شهدت المناطق الشمالية والشرقية من الأردن تباينًا جغرافيًا وبيئيًا أثر بوضوح على طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية لسكانها، من وعورة منطقة بني كنانة وبيئتها الزراعية البعلية، إلى خصوبة الأغوار الشمالية ومياهها الوفيرة، وصولًا إلى البادية الشمالية وما احتضنته من قبائل بدوية ذات امتدادات إقليمية، وهذا ما تناولناه في الجزء الأول والثاني من المقال، يظهر هذا التنوع كيف أسهمت البيئة في تشكيل نمط المعيشة، وتوزيع الأدوار الاجتماعية، وتكوين أنظمة الإنتاج الزراعي والرعوي، ما يؤثر لوحة فريدة من أنماط الحياة الأردنية التقليدية.
بني كنانة
تتميز المنطقة، بالوعورة، بما تضمه من مُغر وكهوف وتجاويف، إلى جانب بعض السهول المتفرقة، فيما تميز النظام الاقتصادي بالمنطقة، في أنه قائم على الزراعة والرعي، كحال بقية المجتمعات النصف بدوية والنصف الفلاحية، التي تميز المجتمع الأردني.
كما كان النظام الزراعي، قائمًا على الزراعة البعلية، إذ تنتهي عملية البذار خلال شهر شباط، فيما يقول المثل الدارج: «لما يطلع الحنون ظب بذارك يا مجنون».
ومن المزروعات التي ذاع صيتها في المنطقة: القمح، والشعير، والفول، والعدس، والذرة البيضاء، والكرسنة، والسمسم، والباميا، واللوبية، والكوسا، والخيار، والفقوس، والبطيخ، والبندورة، ودخان الهيشي.
كما اهتم أهالي المنطقة، بتربية البقر والبغال، لأغراض الحراثة والدراسة، إلى جانبِ الماعز الأسود، فضلًا على الدواجن، إلى جانب إنتاج الحليب.

وتشتهر في المنطقة زراعة الزيتون، إلى جانب الزيتون الروماني المعمّر، في قرية سحم الكفارات، التي يتميز زيتُها بشهرة خاصة.
واشتهر في المنطقة -كحال الشمال الأردني- صيدُ أصناف مختلفة من الطيور والحيوانات البرية.
كما عرف أهالي المنطقة عادة «الدويرية»، وكان الأهالي يولمون للحجاج القادمين عبر طريق الحج الشامي، الذي يمر من الشمال الأردني، قادمًا من سورية نحو السعودية، منذ زمن، وتعزز ذلك بعد إنشاء سكة الحديد، أواخر العهد العثماني.
الأغوار الشمالية
تتميز منطقة الأغوار الشمالية، بنظام بيئي متميز، يؤثر بالتالي على النظام الغذائي والاقتصادي القائم على الزراعة، فيما امتزج السكان بعلاقة اجتماعية وطيدة بجيرانهم من الفلسطينيين، في الجانب الفلسطيني من الأغوار، كما تعايشت طائفة من البهائيين في المنطقة، وفدت قديمًا من بلاد فارس – إيران.
وتُمثل الشونة الشمالية، مدخل الأغوار المتصل بمحافظة إربد، فيما عاش الناس حياة البداوة في المُغر، ونتيجة كثرة الينابيع في المنطقة، وامتداد نهر الأردن – الشريعة سابقًا، توافرت بيئة زراعية خصبة، ومواتية للزراعة المروية، للسكان المحليين.
أراضي الزور.. الأرض التي تصلها مياه النهر ومن ثم تنحسر عنها
تتميز المنطقة بتوفر أراضي الزور الخصبة، فيما دمج الناس استخدام المياه المتوفرة في البيئة، والأمطار، في النشاط الزراعي، ما ميَّز النظام الزراعي بالتنوع. كما ظهرت مبكرًا الطبقية في المنطقة، وقد ظهرت «المشيخة» التي يملك رجالها الأرض، واستخدموا فلاحين لزراعة تلك الأرض.
وعرف الناس نظام المداورة في توزيع المياه فيما بينهم، وكانت الدورة تمتد لنحو 12 ساعة، أو حسب حجم مساحة ملكية الأرض للفلاح، ولكن المنطقة تميزت بالذرة البيضاء، على خلاف المناطق الأخرى في المجتمع الأردني، وقد وُجدت وظيفة «ناطور الذرة» بغية حمايتها من الطيور، إلى جانب توافر طواحين للحبوب تُسمى بوابير.

وانتشر في المنطقة، استخدام العربات التي تجرها الخيول، وكان يُنقل المحصول الزراعي إلى الأسواق في إربد، وإلى الجانب الفلسطيني عبر بيسان وطبريا.
نتيجة مشروع قناة الملك عبد الله الأول، تراجع ميل الناس لزراعة الحبوب، وقد بدأ التحول إلى نظام البيارات، إلى جانب تحويل فدانات زراعية إلى مناطق سكنية.
وجلب السكان أشتال الحمضيات من المناطق الفلسطينية خاصة قلقيلية وجنين وطولكرم، فيما جُلب الموز من الخليل.
حتى العام 1970م، كان الأهالي يشترون زيت الزيتون من نابلس الفلسطينية، وعلى الرغم من ذلك؛ كان الناس يعانون قلة فرص العمل، ما تفاقم بعد العام 1948م، حينما حدثت النكسة، ونشأت دولة إسرائيل.
وعرف الناس، صيد العديد من الحيوانات البرية، منها الخنازير البرية، إلى جانب بعض الأصناف من الطيور والأسماك، نتيجة وجود المسطحات المائية في بيئة الأغوار.
البادية الشمالية
تنتشر القبائل البدوية في منطقة البادية الشمالية، ويعتمدون على رعي الإبل - للتنقل، وقد بدأ اهتمامهم بالزراعة في وقت متأخر، بواسطة الفلاحين من المناطق المجاورة. ومع ذلك، لا يجب غض النظر عن تلك العلاقة الوطيدة بالبادية السورية، فالأولى جزء أصيل تاريخيًا من الأخيرة. ومن القبائل البدوية في هذه المنطقة:

- (بنو خالد)، يعود أصلهم إلى السعودية، وتنقلوا في البادية السورية، حيث عاشوا في الجولان، والبقاع اللبناني، ووجدوا في قرى حوشا والحمرا والحرش في الأردن، ويعودون في النسب للصحابي الجليل، خالد بن الوليد، ودخلت القبيلة في تبادلات تجارية مع دير الزور – شرق سورية.
- (العظامات) سكنت قرية أم القطين، ودخلت في علاقات تبادلية بالجوار، فيما كانت تترحل بين مناطق مختلفة محيطة.
- (السردية) استقرت القبيلة في صبحا وصبحية، فيما كانت القبيلة تترحل بين مناطق لبنان وسورية وفلسطين والسعودية والعراق.
- (الشروفات) سكنوا في محاذاة الحدود مع سورية.
- (السرحان) استقرت القبيلة في قرية سما السرحان.
يظهر التنوع في البيئات الطبيعية لشمال وشرق الأردن مزيجًا فريدًا من الأنظمة الزراعية والتقاليد الاجتماعية التي تطورت عبر الزمن. وفي حين حافظت بعض المناطق على طابعها الريفي البدائي، شهدت أخرى تحولات اقتصادية بفعل المشروعات الحديثة والعلاقات الإقليمية، ما أسهم في تكوين الهوية الزراعية والاجتماعية للأردن المعاصر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.