السفر عبر الزمن.. هل بإمكاننا العودة إلى الماضي؟

في الوقت الذي نشعر فيه بأننا مقيدون بالزمن ومنساقون حتما نحو الشيخوخة والموت، من منا لم يرغب في العودة إلى الماضي من أجل تصحيح شيء يراه من الخطأ القيام به أو على العكس من منا لم يرغب في العودة إلى الماضي من أجل أن يعيش مرة أخرى اللحظات التي يعتبرها من أسعد ما مر به في حياته؟ وما الذي يمكن أن يقدمه العلم لنا بخصوص إمكانية السفر عبر الزمن ؟

ماذا إن أردنا السفر عبر الزمن

في البداية إذا ما أردنا السفر عبر الزمن، سواء بالرجوع إلى الماضي نعتبره مؤكداً أو باتجاه مستقبل مجهول، فما هو المعنى الذي سنمنحه لهذا السفر؟

ألا تعتبر العودة إلى الماضي أمرا متناقضا؟ لأننا إذا ما رجعنا إلى الوراء وأصبحنا أحراراً في تحركاتنا، فإننا سنغير ما اعتبرناه قائما وراسخا، أي الماضي.

وإذا ما نجحنا في العودة إلى الماضي، فإننا نخشى من أن يتمكن العديد من المسافرين عبر الزمن من تحقيق الشيء نفسه.

وإذن، فإن هناك خطورة كبيرة في أن يصبح الماضي بمجهو لا تقريبا مثل المستقبل، وفي هذه الحالة، لماذا نستمر في تسميته «ماضيا»؟ ومع ذلك، لا تعتقدوا بأن اكتشاف المستقبل المجهول يستثنى من كل التباس؟ فلنفترض وسيلة بسيطة تتمثل في تجميد مرشح للسفر عبر الزمن عند درجة قريبة من الصفر وبشكل فوري طبعاً، دون أن يؤدي ذلك إلى إلحاق التلف بجسده أو دماغه وهو ما لا يمكن تحقيقه إلى حد الآن.

هكذا، سيظل المسافر هو نفسه على مر الزمن بعد قرن مثلاً سيتم إزالة الجليد عنه بعناية أيضا ولأن المسافر لا يتوفر على أي ذكرى بين اللحظة التي جمد فيها ولحظة عودته إلى الحياة، فإنه سيعتقد بأن (السفر) بين اللحظتين حصل بشكل فوري.

وقد تبدو لكم هذه الطريقة نصباً على المرشحين لهذا السفر، لكنها تبرز مع ذلك التباساً أخراً لما دعوناه بالسفر عبر الزمن، كما أن المسافر المتجمد ظل هو نفسه خلال مدة التجميد، فبإمكاننا الادعاء بأننا نقلناه من الحاضر إلى الماضي.

اقرأ على جوك سرعة الضوء.. هل سنسافر عبر الزمن؟

هل بإمكاننا العودة إلى الماضي؟

تصف لنا نظرية الجاذبية لدى أينشتاين Einstein، الطريقة التي تغير بها الأشياء الكثيفة، مثل الأرض أو الشمس، شكل الزمكان، ففى حالة الثقوب السوداء المتميزة بكثافتها الشديدة، يبدو تغيير الشكل قوياً بداخلها، إلى درجة أن بعض مناطق الفضاء يمكن ألا تخضع لملاحظتنا، وسنرى كيف سيكون من الطبيعى السعي إلى استخدام انحناء الزمكان لكن، لنتصور الآن زمكانا مستوياً.

لكن ما هي المشاكل في هذه الحالة التي يمكن أن يصطدم بها المسافر عبر الزمن، إذا ما منع من استعمال الجاذبية وفضاءاتها المنحنية؟

 سنجد أنفسنا إذا أردنا العودة إلى الماضي أمام المشكلة نفسها التى يواجهها السائق التائه على الطريق والذي تجاوز وجهته، فإن أراد العودة إلى عليه تغيير الاتجاه مفترق الطرق الذي فاته، يجب أو على الأقل، العودة من حيث أتى في لحظة معينة لنلاحظ بأن الأمر يختلف فى هندسة منحنية مثل هندسة الأرض.

على الرغم من كون المسألة غير مربحة اقتصاديا، في أغلب الحالات، فإن المسافر المضطر إلى التنقل فوق المساحة الكروية للأرض، بإمكانه الاستمرار في مسيرة على طول محيط الدائرة المسمى أيضا بالدائرة الكبيرة، دون تغيير لوجهته، والمرور أخيرا قرب مفترق الطرق الذي تجاوزه في المرة الأولى.

اقرأ على جوك الضوء أم الإلكترون. الضوء أولاً ثم الإلكترون

تسريع البروتونات والسفر عبر الزمن

مادام فى مقدورنا أن نسرع البروتونات لتصل سرعتها إلى 99.995% من سرعة الضوء، فإن بإمكاننا - بالمثل - أن نطلق رائد فضاء بذات السرعة.

إن المشكلة لا تعدو أن تكون مسالة تكلفة، فالبروتونات لا تزن كثيراً ومن ثم فإن تعجيلها إلى سرعات عالية غير باهظ التكاليف.

غير أن الكائن البشرى يزن قدر وزن البروتون بنحو 40 مليار مرة! وعلى ذلك فسيكون تعجيل جسمه - بمعيار الطاقة – أكثر بطبيعة الحال، يتوجب أن يخطط لسفر البشر بسرعة تقارب سرعة الضوء، بحيث نتحاشى ما قد يتعرض له الجسم البشرى من بلى وتمزق.

وعلى سبيل المثال، فلو أننا أردنا أن نتجنب أثار الإفراط فى التسارع، فيمكننا ببساطة أن نحدد هذا التسارع ليكون فى حدود 1 د (حيث د هى قيمة التسارع بالجاذبية المعتادة لنا إلى الأرض).

وبهذه القيمة من التسارع، عندما يكتسب الصاروخ سرعته، تبقى قدما رائد الفضاء منضغطتين إلى الأرضية، ومكسبتين إياه الإحساس بوزنه، نفس الإحساس الذى يشعر به وهو على سطح الأرض، وهو ما يؤكد له توفر الراحة في رحلته.

 فلنفترض أنه قد انقضى من عمر رائد الفضاء وسرعته تتزايد حتى تبلغ 99.9992% من سرعة الضوء - ست سنوات وثلاثة أسابيع، وذلك عند النقطة التي يحدث في المكان العادي، هو عثابة تغيير للسرعة مقارنة بالسرعة الأصلية.

وإذا ما أردنا العودة إلى الماضي، فإن إمكانيتنا الو حيدة هي المرور عبر سرعة تتجاوز سرعة الضوء.

أما بخصوص شيء يتحرك في الأصل بسرعة أقل من هذه الأخيرة التي نعتبرها حدا لكل سرعة، فيجب اللجوء إلى مساهمة لانهائية لطاقة لا نتوفر عليها في الطبيعة.

وفضلا عن هذا التحديد الأساس، هناك مشكلة أخرى تكشف عن نفسها عندما يخضع المرء للزيادة في السرعة التي يفرضها تغيير الوجهة بالفضاء.

لقد برهن العالم الفيزيائي الكندي وليام أونرو William Unruh، في أواسط السبعينيات من القرن الماضي، على خاصية عجيبة مفادها أننا عندما نزيد في سرعة ما فإن هذا التسريع يمنحه حرارة متناسبة زيادة السرعة التي خضع لها.

وتبقى نظرية العودة إلى الماضي محل تفكير حتى اللحظة دون إجابة قاطعة.

اقرأ على جوك السفر عبر الزمن بالنسبية الخاصة والعامة

اينشتاين والزمان وسرعة الضوء

تأكدت نبوءة أينشتاين بتباطؤ مرور الزمن بالنسبة للأجسام المتحركة بالتجارب العملية عدة مرات. وكان أحد هذه المشاهدات تحلل الميونات المتحركة بسرعات عالية، والميونات هى جسيمات أولية (اكتشفت عام ١٩٣٧) يزن الواحد منها حوالى وزن البروتون، وهى غير مستقرة، حيث تتحلل إلى جسيمات أولية ذات وزن أقل.

انك إذا راقبت حزمة من الميونات فى المختبر.. ستجد أن نصفها فقط يبقى بعد مرور جزأين من مليون جزء من الثانية.

على أن الميونات التى تتخلق من وابل الأشعة الكونية تنهمر فى الأجزاء العليا من الغلاف الجوى، وتنتقل بسرعة تعادل على وجه التقريب سرعة الضوء. ويلاحظ عدم انحلال هذه الميونات - وهى فى طريقها إلى سطح الأرض - بنفس السرعة التى تتحلل بها الميونات فى المختبر، وهو ما يتطابق مع تنبؤات أينشتاين.

وفى عام ١٩٧١ شاهد الفيزيائيان جو هافيل hafele Joe وريتشارد كيتنج الأجسام المتحركة عندما أخذا ساعات ذرية بالغة Keating ard Rich تباطؤ الزمن مع الدقة فى رحلة على متن طائرة متجهة إلى الشرق حول الأرض، ذلك الاتجاه الذى يضيف إلى سرعة الطائرة، سرعة دوران الكرة الأرضية الخطية.

لاحظ العالمان لدى عودتهما أن ساعاتهما الذرية قد أخرت (تباطأت) قليلا بمقدار 59 نانو ثانية.

بالنسبة للساعات على سطح الأرض فقد توافقت هذه الملاحظة مع نبوءات أينشتاين، (فبسبب دوران الأرض، تدور أرضية المعمل هى الأخرى.. ولكن ليس بنفس سرعة الطائرة وبالتالى تباطأت الساعات التى على سطح الأرض بمعدل أقل من تباطؤ الساعات على الطائرة).

بدأ أينشتاين التفكير فى طبيعة الزمن وعلاقته بسرعة الضوء وهو مازال في مقتبل العمر، فتخيل لو أنه بدأ الطيران عند الظهيرة بعيدا عن ساعة ميدان المدينة الكبيرة بسرعة الضوء ونظر خلفه إلى الساعة، فسيبدو له أن الساعة متوقفة، لأنه يطير بنفس سرعة الضوء القادم إليه من الساعة التى مازالت تشير إلى وقت الظهيرة.

هل يتوقف الزمن حقيقة بالنسبة لشخص يطير بسرعة الضوء! تخيل أينشتاين أنه ينظر إلى حزمة الضوء التى كان يطير معها بنفس سرعتها. لابد وأنها ستبدو له كموجة غير متحركة من الطاقة الكهرومغناطيسية، طالما أنه لم يكن متحركا بالنسبة لها.

ولكن وجود مثل هذه الموجة الساكنة لا تقره نظرية ماكسويل فى الكهرومغناطيسية.. تلك النظرية وطيدة الأركان، فلابد وأن ثمة خطا ما .. هذا ما توصل إليه أينشتاين! كانت لديه هذه الأفكار فى عام ١٨٩٦ وهو فى السابعة عشرة من عمره. وستمر تسع سنوات أخرى قبل أن يضع يده على موضع الخطأ.

ولم يكن الحل الذى توصل إليه إلا ثورة كبرى فى علم الفيزياء.. ثورة فى مفاهيمنا عن الزمان والمكان.

اقرأ على جوك حلم السفر عبر الزمن

الصواريخ وسرعة الضوء 

لماذا لا يمكن للصواريخ أن تتجاوز سرعتها سرعة الضوء؟

لو أننا افترضنا سفرنا على متن صاروخ رائد فضائى بسرعة تتجاوز سرعة الضوء، فلن يكون لشعاع ضوئى.. يرسله الرائد إلى الأمام أن يلحق البتة بمقدمة الصاروخ، حيث إن هذه المقدمة ستكون سابقة للشعاع ومتحركة بسرعة تتجاوز سرعته، وأى رياضى ألعاب قوى يدرك جيدا استحالة اللحاق بآخر متقدم عنه يعدو بسرعة تتجاوز سرعته هو.

وستكون رحلة رائد الفضاء متناهية الغرابة، إذ إنه سيطلق الشعاع الضوئى موجها إياه نحو مقدمة الصاروخ ولكنه أبدا لن يرى وصول الشعاع، بعكس ما يرصده شخص على الأرض، وعلاوة على إحساسه بأنه غير متحرك، يدرك رائد الفضاء أنه فى حالة حركة، وهو ما يتعارض مع المسلمة الأولى.

وبناء على ذلك فقد خلص أينشتاين إلى أنه ما من شىء يمكن أن تتعدى سرعته سرعة الضوء.

وبذا اكتشف حدا أقصى للسرعة فى الكون.. إنها سرعة الضوء.. شىء مدون فى بنية الكون، وكذا فى الكهرباء الديناميكية.

يستخلص هذا الحد الأعلى للسرعة مباشرة من مسلمتى أينشتاين... هاتين المسلمتين اللتين نثق بهما، حيث تأكد العديد من النتائج المستنتجة منهما. إننا نعجل البروتونات فى أعظم مسارعات الجسيمات ونجتهد فى زيادة سرعتها، راصدين دنو هذه السرعة من سرعة الضوء وإن كانت لا تبلغها البتة - تماما مثلما تنبأ أينشتاين.

إن معادلة أينشتاين ط ك س٢ (حيث ط هى الطاقة وك هى الكتلة، س) هي مربع سرعة الضوء هى نتيجة أخرى برهن عليها أينشتاين استنادا إلى مسلمتيه، ومن ثم فإن فقدان قدر ضئيل من الكتلة يصحبه انطلاق كمية هائلة من الطاقة، وعندما تنفجر قنبلة ذرية فإن قدرا يسيرا من المادة يتحول إلى كمية طاقة هائلة، وتؤدى القنبلة عملها، وهكذا تتأكد صحة المسلمتين، وليس لنا أن نتوقع مشاهدة رائد فضاء يطير بسرعة تتخطى سرعة الضوء.

ألة زمان وأنت فى بيتك

فى قصة هـ.ج. ويلز "آلة الزمن" لم يصعد المسافر عبر الزمن على متن صاروخ فيشعل وقوده وينطلق بين النجوم، وإنما سافر إلى المستقبل بمجرد الجلوس داخل آلة زمانه دون أن يبرح منزله. إن مثل هذه الآلة أيضا ممكنة.

بادئ ذى بدء، فكك كوكب المشترى ، واستعمل مادته لتشيد حول نفسك قشرة كروية بالغة الكثافة بما يفوق التصور وذات قطر يزيد قليلا عن القطر الحرج الذى تحتاجه هذه الكتلة من المادة كى تنهار فى صورة ثقب أسود (لقشرة كروية لها كتلة المشترى، يصل هذا القطر إلى ٥.٦٤ من المتر وهو ما يتيح لك الجلوس فى حجرة مريحة من الطريف أن نيوتن قد بين كيف أن قشرة كروية من المادة لن تؤثر جاذبيتها على من يجلس بداخلها، وهي نفس النتيجة التى تصل إليها نظرية أينشتاين للجاذبية هي الأخرى. فمادة القشرة تحيط بك من كل الجهات وبالتالى تعمل قوى جذب أجزائها المختلفة فى مختلف الاتجاهات بحيث تعادل بعضها البعض بالضبط، وتنعدم محصلة تأثيرها تماماً.

لذا ورغم كتلة القشرة الضخمة، فإن تواجدك بداخلها يضمن لك الأمان، إذ يبطل مفعول الجاذبية عليك وينجيك من شر التمزق إرباً إرباً لو أنك جلست خارجها أو بالقرب منها  (نتيجة القوى المدية tidal العارمة التى تولدها الجاذبية).

وفى نظرية أينشتاين للجاذبية تنتج القوى المدية بتقوس الزمكان وانحنائه وانفتاله Warping وخارج آلة الزمن ينحنى الزمكان ويتقوس بشكل دراماتيكى، أما بداخلها - حيث لا قوى – فإنه يكون مستويا.

وحتى يصل الشخص إلى داخل ألة الزمن دون التعرض لخطر الموت، فلابد له من بناء قشرة كروية هائلة الضخامة (تضاهى فى حجمها كوكب المشترى) فى بطء حتى يقلل إلى الحد الأدنى - من تأثير القوى المدية عليه خلال عملية البناء هذه.

الميكانيكا الكوانطية والتنقل في الزمن

هل تسمح الميكانيكا الكوانطية بالتنقل في الزمن؟

لنتصور الآن نموذجاً للسفر عبر الزمن مؤلفات الخيال العلمي، وهو الأكثر شيوعاً بدون شك إن المركبة الزمكانية المشهورة بفضل حلقات مسلسل رحلة النجوم Star Treck، تستخدم كثيراً وتستقبل الموضوع الحي أو الجامد فوق الأرضية، حيث يضغط التقني على زر أو على أي آلية أخرى ليجد الموضوع نفسه منقولا على الفور إلى زمن أخر، ماض أو مستقبلي، بقفزة فجائية دون تمهيد.

فهل تعارض الفيزياء وقوع هذا النوع من السفر عبر الزمن؟

سنرى بعد قليل كيف أن هذا الانتقال ممكن التحقق إلى حد كبير، نظرياً على الأقل.

سيبدوا هذا النقاش مجرد لعب بالكلمات والمفاهيم، ما دامت مادة معقدة مثل الكائن البشري، لا يمكنها أن تنسخ Photocopié ولا أن تستنسخ Cloné ذرة تلو الذرة، قبل أن يعاد تكوينها في مكان مخالف للمكان الذي وجد به الكائن الإنساني الأصلي.

وعندما نتلفظ بكلمة استنساخ Clonage، فإننا نلاحظ بأن حدود مضاعفة الأشياء المادية، قد اتسعت لتشمل الكائن الإنساني تقريباً، بالانطلاق من جزء من الحمض النووي DNA، مأخوذ من جذر شعرة مثلا، يمكن مبدئيا تكوين كائن إنساني من جديد.

وإن بالمجتمع العلمي المتقدم يتم العمل على إقامة مستعمرات بعد عدة سنوات ضوئية، دون أن البشرية ستواجه بعض المشاكل في هذه المستعمرات التي على بعد سنين ضوئية وذلك من خلال التعرض للسرطان بفعل الأشعة الكونية التي ستغمرهم خلال سفرهم الفضائي، ستجد البشرية الحل في نقل بعض الخلايا التي تسمح باستنساخ بعض الأصناف البشرية وتشكيلها ثانية عند نهاية السفر.

وهناك حل أفضل تفاديا لتأثر هذه الخلايا رغم صغر حجمها، بالأشعة الكونية (علما بأن هذه الأشعة تشكل معضلة حقيقية ابتداء من السفر نحو المريخ) فيمكن بذل نقل الخلايا ذاتها والقيام فقط بوصفها الذري.

استنساخ البشر والسفر عبر الزمن

سيُسمحُ لبرنامج بناء ذري للآلة الخاصة بالتركيب الحيوي لجزء من المليار Nano Biosynthétiseur، في المستقبل القريب الذي يمكن تخيله، بإعادة تكوين الخلايا الأساسية التي ستستنسخ فيما طبعا لن يكون الكائن الإنساني المستنسخ الذي أعيد تكوينه نسخة مطابقة للأصل عند بلوغ سن الرشد؛ فذاكرته ستكون فارغة من كل التجارب والذكريات المتراكمة لدى نموذجه، خلال كل فترات حياته.

ويبدو أننا وصلنا هنا إلى طريق مسدود فلقد بينا أمراً غير متوقعاً، مفاده أن وصف الشيء المادي بدل استحضاره كلية، يمكن أن يسمح بتنقله ثم بإعادة تكوينه وبمعنى أخر بخلقه من جديد في لحظة أخرى ستكون هي اللحظة المستقبلية.

لكن، بما أننا لا نعرف كيفية إعادة بناء دماغ الفرد بشكل دقيق، فإن عملية استنساخه تكتسي أهمية محدودة الآن.

طبعاً يمكننا فضلا عن هذا نقل كل المعلومات من دروس وصور وأفلام... إلخ التي قد تصل إلى الكائن الراشد القادر إلى حد ما.

وقد قام الفيزيائي البريطاي روجر بنروز Roger Penrose الذي تصور نقل شخص من الأرض إلى المريخ، في إطار رحلات بين الكواكب، بطرح السؤال حول معرفة ما إذا كان من اللازم، بعد إنجاز النسخة إزالة أو عدم إزالة الأصل المتبقي على الأرض.

وكيفما كان الحال، فلا أحد منا سيرغب في أن يلتقي عند عودته من مهمة بالمريخ، بنسخته وهي تتجول على الأرض، وتقدم الميكانيكا الكوانطية مبرراً لهذا الموت الرحيم Euthanasie الذي يتمنى العلماء أن يكون بلا ألم.

يتمثل المبرر في أن الفرد الأصل الذي بقي فوق الأرض، بعد تحقق التنقل على المريخ، سيكون قد خضع بالضرورة للتعديل أثناء عملية نسخه ذلك أن بمجرد القيام بشيء ما، يغير من حالته الكوانطية.

وتبرز لنا هذه الدراسة المقتضبة للتنقل الكوانطي، مظهراً جديداً للسفر عبر الزمن، وهو أن الشيء المادي يمكن أن يختزل داخل وصفه الكوانطي.

ويسمح هذا الوصف من حيث المبدأ، بإعادة بنائه شريطة أن نعرف كيف نخزن هذه المعلومة المعقدة خلال السفر.

هكذا، فإن باستطاعتنا مبدئيا على الأقل، تخيل إمكانية الحفاظ على المعلومة المتعلقة بالأفراد الذين تم نسخهم Copiés وخلقهم من جديد في المكان والزمان اللذين نبتغيهما مستقبلا.

وسيشعر هؤلاء الأفراد الذين أعيد تكوينهم، إذا ما كانت إعادة التكوين هاته غير مؤلم، بأنهم انتقلوا فورا من نقطة إلى أخرى بالزمكان.

الثقوب الدودية والزمكان

لا يسمح التنقل الكوانطي الذي قمنا بوصفه، سوى بنسخ الشيء وإعادة بنائه في المستقبل وليس فى الماضي. وفضلا عن ذلك، فقد رأينا عموماً كيف أن عملية إرجاع شخص إلى الماضي، يفترض فيه أنه ثابت ومعروف وحر في تصرفاته، تبدو

متناقضة نوعا ما، فإذا كان بإمكاننا تحويل الماضي، فإن الطبيعة وكذلك آخرين غيرنا، سيتمكنون أيضاً من القيام بذلك.

لكن الرغبة في العودة إلى ماض وحيد ومحدد تبدو متناقضة مع الحرية التي نريدها لأنفسنا.

ومع ذلك، فإن نظرية النسبية لدى أينشتاين، تقترح علينا على ما يبدو أبوابا بالمكان والزمن، شبيهة بالأبواب المتخيلة من قبل دان سيمونز Dan Simmons فى روايته الأسطورية بعنوان هيبريون Hypérion (1989): فلكي يحصل التنقل عبر العوالم المتعددة للإمبراطورية، تم بناء شبكة من الأبواب Distrans، تسمح بالمرور فوراً من عالم إلى أخر، وللوهلة الأولى، لا نرى أية علاقة بين هذا السفر الفوري عبر المكان والسفر عبر الزمن.

وفي الحقيقة، وكما اكتشف العالم الفيزيائي كيب طورن Kip Thorne ذلك من جديد، فإن هذين الجانبين مترابطان بشكل وثيق.

وقد ظهر اهتمام هذا العالم كيب طورن Kip Thorneبالمسألة المذكورة، في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، عندما طلب منه زميله كارل ساغان Karl Sagan وهو أيضا عالم فيزيائي ومختص في تبسيط القضايا العلمية، إبراز ما إذا كانت قوانين الفيزياء تسمح ببناء أبواب شبيهة بتلك التي تصورها دان سيمونز، بحيث يمكن بعد اجتياز عتبتها مثلا بالاهتداء إلى كوكب مأهول قريب من نجمة فيغا  Vegaوكان كيب طورن يعلم طبعاً بأن الثقوب السوداء، التي هي عبارة عن آبار عميقة بشكل لامتناه في الزمكان، تحدث التواءات كبيرة بداخله.

فهل سيكون من الممكن استعمال هذه الأشياء السماوية أو غيرها من الأشياء التي لم تخطر على بالنا بعد لبناء الممر الخاطف الذي يسمح بالتوجه إلى الأكوان في لحظة؟

المادة المضادة والعودة بالزمن

هل المادة المضادة هي التي عادت إلى الزمن الماضي؟

يسمح لنا مفهوم المادة المضادة بالتقدم أكثر في فهمنا للسفر عبر الزمن الماضي ولمفارقاته الظاهرة.

ونريد الآن العودة إلى الثلاثينيات من القرن العشرين؛ فقد كان بول ديراك Dirac Paul أول من أدرك بأن مقابل عالمنا المادي يوجد عالم مرآة Monde miroir وهو عالم المادة المضادة.

ويجب العلم أن الإلكترون يقابله مضاد للإلكترون anti electroné يسمى اليوم بالبورترون positron ويظهر هذا الأخير في النظرية الكوانطة بوصفه شيئاً ذا شحنة وكتلة معارضتين لشحنة وكتلة الإلكترون.

وبالرغم من كون ديراك هو من لاحظ ذلك، فإن العالمين الفيزيائيين الأمريكيين جون ويلر John Wheeler وريتشارد فينمان Feynman Richard، هما اللذان بينا بأن البورترون يبدو فعلاً داخل النظرية الكوانطية حول المجال الكهرومغناطيسي، بمثابة إلكترون عائد إلى الماضي.

والمشكل المطروح هو: إذا كان البروزترون والإلكترون يتطوران في الفضاء نفسه، فكيف نفهم بأن الإلكترون يتوفر على معنى الزمن نفسه الذي لدينا، في حين أن البورترون الموجود بجانبه يتوفر على معنى معارض للأول؟

لكن من الممكن في إطار نظرية الجاذبية، أن نفهم كيف يتعايش هذان المعنيان للزمن، لأن هذه النظرية غالباً ما تأخذ بعين الاعتبار من مكانين مختلفين.

في أواخر الستينيات من القرن العشرين، درس العالم الفيزيائى البريطاني براندون كارثر Brandon Carter بكمبريدج Cambridge، الحلول التي اكتشفها العالمان الرياضيان روي كير Kerr Roy وعزرا نيو من Newman Ezra، من بضع سنوات لقد سمحت هذه الاكتشافات بعرض جزيء أولى كالالكترون مثلاً، على شكل ثقب أسود صغير يمتلك نفس خصائص الكتلة والشحنة الكهربائية واللحظة الحركية وهي باختصار حركة الدوران الداخلي.

ولاحظ كارتر بأن هذا «الإلكترون أو الثقب الأسود» يمتلك بمجموعة من الخصائص المدهشة، فمن جهة لم يكن الثقب الأسود حقيقياً، بل كان قريبا من الثقب الدودي، وما دام لا يتملك أي منطقة للاعودة retour— Non نكون على يقين بأننا سنتحطم فوقها إذا ما حاولنا تجاوزها من جهة أخرى، تفرض حركة الدوران الداخلي للإلكترون شكل البنصر على «الثقب الدودي الإلكتروني».

وهناك أمر مدهش آخر وهو أن الحقل المغناطيسي الذي أنتجه هذا الإلكترون في دورانه هو الملاحظ لدى الإلكترونات الحقيقية.

وقوته هي ضعف قوة الحقل المغناطيسي الذي تتوقعه النظرية الكلاسيكية غير المهتمة بالجاذبية من الأساس.

لذا تظل نظرية الثقب الأسود والانقال عبر الزمان هي نظرية قائمة بذاتها ويمكن القول انها ليست محل تأكيد تام أو رفض مطلق حتى اللحظة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة