الزواج تقاليد وأعراف

الزَّواج تقاليدُ وأعرافٌ   

إذا كان الزَّواج سُنَّة كونية مُطردة في كل الكائنات، لا يشذ عنه أيّ منهما، فكل ما في الكون خُلق من ذكر وأنثى، أو بتعبيرٍ آخرٍ عن طريق اتِّحاد السَّالب مع الموجب، فالتَّزاوج له طقوس خاصة تختلف من نوع لآخر من الكائنات الحيَّة، فقد تكون لهم أعراف، وعادات وتقاليد يلتزمون بها، لحظة تزاوجهم، واتِّحاد أرواحهم وامتزاجها كي ينشأ عن ذلك الامتزاج فرع آخر منهما، يبدأ في النُّمو المُطرد لحظة لقائهم إلى أن يُؤذن له في البُروز إلى حيِّز الوجود في قدَرٍ معلومٍ مُقدَّرٌ أحسن تقدير، إلّا أننا نرى أن ذلك

التَّزاوج فطري جُبلت عليه الكائنات لاستمرار تواجدهم وعدم اندثار كيانهم.

وكلُّ عالم من العوالم له طقوسه الخاصة به في التَّزاوج، إلَّا أننا بنو البشر تقاليدنا وأعرافنا تتبدل وتتغير من حِقبة لأُخرى، ومن بلد لآخرٍ، ومن قبيلة لقبيلة، بل إن كثيراً من التَّقاليد والأعراف في الزَّواج تتبدل من جيل إلى جيل في القبيلة أو في البلد الواحد.

ونحن في هذه المقال سنعرض بعُجالةٍ تقاليد وأعراف الزواج في قبيلة أنجرة بشمال المغرب الأقصى.

هذه القبيلة استمدت ثقافتها وأعرافها وتقاليدها من بقايا الثَّقافة الأندلسية التي أخذتها معها - إبَّان الهجرة الكبرى من الأندلس عقب سقوطها - إلى أقصى شمال المغرب، وبالضبط الضفة المطلة على نهر الأندلس أو فيما صار يعرف لاحقاً بمضيق جبل طارق.

وإن أسماء أفراد هذه القبيلة وأسماء عوائلها، ومداشرها، وقُراها مأخوذة من أسماء وقرى الأندلس، وقد حافظت على ذلك المورُوث الحضاري والثَّقافي لقرون.

ومن أعراف القبيلة أن تُستشار البنتُ في خطبتها كما هو معلوم في الإسلام، ويُسمونها بالخطوبة وقد يُطلقون عليها اسم "الملاك"، ففي هذا "الملاك" أو الخُطوبة، يشترطُ وليُّ البنت شُروطاً لحصول عقد الزَّواج، وغالبا ما تكون أقمشة من الثياب، وكمية من المواد الغذائية التي تُستهلك في حفل زفاف العَرُوس، بما في ذلك أغنام تذبحُ في وليمة العرس، وبعد سجال وأخذ وَرَد غالباً ما تتم الموافقة، ثم يتَّفقون على موعد الزفاف، وغالباً ما يكون عقد النّكاح يوم البناء بالعروس، وتقام حفلة الزفاف، ويأتي أقارب العروسين وجيرانهم فيحتفلون بالمناسبة لمدة قد تصل إلى أسبوع أحياناً بشكل متواصل أو متفرق.

يُسمّون اليوم الأول "البدو"، وهي كلمة باللهجة المحلية، وتعني البداية في الحفل، وفي "البدو" تجتمع البنات - من لم يسبق لهنّ الزَّواج - فيحتفلن بالعروس لبداية زفافها وانتقالها من طور العزوبية لحياتها الزّوجية.

ثم في اليوم الثَّاني يجتمع النِّساء والبنات في دار العروس ويَقُمن بإعانة أهل بيت العريس فيما يعُدُّونه من طعامٍ استعاداً لحفل اللّيل، والّتي يسمونها بـ "الحضور"، وهو خاص بالنساء.

ثم في اليوم الثالث يقام حفل في بيت الزّوج أو العروس، ويُسمّونه بمولاي السلطان، ويكون مُحاطاً بمجموعة من الشَّباب الأقوياء - غير المتزوجين - ويدفعون عن سلطانهم من الأعراب؛ وهم الرِّجال المتزوجون الّذين يتحيَّنون الفُرص للانقضاض على العريس، لأخذ شيءٍ منه كثياب أو قميصٍ، وإن ظفروا منه بشيءٍ فلا يردُّونه إلَّا بفدية من الشَّباب، ويحكم بها قاضي الجلسة المُتمثِّل في معلم الطبل، أو الغيطة الذي من الضروري تواجده مع زملائه، وهم أربعة، اثنين من الغياطة واثنين من الطبالة، يقومون بالغناء، والرَّقص، والترفيه في العرس، ويتولى أحدهم الحُكم بين الوزراء والأعراب في فض النزاعات التي تنشب بينهم، للدواعي السالفة آنفاً، ويستمر هذا في اليوم الرَّابع والذي ستزف فيه العروس لزوجها، ويُسمّى يوم "البوجة أو العمارية" باللهجة المحلية، وهي عبارة عن شيءٍ يُصنع من الأعواد شبيه بالهودج العربي القديم الذي تُحمل فيه النساء، ويُغطّى بثوبٍ ويُزيَّن بأبهى الحُلل والزِّينات، يصنع في بيت العريس ويلقى فوق بغلة أو فرس، ثم يُؤتى به في حفلٍ بهيح يحضره عائلتا العروسين، والجيران، والمحبون، ثم تركب العروس بداخل "العمارية أو البوجة"، فيؤتى بها إلى بيت الزّوج، فتجد أمَّ العريس بالباب، فيضربون وجه البغلة ببيض الدجاج، ثم يرمون طبقاً من الحلوى يأخذها الفتيان، ويلتهون بالعراك والمصارعة على أخذها، بينما أهل العريس يغتنمون هذه الفرصة فينزلون العروس من الهودج، ويدخلونها إلى بيتها الجديد، ثم تبدأ جولة أُخرى للنزال بين الوزراء والأعراب فيتخذ الوزراء الأعلام والحسير و"التليس" وهو نوع من الأفرشة الغليظة التي تصنع من الصُّوف الخالص يطلق عليه أهل المنطقة هذا الاسم، ويذهبون إلى المسجد الذي يجلس العريس فيه، فيأتون لأخذه في منازلة شرسة، ومنافسة قوية، بين الوزراء والأعراب، ويحاول الأعراب نزع الأعلام أو الحصير أو "الحايك"، أو "التليس" من الوزراء، فإذا ما تمكَّنت جماعة أو أحدهم من أخذ شيءٍ من أحد الوزراء، افتداه عندما يصل إلى مسجد الدَّوار أو الحيِّ.

بكمية من الحلوى قد يُتفق عليها بين الطرفين، أو يُلجأ إلى أحد المعلمين للحُكم على الوزير بما هو مُتعارف عليه بين أهل القبيلة، وإلّا سيأخذون منهم السُّلطان "العريس"، وبعد تسوية النزاع بين الطرفين يُحمل العريس على بغلة أو فرس إلى بيته تحت التَّرانيم والمدائح والزغاريد، والأهازيج ويُزفُّ إلى عَرُوسَه.

وفي اليوم الخامس يجتمع الناس والعائلة من جديد، ويقوم الوزراء بإخراج العريس من بيته مع الحرص عليه من الأعراب، وهو يُهدي لهم طبقاً من الحلوى والرَّغيف، ثم يذهبون به إلى بيت الجيران، أو أحد الأصدقاء، بينما النساء من عائلة العَرُوس يأتين إليها ويهنِّئنها بدخول بيت الزوجية، وهذا اليوم يسمونه بـ" الصّابوح"، ثم يقوم الوزراء بجولة في المدشر أو الدَّوار يجمعون البيض، والقديد، والنقود كمعونة للعريس، ويسمونها بـ "الطوافة"، وبعد الزَّوال يأتي الوزراء مصطحبين العريس ويحتفلون قليلاً ويُوصلون العريس لبيته مع الزَّغاريد والمدائح، وبهذا ينتهي حفل العرس، ويبقى ما يُعرف بسابع العُرس، وهو حفل خفيف يقام بمناسبة مرور أسبوع داخل القفص الذهبي.

كاتبه عبد الواحد الشعيري

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.