في مواجهة تحديات عالمية متزايدة مثل التغير المناخي، النمو السكاني، وندرة الموارد، لم تعد الزراعة التقليدية كافية لضمان الأمن الغذائي العالمي. حينئذ، يبرز مفهوم الزراعة الذكية (Smart Agriculture) حلًّا حتميًّا وثورة تكنولوجية تعد بإعادة تكوين علاقتنا بالأرض والطعام. فما هذا المفهوم بالضبط؟ وكيف يمكن لهذه التكنولوجيا الزراعية أن تنقذ مستقبلنا الغذائي؟
لا يخفى على أحد أن العالم يعيش أزمة غذاء كبيرة تزداد عامًا بعد عام، وقد يظهر أثرها واضحًا في إفريقيا، إذ يتركز أكثر من نصف الأشخاص الذين يعانون الجوع وسوء التغذية، إضافة إلى كثير من المناطق في آسيا أو أمريكا اللاتينية. وعلى الرغم من أن تلك الأزمة تُعد من الأزمات المعقدة التي يصعب تحديد سبب رئيس لها، فإن الحل دائمًا يكمن في زيادة الإنتاج الزراعي.
ومع هذه الثورة الكبيرة في التكنولوجيا والابتكارات العلمية، تتعلق الآمال بالزراعة الذكية التي تستخدم آخر ما وصل إليه العلم من تكنولوجيا لزيادة الإنتاج الزراعي وتحسين جودته، ومواجهة كثير من المشكلات في البيئة الزراعية خاصةً تغيّر المناخ، وقلة المياه في كثير من المناطق، ومشكلات العمالة مثل نقص المهارات وقلة عدد العمال في بعض البلدان.
مفهوم الزراعة الذكية
يبدو من مصطلح الزراعة الذكية أنه يرتبط باستخدام التقنيات الحديثة في عمليات الزراعة، مثل الروبوتات والأدوات الرقمية وأجهزة الاستشعار، والتقنيات التي يمكن من خلالها التعامل مع التربة والنبات بشكل أفضل، واكتشاف الآفات والأمراض ومقاومتها، إضافة إلى استخدام التطبيقات الحديثة في إدارة العملية الزراعية في كل مراحلها، ومقاومة التغيرات المناخية وقلة المياه.

ما أهداف الزراعة الذكية؟
وفقًا لمنظمة الأغدية والزراعة (FAO) تتبنى دول عدة إستراتيجية الزراعة الذكية في الوقت الحالي، وتستهدف العملية ثلاثة أهداف رئيسة هي:
- زيادة الإنتاج الزراعي على نحو مستدام.
- إضافة إلى استخدام الوسائل والمراحل الزراعية التي تتكيف بدورها مع المناخ في المناطق المستهدفة.
- الهدف الثالث يتعلق بتقليل الانبعاثات الحرارية والمخلفات الضارة بالبيئة، لتصبح عملية الزراعة أكثر فائدة وأقل ضررًا للبيئة.
لماذا أصبحت الزراعة الذكية ضرورة؟
عند الحديث عن الزراعة الذكية، تكمن أهمية الزراعة الذكية في كونها لم تعد اختيار أو رفاهية، فقد تلجأ دولة إلى استخدام أدوات الزراعة الذكية ودولة أخرى قد تختار ألا تلجأ إلى هذه التقنيات. لكن الأمر ليس على هذا النحو، فالتعامل مع التقنيات الحديثة في الزراعة أصبح أمرًا حتميًا، وذلك لأسباب شديدة الخطر مثل التراجع الكبير الذي يشهده قطاع الزراعة على مستوى العالم فيما يخص القيمة المضافة التي تراجعت بنسبة كبيرة بلغت 4.3% من الناتج المحلي العالمي، بعدما كانت تتجاوز 30% في بعض الدول في أوائل الستينيات، وفقًا للبنك الدولي (The World Bank).
إن معدل الجوع في زيادة مستمرة نتيجة انعدام الأمن الغذائي في عدد من المناطق؛ لأنه يواجه أكثر من ربع مليار شخص مشكلة الجوع الحاد، إضافة إلى وجود أكثر من 7 مناطق على شفا المجاعات حسب التقرير العالمي حول الأزمات الغذائية (GRFC 2024) الذي أوردته معلومات الأمن الغذائي في أواخر عام 2024، وحينئذ تبرز أهمية الزراعة الذكية لمواجهة التغير المناخي الذي يعد أحد المسببات الرئيسة لهذه الأزمات.

من ناحية أخرى، فإن أسعار الغذاء ارتفعت ارتفاعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، وهو ما أدى إلى نقص الحصة الغذائية، حتى إن التقارير تقول إن 600 مليون شخص قريبون من الإصابة بسوء التغذية بسبب أسعار الغذاء. أضف إلى ذلك الزيادة المستمرة في عدد السكان، والتي تجعل خطط زيادة الموارد الغذائية وتعظيم الإنتاج الزراعي أمرًا حتميًا وليس مجرد اختيار في خطط أي دولة في العالم.
كيف يمكن أن تستفيد الزراعة من ثورة التكنولوجيا؟
على الرمن غم أن مصطلح الزراعة الذكية يبدو مصطلحًا حديثًا؛ فإن استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة قد بدأ منذ سنوات، إذ خاضت كثير من الدول تجارب ناجحة ومثمرة في مجال استخدام التقنيات الحديثة في عمليات الزراعة، مثل استخدام أنظمة إدارة وتحليل البيانات، إضافة إلى التقنيات التي تسمح لهم بالتحكم في الأجهزة عن بُعد، مستفيدين من الذكاء الاصطناعي في الزراعة مما يمثل جزءًا من الثورة الصناعية الرابعة، وإنترنت الأشياء، من أجل الوصول إلى أعلى إنتاجية وأقل ضررًا على البيئة.
وعلى سبيل المثال، توضح تطبيقات الزراعة الذكية في العالم كيف كانت الولايات المتحدة الأمريكية سبّاقة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الزراعة، بفضل الأجهزة الحديثة والآلات التي تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي، وبكل الأدوات المتاحة التي يستخدمها المزارعون في التعامل مع الأراضي والمنتجات. إذ يستطيع المزارع الأمريكي أن يلتقط صورة بهاتفه لإحدى الآفات الموجودة على أحد النباتات، ثم يطلب من برنامج الذكاء الاصطناعي أن يحدد له نوع الآفة ونوع الحشرة التي تسببت فيها، وكيفية التعامل معها وتأثيرها على المحصول، وهذا يوضح دور الذكاء الاصطناعي في الزراعة.
أبرز وسائل وتقنيات الزراعة الذكية
يوجد كثير من التقنيات التي تدخل في إطار مصطلح الزراعة الذكية، ولعل من أشهرها تقنيات إنترنت الأشياء في الزراعة «IoT» التي تعتمد على ربط الآلات والأجهزة المستخدمة في عملية الزراعة بشبكة الإنترنت، وهو ما يمكّن القائمين على العملية الزراعية من التحكم في الأجهزة والآلات بالأجهزة المنزلية والهواتف المحمولة، إذ يمكن إعطاء الأوامر واستقبال البيانات وتعديل المهام وتغيير البرامج حسب الرغبة، إضافة إلى القدرة على حل المشكلات في وقت صغير.
ويتم التحكم في إدارة المزارع بواسطة مجموعة من تطبيقات إنترنت الأشياء، وهو ما يُطلق عليه «الزراعة الدقيقة»، وتستخدم بدورها مجموعة من أجهزة الاستشعار والآلات التي تعمل بطريقة ذاتية وأنظمة التحكم عن بُعد، وذلك بغرض ضبط العمل وتوجيه العملية الزراعية بشكل دقيق، وهو ما يُحسّن من الإنتاج على مستوى الجودة ومستوى الكميات، إضافة إلى تلافي المشكلات وتوقّع الأزمات قبل حدوثها وتوفير الحلول وتنفيذها دون توقف.

ولكي نوضح الصورة أكثر فيما يخص الزراعة باستخدام إنترنت الأشياء IoT، نُعطي مثالًا بأجهزة الاستشعار عن بُعد في الزراعة التي تستخدم حاليًا في الحقول الزراعية في عدد من البلدان في أمريكا وأوروبا التي تمنح المزارعين خرائط تفصيلية عن الحقول الزراعية من ناحية الموارد والتضاريس. وتقيس وتجمع البيانات عن مجموعة كبيرة من الأمور مثل الرطوبة ودرجة الحرارة في الهواء والتربة، إضافة إلى التنبؤات الدقيقة بأحوال الطقس أسابيع قادمة.
وعند هذه النقطة يكون القرار مرتبطًا بكمية هائلة من البيانات الدقيقة، وبذلك يكون القرار صحيحًا أو في الأقل في أفضل أحواله، وهو ما يعود على الإنتاج بالزيادة والتحسّن؛ لأنه تساعد هذه البيانات على رصد المشكلات مثل الآفات الزراعية والوصول إلى الحل المناسب، فتحدّد الأجهزة نوع المبيدات الحشرية والكمية المطلوبة وأوقات استخدامها، وتعمل على مراقبة نتائج استخدام هذه المبيدات، ليضمن ذلك ألّا تكون أيُّ خطوةٍ من خطوات العملية الزراعية عشوائية، وهو ما يعظّم من المكاسب ويُقلّل من الخسائر.
كذلك، يمكن استخدام الزراعة الذكية بالطائرات بدون طيار في الزراعة أو المسيرة التي تطير بطريقة ذاتية من دون طيار، لتصوير الأراضي ورسم الخرائط وتقييم المحاصيل، إضافة إلى المهام الأخرى مثل رشّ المحاصيل بالمبيدات أو عمليات الأرواء، لكن الذكاء الاصطناعي يمنح كثيرًا من البيانات الدقيقة التي يحللها ثم الاستفادة منها باتخاذ القرارات والإجراءات المناسبة في العملية الزراعية.
مثال آخر على الزراعة الذكية في الصوبات الزجاجية، إذ تراقب أجهزة الاستشعار مستويات الرطوبة والضغط الجوي ودرجة الحرارة، كما تتابع بدقة استهلاك المياه في الصوبات الزجاجية وترسل إشعارات عند حدوث أي تغيير في هذه البيانات والمعلومات من أجل التحكم الدقيق في الأجهزة التي تضبط الضوء صعودًا وهبوطًا، والأجهزة التي تتحكم في مستوى الحرارة، والأجهزة التي تغلق وتفتح النوافذ. كما أن كل هذه الأجهزة والمستشعرات تعمل عن بُعد نتيجة اتصالها بالإنترنت.
المزارع الروبوتية والزراعة العمودية
يبدو مصطلحًا غريبًا، لكنه أصبح جزءًا من عملية الزراعة الذكية، إذ أُنشئت في الأعوام الماضية مزارع عدة تعمل باستخدام الروبوتات الزراعية بدلًا من المزارعين، فيؤدي الروبوت مجموعة من المهام البشرية في عملية الزراعة. وكانت شركة «إيرون أوكس» الأمريكية الرائدة في إنشاء المزارع الروبوتية قد طرحت في الأسواق مجموعة من المنتجات الزراعية التي تم إنتاجها بواسطة الروبوتات التي تتضمن برامج للتعرّف على الآفات والأمراض الزراعية والتعامل معها بكفاءة عالية.
وقد تكون المزارع الروبوتية مناسبة في الدول التي تعاني نقص العمالة، لكن الدول ذات الكثافة السكانية قد تستخدم الروبوتات ضمن عملية الزراعة الذكية في بعض مراحل العملية الزراعية، لا سيما في المهام التي تتطلب التحمّل والدقّة، والبيانات التي تحتاج إلى التحليل السريع، مثل مراقبة درجات الحرارة والرطوبة، وتصوير الآفات التي تظهر على النباتات، وتحديد أنواع هذه الآفات بالاتصال بالإنترنت، وإرسال الإشعارات إلى المسؤولين من أجل اتخاذ القرارات اللازمة.
الإرواء الذكي
يُعدّ الري الذكي أيضًا من أهم جوانب الزراعة الذكية؛ لأن معظم مشكلات الزراعة في بلداننا العربية والبلاد ذات المناخ الصحراوي تتعلق بقلة المياه، وبذلك تبرز أهمية الري الذكي في تحسين إدارة المياه في الزراعة وتعظيم الإنتاج بأقل كمية متاحة، وذلك بالأنظمة الحديثة التي يعمل بعضها بالذكاء الاصطناعي وبعضها بالآلات الحديثة ذات التقنيات العالية، حتى إن بعض أنظمة الري تعتمد على روبوتات عالية الكفاءة.
ويعتمد نظام الري الذكي على أنظمة التحكم الآلي المجهّزة بأدوات استشعار لقياس ومراقبة رطوبة التربة، وبذلك تحديد الكميات المناسبة التي تحتاج إليها التربة من المياه، وهو ما يحول دون هدر كميات كبيرة من المياه أو توزيعها بطريقة عشوائية. فيساعد الري الذكي على إعطاء المياه بناءً على حاجة النباتات، لتوفير المياه لزراعات أخرى، وهو ما يعود على المحصول بالفائدة الكبيرة حسب الجودة والكمية.

كذلك، فإن الأدوات التي تتنبّأ بالمناخ تؤدي دورًا كبيرًا في الري الذكي، إذ تسمح للمزارعين بمعرفة كثير من المعلومات الدقيقة عن أوقات سقوط الأمطار وأوقات ارتفاع أو انخفاض درجات الحرارة، وهو ما يمنحهم الفرصة لوضع الخطط والجداول المناسبة لعمليات الري، وبذلك يؤثر الأمر على تقليل المياه المُهدَرة في عملية الري العشوائي.
وعلى الرغم من أن أنظمة الري بالرشّ والتنقيط هي أنظمة قديمة نسبيًا، فإنها استفادت حديثًا من التقنيات الجديدة وظهور أدوات الري التي تعمل بالمستشعرات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وعلى هذا تم رفع كفاءة منظومة الري لتصبح منظومة ذكية، إذ توزّع المياه على نحو متساوٍ على النبات اعتمادًا على كمية كبيرة من البيانات الدقيقة، وهو ما يساعد بالتأكيد في تحسين الإنتاج الزراعي وزيادته.
تحديات الزراعة الذكية
قد يبدو الحديث عن الزراعة الذكية ممتعًا وواعدًا لكثير من البلدان التي تعاني مشكلات زراعية ومناخية، ومشكلات في نقص الغذاء، وارتفاع الأسعار، وزيادة عدد السكان. لكن الزراعة الذكية تواجه كثيرًا من التحديات التي تجعلها حكرًا على بعض البلدان، وتصعّب فكرة استخدامها في كل المناطق التي تحتاج إليها. ومن أهم هذه التحديات ما يلي:
ارتفاع التكلفة
لا شك في أن استخدام التقنيات الحديثة في أي مجال يحتاج إلى تكلفة عالية، وبالتالي تواجه الزراعة الذكية أزمة كبيرة في استخدامها في البلدان التي تعاني من أزمات اقتصادية، ويصعب على تلك البلدان شراء المعدات ذات التكاليف المرتفعة مثل الطائرات بدون طيار، وأجهزة الاستشعار، وخطوط الري الذكية، والروبوتات، وغيرها من مظاهر الزراعة الذكية التي نشاهدها في البلدان المتقدمة والغنية.
ضعف البنية التحتية
من التحديات الكبيرة أيضًا التي تواجه الكثير من الدول في استخدام أدوات الزراعة الذكية أن البنية التحتية لهذه الدول قد لا تتناسب مع هذه التقنيات الحديثة، إذ يتطلب الأمر كثيرًا من الوسائل المساعدة التي يجب أن تكون موجودة أصلًا في المكان، مثل شبكات الإنترنت القوية ومصادر الطاقة الوفيرة والمنتظمة، وهو ما يجعل استخدام الزراعة الذكية أمرًا صعبًا للغاية. ثم إن تحديث البنية التحتية يحتاج إلى سنوات عدة وتكاليف باهظة.

قلة المهارات والتدريب
إذا توفرت أدوات الزراعة الذكية وتم تحسين البنية التحتية، يبقى وجودُ أصحابِ الخبرات والمهارات المتقدمة التي تسمح لهم بالعمل على تلك التقنيات والأدوات، مثل وضع البرامج وتحليل البيانات وصيانة الآلات وحل المشكلات التكنولوجية، وهو أمر يحتاج إلى مدة طويلة من التدريب والاستعانة بالخبرات الأجنبية حتى تتوافر بعد مدة خبرات محلية قادرة على تسيير عملية الزراعة الذكية.
أمن البيانات
عند التعامل مع أي تقنية حديثة أو تكنولوجيا جديدة، تبرز فكرة أمن البيانات كونها أحد التحديات الكبيرة، وإذا حدث استخدام الزراعة الذكية في أي مكان، فإن مشكلة الخصوصية والحفاظ على البيانات ستكون من أبرز التحديات، لأن البيانات التي تجمعها الأجهزة وترسلها إلى أصحاب المزارع قد تكون عرضة للسرقة والهجمات والتهديدات السيبرانية، وهو ما يحتاج إلى نظام أمني قوي لحماية البيانات والخصوصية، ولكي تكون عملية الزراعة الذكية آمنة ومفيدة.
وهكذا، فإن التكنولوجيا الزراعية قد تساعد ملايين البشر في مواجهة الجوع، لكنها تمثل تحديًا كبيرًا، إن الزراعة الذكية ليست أدوات، بل هي تحول فكري ضروري لضمان مستقبل يعتمد على الاستدامة الزراعية في ظل تحديات التغير المناخي والزراعة.
وفي نهاية هذا المقال، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.