفة معمارية خُصصت لتدريس المذاهب الأربعة، وأُلحق بها سبيل وكُتاب لتعليم الأيتام.
  • خانقاه السلطان برسباي بالصحراء (منشأة ناصر): تقع في «قرافة المماليك»، وهي المجمع الجنائزي الذي بناه السلطان ليكون مثواه الأخير، وتتميز بقبتها الحجرية المزخرفة التي تعد من أجمل قباب العصر المملوكي.

ما عيوب حكم السلطان برسباي؟ الوجه الآخر للحكم

بقدر ما شهد عهد السلطان الأشرف برسباي من استقرار ونهضة، لكنه لم يخلُ من قرارات وسياسات أثقلت كاهل الرعية وأثارت حفيظة المؤرخين المعاصرين له (مثل المقريزي).

نظام الاحتكار (نظام المباشرة)

  • يُعد هذا العيب الأبرز في سياسة برسباي الاقتصادية؛ حيث فرض السلطان نظام «الاحتكار» على السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها السكر والفلفل الأسود.
  • منع التجار من بيع هذه السلع أو شرائها إلا من خلال المخازن السلطانية.
  • أجبر التجار الأوروبيين والمحليين على الشراء بأسعارٍ مرتفعةٍ حددها هو، مما أدى إلى ركود بعض الأسواق وهجرة بعض رؤوس الأموال.

الضرائب والمكوس المجحفة

  • لجأ برسباي إلى فرض ضرائب باهظة ومبتكرة عُرفت بـ«المظالم»، لتمويل خزينة الدولة وحملاته العسكرية، وصلت إلى حد فرض جباية على الصلع (القرعان) في القاهرة، حيث فتش الأمراء رؤوس الناس وفرضوا غرامات على من لا شعر بجوانب رأسه، مما أثار ضجة كبيرة قبل أن يُلغيها لاحقًا.
  • ضاعف الرسوم على الأراضي الزراعية والممالك التابعة.
  • فرض ضرائب على الحرفيين وصغار الكسبة، مما أدى إلى ارتفاع تكاليف المعيشة ومعاناة الطبقات الفقيرة.

عيوب حكم السلطان برسباي

التشدد في السياسة النقدية

رغم أن «الدينار الأشرفي» كان إنجازًا، فإن الطريقة التي فُرض بها كانت قاسية؛ إذ أمر بجمع النقود الأجنبية (الذهب البندقي) بالقوة من الناس ومنع تداولها تمامًا بصورةٍ فجائية، مما تسبب في ارتباكٍ ماليٍ وخسائر لبعض التجار الذين لم يمتلكوا الوقت الكافي لتصريف مدخراتهم من العملات القديمة.

انتشار الأوبئة والمجاعات

شهد عهد برسباي نوباتٍ متكررةً من الطاعون (خاصة طاعون عام 833 هـ)، ورغم أن هذا كان قدرًا كونيًا، فإن المؤرخين انتقدوا قصور الإجراءات الحكومية في مواجهة الغلاء الفاحش الذي صاحب هذه الأزمات؛ حيث استمرت الدولة في تحصيل الضرائب كاملةً رغم هلاك المحاصيل ونقص الأيدي العاملة.

مصادرة الأموال

اتبع السلطان أسلوب «المصادرات» ضد بعض الأعيان والموظفين الكبار في الدولة لملء الخزينة العامة، وهو ما خلق جوًا من عدم الأمان الوظيفي والمالي لدى طبقة الإداريين، وأدى أحيانًا إلى انتشار الرشوة لتعويض المبالغ المصادرة.

الوفاة وقيام ابنه العزيز يوسف

بعد حكم دام قرابة 17 عامًا، اشتد المرض على السلطان (ما وُصف بالهذيان أو الماليخوليا في المصادر التاريخية). وقبل وفاة السلطان الأشرف برسباي في ذي الحجة عام 841 هـ، عهد بالملك لابنه العزيز يوسف (ابن الأربعة عشر عامًا) وأخذ المواثيق من الأمراء على ولائه.

وبالفعل، شهدت البلاد قيام ابنه العزيز يوسف بالسلطنة، ولكن كما جرت العادة في صراعات المماليك، لم يصمد حكم الصبي طويلًا، حيث عُزل بعد أشهر قليلة ليتولى الأتابك «جقمق» الحكم، مغلقًا بذلك صفحة واحد من أقوى سلاطين مصر في العصور الوسطى.

كان رحيل الأشرف برسباي ختامًا لفصل من فصول السيادة البحرية والشموخ المعماري. وبينما لم يستطع ابنه العزيز يوسف الحفاظ على عرش والده طويلًا أمام طموحات الأمراء، ظلت آثار برسباي هي الحاكم الحقيقي الباقي؛ فمآذنه في شارع المعز وقبابه في صحراء المماليك ومساجده في الخانكة لا تزال تروي للأجيال قصة «الأمير الفهد» الذي جعل مصر قوةً اقتصادية وعسكرية مهابة الجانب.

لقد ترك برسباي الدنيا، لكن خوذة ملك قبرص المودعة في مدرسته لا تزال شاهدة على أن التاريخ لا يكتبه إلا الأقوياء الذين يجمعون بين حدة السيف ونبل القلم وعظمة البناء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.