السعودية في معرض موسكو للكتاب 2026: رسالة الثقافة للجمهور الروسي

حين تدخل دولة إلى معرض دولي للكتاب، فإنها لا تدخل إليه بالكتب وحدها، حتى لو كانت الكتب هي أكثر ما يراه الزائر في الواجهة، فالجناح الثقافي في مثل هذه المناسبات يتحول إلى صورة مصغرة عن الطريقة التي تريد بها الدولة أن تُقرأ خارج حدودها، وما تختاره من كتب ومؤسسات وموضوعات وأسماء ليس مجرد ترتيب للعرض، وإنما رسالة عن الثقافة التي تريد تقديمها وعن الأسئلة التي ترى أنها تستحق أن تُطرح أمام جمهور جديد.

من هذه الزاوية يمكن قراءة المشاركة السعودية في الدورة التاسعة والثلاثين من معرض موسكو الدولي للكتاب، التي أقيمت في العاصمة الروسية من 2 إلى 6 سبتمبر 2026، بقيادة هيئة الأدب والنشر والترجمة، وبمشاركة مجموعة من المؤسسات الثقافية والمعرفية السعودية، في معرض جمع أكثر من 300 دار نشر، وقدم برنامجًا دوليًا واسعًا، وجعل من مستقبل صناعة الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي والتعاون الدولي في مجال النشر أحد موضوعاته الرئيسية.

المشهد هنا لا يتعلق إذن ببلد يرسل كتبه إلى الخارج فقط، وإنما بقطاع ثقافي كامل يحاول أن يختبر موقعه في فضاء دولي مختلف، فالسؤال الذي تطرحه المشاركة السعودية بصورة غير مباشرة ليس فقط ماذا نملك من كتب، وإنما كيف يمكن لهذه الكتب أن تدخل في دورة ثقافية جديدة، ومن هو القارئ الذي ستصل إليه، ومن سيترجمها، ومن سينشرها، وما الذي يمكن أن ينشأ بين المؤسسات السعودية والروسية بعد أن تنتهي أيام المعرض؟

لماذا موسكو؟

اختيار موسكو يحمل خصوصية لا توفرها كل المعارض الدولية، فروسيا تمتلك تقليدًا أدبيًا شديد الحضور في الذاكرة العالمية، ولها منظومة نشر ومكتبات ومؤسسات أكاديمية ومهرجانات وقراء تربوا على الرواية والشعر والمسرح بوصفها جزءًا أساسيًا من الحياة الثقافية، ولذلك فإن تقديم الأدب السعودي أمام الجمهور الروسي يعني وضع تجربة أدبية حديثة نسبيًا في سوق ثقافي له ذاكرة طويلة ومكتملة الملامح.

والعلاقة الأدبية بين السعودية وروسيا ليست وليدة معرض 2026، فقد شهدت عقودًا سابقة من الترجمات والأعمال التعريفية بالأدب السعودي، ومن بين المحطات التي تُذكر ترجمة رواية «ثمن التضحية» لحامد دمنهوري إلى الروسية عام 1966، ثم صدور أنطولوجيا «خلف الكثبان» في موسكو عام 2009، التي قدمت نماذج من الشعر والنثر والمسرح السعودي للقارئ الروسي، كما شهد معرض موسكو نفسه مشاركة سعودية في سنوات سابقة، من بينها مشاركة موثقة عام 2005 ضمت جهات تعليمية وثقافية سعودية، وعرضت مطبوعات في مجالات علمية وفنية إلى جانب ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الروسية.

هذا التاريخ يجعل مشاركة 2026 حلقة جديدة في علاقة ثقافية قائمة بالفعل، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن هناك مساحة واسعة لمزيد من التعارف، لأن معرفة القارئ الروسي بالأدب السعودي لا تزال أقل من معرفة القارئ العربي بالأدب الروسي، وهو تفاوت طبيعي نشأ من قوة حضور الأدب الروسي في الترجمة العربية خلال القرن العشرين، لكنه يضع الأدب السعودي اليوم أمام فرصة مختلفة، هي أن ينتقل من مرحلة التعريف المحدود إلى مرحلة الحضور المستمر.

رواية «ثمن التضحية» لحامد دمنهوري ترجمت إلى الروسية عام 1966

ماذا عرضت السعودية؟

قادت هيئة الأدب والنشر والترجمة الجناح السعودي، وشاركت إلى جانبها مكتبة الملك فهد الوطنية، ومكتبة الملك عبد العزيز العامة، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ودارة الملك عبد العزيز، ووزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، ومجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ومركز الملك عبد العزيز للتواصل الحضاري، والملحقية الثقافية السعودية في تركيا، وجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، ومركز الأمير محمد بن سلمان للخط العربي، إلى جانب جهات أخرى مرتبطة بصناعة النشر، وهو تنوع يكشف أن الحضور السعودي لم يُبنَ حول الأدب وحده، وإنما حول منظومة كاملة من الكتاب والمعرفة والذاكرة والتراث والمؤسسات التعليمية والثقافية.

وهذه ربما واحدة من أكثر النقاط دلالة في المشاركة، لأن الزائر لا يجد أمامه صورة واحدة للثقافة السعودية، بل عدة مداخل إليها، فمن يريد الأدب يجد الكتب والمبدعين، ومن يهتم بالتاريخ يجد الدارة، ومن يبحث عن المخطوطات والكتب يجد المكتبات، ومن يهتم باللغة والخط يجد المؤسسات المتخصصة، ومن ينظر إلى الكتاب باعتباره منتجًا معرفيًا يجد الجامعة والناشر.

بهذا المعنى يتحول الجناح إلى خريطة مصغرة، لا إلى رف كبير للكتب.

من الأدب إلى الذاكرة

وجود دارة الملك عبد العزيز والمكتبات الوطنية والعامة إلى جوار هيئة الأدب والنشر والترجمة يلفت النظر إلى علاقة أخرى بين الكتاب والذاكرة، فالكتاب لا يعيش فقط عندما يُكتب، وإنما يعيش أيضًا عندما يُحفظ ويُفهرس ويُتاح للباحثين والقراء، ولذلك فإن تقديم المؤسسات التي تحفظ الوثائق والتراث إلى جمهور أجنبي يضيف إلى المشاركة بعدًا يتجاوز الأدب المعاصر.

وهذا مهم بصفة خاصة في حالة السعودية، لأن جزءًا كبيرًا من الصورة الخارجية عنها ظل مرتبطًا بتاريخ الجزيرة العربية وتراثها الديني والاجتماعي، بينما تتجه الثقافة السعودية الحديثة إلى تقديم الماضي باعتباره أحد مكونات الحاضر وليس بديلًا عنه، فتظهر المكتبة إلى جانب الرواية، والأرشيف إلى جانب الشعر، والخط العربي إلى جانب النشر الحديث.

إنها محاولة لتقديم الثقافة باعتبارها سلسلة متصلة، لا مجموعة جزر منفصلة.

الأدب السعودي أمام القارئ الروسي

لكن وجود الكتاب على الرف لا يعني أن القارئ الأجنبي قرأه، وهذه هي النقطة التي تبدأ عندها الصعوبة الحقيقية.

فالكاتب السعودي يكتب بالعربية، بينما القارئ الروسي يحتاج إلى الروسية، وبين اللغتين لا توجد عملية نقل كلمات فقط، وإنما انتقال عالم كامل من العادات والإشارات والمرجعيات والمجازات والتاريخ واللغة اليومية، وقد تبدو كلمة بسيطة في النص العربي محملة بإيحاءات لا تظهر إذا ترجمت حرفيًا، كما أن الإيقاع الشعري أو الحوار باللهجة المحلية يمكن أن يفقد شيئًا من طبيعته إذا نُقل دون معرفة عميقة بالثقافتين.

لهذا تصبح الترجمة الأدبية واحدة من أكثر الملفات حساسية في أي محاولة لنقل الأدب السعودي إلى روسيا، وليس المقصود هنا ترجمة كتاب واحد لمناسبة واحدة، وإنما بناء معرفة تراكمية تجعل القارئ الروسي قادرًا على متابعة أكثر من كاتب وأكثر من جيل وأكثر من نوع أدبي.

وقد حمل البرنامج المصاحب للمشاركة السعودية جلسات تتناول الأدب والنشر والترجمة، إلى جانب أمسيات شعرية ولقاءات مع كتاب ومثقفين سعوديين، بما يؤكد أن الهدف لم يكن عرض النصوص فقط، وإنما فتح حوار حولها.

لماذا لا تكفي الترجمة وحدها؟

حتى لو تُرجم الكتاب، فإنه لا يضمن تلقائيًا الوصول إلى القارئ، لأن هناك سلسلة أخرى تبدأ بعد انتهاء عمل المترجم: الناشر الذي يقرر إصدار الكتاب، والمحرر الذي يتعامل معه، والموزع الذي يوصله إلى المكتبات، والناقد الذي يكتب عنه، والجامعة أو النادي الأدبي الذي يمكن أن يقدمه إلى قراء جدد.

وهنا تتغير وظيفة المعرض الدولي، فهو ليس مكتبة مؤقتة فقط، بل مساحة للقاء بين هذه الأطراف، ولذلك فإن قيمة المشاركة المهنية لا تظهر كلها أمام الجمهور، وقد تكون بعض أهم نتائجها في اجتماعات لا تُلتقط لها الصور، حين يتحدث ناشر عن حقوق ترجمة، أو يناقش مترجم مشروعًا مع مؤسسة ثقافية، أو يتعرف كاتب إلى دار نشر يمكن أن تصدر عمله في سوق جديدة.

وموقع معرض موسكو نفسه يصف المعرض بأنه مساحة تجمع الناشرين والكتاب والوكلاء الأدبيين والمترجمين والمؤسسات الثقافية، كما يضع التعاون الدولي والنشر وحقوق الأعمال ضمن مجالات عمله، وهو ما يوضح أن المعرض ليس حدثًا جماهيريًا فقط، وإنما سوق مهنية للكتاب أيضًا.

الشعر في مواجهة لغة أخرى

أما الشعر، فله حكاية مختلفة، لأن القصيدة لا تحمل المعنى وحده، وإنما تحمل صوتًا وإيقاعًا وصورة ومسافة بين الكلمات، ولذلك فإن نقلها إلى لغة أخرى يحتاج إلى مترجم قادر على أن يكون قريبًا من الشاعر ومن اللغة الجديدة في الوقت نفسه.

وجود الأمسيات الشعرية السعودية في البرنامج الثقافي يفتح هذا الباب، فالقصيدة عندما تُلقى أمام جمهور روسي تصبح اختبارًا مختلفًا عن وجودها في كتاب عربي، لأنها تدخل مباشرة في علاقة مع المستمع، ويمكن أن تثير فضوله حتى قبل أن يعرف كل تفاصيل معناها.

وهنا يمكن للترجمة أن تأتي لاحقًا بوصفها استمرارًا للقاء لا بديلًا عنه، فإذا سمع القارئ اسم شاعر أو تعرف إلى تجربة شعرية ثم وجد أعمالها مترجمة، تصبح احتمالات استمرار العلاقة أكبر.

الجامعة تدخل على خط الكتاب

ومن اللافت كذلك أن المشاركة لم تفصل الأدب عن المعرفة الأكاديمية، فقد شاركت جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن ضمن الجهات السعودية، وهو ما يوسع تعريف الكتاب الذي تحمله المملكة إلى الخارج، فالكتاب الجامعي والبحث العلمي وكتب الفنون والعلوم الإنسانية لا تقل أهمية في بناء صورة معرفية عن المجتمع عن الرواية والديوان.

وهذه النقطة تهم أي دولة تريد أن تقدم نفسها ثقافيًا خارج حدودها، لأن الثقافة الحديثة لا تختصر في الأدب الإبداعي، وإنما تشمل إنتاج المعرفة وتدريسها وحفظها ونشرها، وكلما اتسعت صورة الكتاب الذي تقدمه الدولة، أصبحت صورتها الثقافية أقل اعتمادًا على القوالب الجاهزة.

الخط العربي.. حين تصبح الكتابة نفسها ثقافة

وجود مركز الأمير محمد بن سلمان للخط العربي يضيف طبقة أخرى للمشاركة، لأن الخط العربي لا يقدم نصًا فقط، وإنما يقدم شكل الكتابة باعتباره فنًا له تاريخ وجماليات وتقنيات.

وفي معرض دولي للكتاب، يصبح حضور الخط ذا معنى خاص، لأن الكتاب نفسه هو العلاقة بين اللغة والشكل، وبين ما يُقرأ وما يُرى، ومن هنا يمكن للخط أن يؤدي وظيفة ثقافية مختلفة عن الرواية أو الشعر، فهو لا يحتاج دائمًا إلى ترجمة كي يلفت الانتباه، لأن جمالياته البصرية تستطيع أن تبدأ الحوار قبل أن يقرأ الزائر الكلمات.

ماذا تقول السعودية عن صناعة النشر؟

إذا كان الأدب هو المحتوى، فإن النشر هو البنية التي تسمح لهذا المحتوى بأن يتحرك، والمشاركة السعودية تأتي ضمن نشاط أوسع لهيئة الأدب والنشر والترجمة في المعارض الدولية خلال 2026، فقد ظهرت السعودية كذلك في معارض دولية أخرى، من بينها معرض لندن ومعرض بولونيا ومعرض الرباط ومعرض الدوحة، بما يجعل المشاركة في موسكو جزءًا من حركة أوسع لتوسيع حضور صناعة الكتاب السعودية خارج المملكة.

لكن المهم هنا ألا تُقرأ كثرة المشاركات باعتبارها هدفًا في حد ذاته، لأن حضور الجناح في 10 معارض لا يساوي بالضرورة حضور الكتاب السعودي في عشرة أسواق، الفارق الحقيقي يظهر عندما يتحول الوجود المؤسسي إلى حقوق نشر وترجمة وتوزيع وقراءة.

وهذه النقلة من «المشاركة» إلى «الصناعة» هي واحدة من أهم الأسئلة التي تواجه الكتاب السعودي في مرحلته الجديدة.

تجربة أدب الطفل مثال مهم

ومن المفيد النظر إلى تجربة السعودية في ترجمة أدب الطفل لفهم ما يمكن أن يعنيه الانتقال من المشاركة إلى بناء حضور دولي مستمر، فقد أعلنت هيئة الأدب والنشر والترجمة في معرض بولونيا الدولي للكتاب 2026 أن مبادرة «ترجم» دعمت ترجمة أكثر من 460 كتابًا للأطفال واليافعين، وأن 53 قصة أطفال سعودية تُرجمت إلى 8 لغات، وهي أرقام تشير إلى أن الترجمة يمكن أن تتحول من نشاط متفرق إلى مشروع مؤسسي طويل المدى.

هذه التجربة لا تعني أن الطريق إلى القارئ الروسي أصبح مفتوحًا تلقائيًا، لكنها تقدم نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تصبح الترجمة جزءًا من سياسة نشر مستمرة، فالكتاب لا ينتظر مترجمًا يصادفه بالصدفة، وإنما يدخل ضمن منظومة تبحث عن إمكانات وصوله إلى لغات وأسواق جديدة.

الذكاء الاصطناعي يدخل معرض الكتاب

هناك مفارقة لافتة في مشاركة السعودية في موسكو، وهي أنها جاءت في معرض يجعل الذكاء الاصطناعي أحد الأسئلة الرئيسية حول مستقبل النشر، في الوقت الذي تحاول فيه المملكة توسيع قطاع الأدب والنشر والترجمة.

فالذكاء الاصطناعي يغير بالفعل طريقة البحث والتحرير والترجمة والتوزيع والوصول إلى القارئ، لكنه في الأدب يطرح أسئلة أكثر تعقيدًا: من صاحب النص؟ وكيف نحمي حقوق الكاتب؟ وما حدود استخدام الآلة في الترجمة؟ وكيف نضمن ألا يتحول النص المترجم إلى نسخة صحيحة لغويًا لكنها فاقدة لصوته وثقافته؟

وهذه الأسئلة تهم الأدب السعودي بصفة خاصة عندما يريد الانتقال إلى لغات جديدة، لأن استخدام أدوات الترجمة الآلية يمكن أن يسرع عملية الوصول، لكنه لا يلغي الحاجة إلى المترجم الأدبي الذي يفهم السياق والثقافة والإيقاع، وربما يصبح التحدي في السنوات المقبلة هو إيجاد التوازن بين سرعة التكنولوجيا وخبرة الإنسان.

وكانت قضايا ترجمة الثقافات والذكاء الاصطناعي حاضرة بالفعل في مشاركة سعودية سابقة بموسكو عام 2025 من خلال كرسي اليونسكو لترجمة الثقافات في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ما يشير إلى أن هذا السؤال ليس طارئًا على الحضور السعودي في روسيا، بل بدأ يأخذ موقعًا داخل الحوار الثقافي نفسه.

من قراءة روسيا إلى أن تُقرأ السعودية

هناك مفارقة ثقافية تستحق التوقف عندها، فالقارئ العربي يعرف الأدب الروسي معرفة واسعة، وأسماء مثل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وبوشكين وغوغول أصبحت جزءًا من الذاكرة الأدبية العربية، بينما ما زال الأدب السعودي أمام مساحة كبيرة حتى يصبح بالدرجة نفسها من الحضور لدى القارئ الروسي.

وهذا لا يعني أن المطلوب هو منافسة الأدب الروسي داخل روسيا، ولا أن الكتاب السعودي يحتاج إلى أن يتخلى عن خصوصيته كي يكون مفهومًا في الخارج، وإنما يحتاج إلى ترجمة جيدة وتقديم ذكي وشبكة نشر قادرة على منحه فرصة حقيقية.

فالكاتب لا يستطيع أن يطلب من القارئ الروسي أن يصبح عربيًا حتى يفهمه، كما أن القارئ الروسي ليس مطالبًا بأن يعرف تفاصيل المجتمع السعودي قبل أن يفتح الرواية، وظيفة الترجمة والنشر والنقد أن تصنع المنطقة المشتركة التي تسمح للطرفين باللقاء.

موسكو ليست النهاية

الأهم في أي مشاركة دولية هو ما يحدث بعدها.

يمكن أن ينتهي المعرض في السادس من سبتمبر، ويعود الجناح إلى ذاكرة الصور والتغطيات، لكن الكتاب يستطيع أن يبدأ رحلته الحقيقية بعد ذلك، عندما تظهر ترجمة جديدة، أو عقد نشر، أو تعاون بين جامعة ومؤسسة ثقافية، أو زيارة كاتب، أو مشروع بحثي، أو كتاب سعودي في مكتبة روسية.

ولهذا فإن الحكم على المشاركة لا يحتاج إلى استعجال، لأن بعض نتائج المعارض لا تظهر أثناء المعرض نفسه، وإنما بعد شهور وربما سنوات.

وهنا تصبح موسكو بالنسبة إلى الكتاب السعودي اختبارًا أكثر من كونها منصة عرض، اختبارًا لقدرة الأدب والنشر والترجمة على بناء علاقة طويلة مع ثقافة مختلفة، ولقدرة المؤسسات على تحويل اللقاءات العابرة إلى مشروعات، ولقدرة الكاتب على الوصول إلى قارئ لا يعرف اسمه مسبقًا.

الثقافة السعودية في صورة واحدة لا تكفي

ربما تكون أهم رسالة خرجت من الجناح السعودي هي أن الثقافة السعودية لا يمكن اختصارها في نوع واحد من الكتب، فقد اجتمعت في مساحة واحدة مؤسسات الأدب والنشر، والمكتبات، والتاريخ، والجامعة، والخط، والكتاب الديني، والتواصل الحضاري، وهذا التنوع يعطي صورة عن بلد يحاول أن يقدم ثقافته بوصفها حاضرًا متحركًا، لا ماضيًا محفوظًا فقط.

لكن الصورة لا تكتمل بالجناح وحده، لأن الثقافة لا تصبح دولية بمجرد عرضها أمام الأجانب، وإنما عندما تدخل في حياتهم الثقافية، في مكتباتهم، وجامعاتهم، ونوادي القراءة، وصحافتهم، وترجماتهم، ونقاشاتهم.

ومن هنا فإن السؤال الذي يبقى بعد معرض موسكو 2026 ليس كم كتابًا حملته السعودية إلى روسيا، وإنما كم كتابًا روسيًا سيعود إلى السعودية، وكم كتابًا سعوديًا سيبقى في روسيا بعد انتهاء المعرض؟

فالحوار الثقافي الحقيقي لا يسير في اتجاه واحد.

الكتاب هو البداية

إن مشاركة السعودية في معرض موسكو الدولي للكتاب 2026 لا تُمثّل مجرد حلقة عابرة في جدول الفعاليات الثقافية الدولية، بل تعكس تحولًا إستراتيجيًا عميقًا في كيفية تقديم المشهد المعرفي السعودي للآخر؛ تحولًا يتجاوز مجرد الاكتفاء بعرض المطبوعات والتجارب الأدبية الفردية، ليضع العالم أمام المنظومة المتكاملة للكتاب بجميع مراحلها ومؤسساتها، بدءًا من أصل الفكرة الإبداعية وصولًا إلى آليات الترجمة، والطباعة، وحفظ التراث، واستثمار التقنيات الحديثة.

ومع أن منصات المعارض تفتح الأبواب الأولى للتواصل، فإن الرهان الحقيقي يظل مرهونًا بالخطوات الأكثر عمقًا وهدوءًا التي تتلو أضواء الافتتاح ورسميات الإغلاق. فاستدامة هذا الحضور تنبع من وجود جودة أدبية أصيلة، وترجمةٍ واعيةٍ تستوعب الحمولة الثقافية والجمالية للنص، إلى جانب ناشر يدرك قيمة المحتوى وقارئ شغوف باستكشاف أصوات فكرية وجغرافية جديدة.

وفي هذا السياق، تبدو موسكو محطة مفصلية للأدب السعودي، لا لكونها استضافت محفلًا دوليًا يجمع الناشرين والأكاديميين فحسب، بل لأنها وضعت المنتج الثقافي السعودي في مواجهة مباشرة مع إحدى أعرق البيئات الأدبية عالميًا وأكثرها اتكالًا على إرث قرائي عريض. إن الأيام القادمة هي وحدها الكفيلة بالإجابة عن السؤال الجوهري الذي يتجاوز مجرد التواجد المادي في المعرض: هل تتمكن هذه الكتب من ترسيخ مكانتها وشغل مساحات دائمة على رفوف القارئ الروسي وأروقة جامعاته بعد أن ينتهي الحدث وتُطوى شاشات العرض؟ ذلك أن الفعاليات تنقضي بانقضاء مواعيدها، بينما تبدأ الحياة الحقيقية للكتاب في اللحظة التي يُفتح فيها على صفحة جديدة في يد قارئ جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.