فن اختيار شريك الحياة وإدارة الخصام الزوجي

الزواج هو بمنزلة وضع حجر الأساس لصرح الأسرة القويمة؛ هذه الأسرة التي تقوم مقام «دولة صغيرة». فمن البيت تنشأ العائلة، ومن العائلات يتكون الحي، ومن الأحياء تتشكل المدن التي يقوم عليها قوام الدولة؛ لذا وجب التركيز على «النواة الأولى».

فالمهارة في اختيار شريك الحياة، والنجاح في ذلك، تمثِّلان نجاحًا في بناء كيان قائم على الود والاحترام المتبادل، في حين أن أي إخفاق في هذا الاختيار يُفضي إلى أسرة هشة تكون وبالًا على الزوجين، وعلى الأبناء، بل وعلى المجتمع والوطن بأسره، فتغدو بدل الوطن عبئًا عليه.

وهذه المسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة على حد سواء؛ فكما يُطالب الرجل بانتقاء من ستكون أمًّا ومربيةً لأبنائه، فكذلك المرأة مأمورة بالتروي في اختيار من سيكون قدوةً لها، وسندًا في مسيرة الحياة.

فالزواج مسؤولية جسيمة وبناء مستمر، لا مجرد استجابة لنزوة عابرة أو انبهار بجمال زائل. فمن يُقدم على الميثاق الغليظ دون وعي أو قدرة على تحمل التبعات، يجد نفسه أمام عبء ثقيل ينوء بحمله؛ لذا لا بد من التريث ودراسة الأمر من جميع جوانبه، وألَّا يطغى صوت الشهوة على صوت العقل واللب والبصيرة.

حقيقة الزواج

إن المحب من أول وهلة غالبًا ما يصم أُذُنَيْهِ عن عيوب المحبوب، فيجامل على حساب الحقائق، ويصبر على الأخطاء تحت سكرة العاطفة.

لكن هذه السكرة لا تلبث أن تنجلي، فتنكشف العيوب على حقيقتها، وتثور النفوس؛ وهذا هو السبب الجوهري لفشل الكثير من الزيجات التي تنتهي بالطلاق.

أما التأني في الاختيار، والبحث عن شريك يوافق المرء في فكره ورؤيته، فهو الضمانة الأمتن لتحقيق الانسجام والسكينة، وأقرب السبل إلى دوام المودة.

والحقيقة المرة التي يجب أن يضعها الزوجان نصب أعينهما هي ما ورد في الحكمة المغربية الدارجة: «كل متعاشر متخاصم». فدوام العشرة مظنة حدوث الاختلاف، ومن شبه المستحيل أن يمضي العمر دون شجار أو مشاكشة.

ليست المشكلة في حدوث الخصام، وإنما في فن إدارته؛ وذاك يتطلب صبرًا جميلًا، وذكاءً حادًا، وحسًّا متوقدًا يُمكِّن من الخروج من الأزمات بأقل الأضرار، ومن تحويل النزاع إلى خبرةٍ لا إلى ندبة.

على الرجل أن يدرك أن المرأة بشر، والخطأ من سمات البشر، لكن لها جوانب مضيئة تفوق عثراتها؛ فليكن تركيزه على الإيجابيات، وليتغاضَ عن الهنات.

وعلى المرأة كذلك أن تعامل زوجها كبشر يخطئ ويصيب، فتركز على نبل سجاياه وتتجاوز عن زلاته. هذه الثقافة يجب أن نورثها لأبنائنا؛ بأن نربي نفوسهم على رؤية الجمال والتغافل عن النقص.

فإذا ركزنا فقط على الأخطاء، فلن نجد في الطرف الآخر ما يصلح، وسينتهي المطاف إلى الانفصال لا محالة، لأن النفوس لا تعيش على النقد وحده.

وفي هذا السياق، يُحكى أن رجلًا طلب يد ابنة حكيم، فوافق الحكيم. وقبل زفافهما، أراد أن يمنحهما درسًا عمليًا في «أبجديات العشرة». قال لهما: «غدًا نخرج في رحلة، فهيِّئا أنفسكما». وفي الصباح، ذهب بهما إلى مشغل حداد، وأمرهما أن يمسكا بـ«الكير» «منفاخ النار»، الرجل من جهة والمرأة من جهة أخرى، وأمرهما أن ينفخا بقوة في آنٍ واحد.

حين فعلا ذلك، تطاير الشرر في كل اتجاه، وتصاعد الجمر بغير انتظام، ففزع الحاضرون وانفضَّ المجلس. ثم أمرهما في المرة الثانية أن ينفخا بانتظام؛ فإذا نفخ الرجل أمسكت المرأة، وإذا نفخت المرأة أمسك الرجل. حينها انتظمت النار، واشتعل الجمر بهدوء دون أذى.

ثم قال الحكيم: «هذه هي الحياة الزوجية؛ أرأيتما حين نفختما معًا كيف تطايرت النار وآذت الجميع؟ لكن حين تناوبتما النفخ بانتظام، استقام الأمر».

فإذا أخطأ الرجل، وجب على المرأة أن تصبر وتحتوي الموقف، وإذا أخطأت المرأة، وجب على الرجل أن يغفر ويتحمل. أما إذا قوبل الخطأ بالخطأ، والعناد بالعناد، فلن يطول بهما المقام تحت سقف واحد، وستتحول المودة إلى صراعٍ دائم، وتذبل السكينة قبل أن تكتمل.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مرحبا بكم جميعا اصدقائي الأوفياء في صفحتي المتواضعة فضلاً وليس أمرا
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة