بدأ الإنسان في نحت وتصوير وزخرفة وتزيين ما انتهى نظره إليه وإعجابه بأشكاله وألوانه، ما قد يعزى إلى ميله الفطري نحو الجمال الذي يغذى الروح ويمتع النفس.
فالزخرفة في الواقع ما إلا زينة أو نقوش نفذت بطريقة فنية يختلف أداؤها من فنان إلى فنان ومن عصر إلى آخر، وهي عمومًا قد نفذت على الجدران، أو على تبالط الأرضيات، أو في السقوف، وكذلك على التحف المنقولة.
اقرأ أيضًا الحضارة اليونانية وعلاقتها بالزخارف المعمارية
بداية الزخرفة على جدران الكهوف
وفي بداية الأمر استعان الإنسان بالكهوف للسكن، وفي الوقت نفسه كانت له ملاجئ تقيه قسوة الطبيعية، وهجمات الحيوانات المتوحشة.
فمن المعروف أنه ترك بصماته الفنية على جدر كثير من تلك الكهوف التي وجدت في جبال أوربا، ولا سيما بين فرنسا وإسبانيا وهي على العموم قليلة جدًّا.
وقد تفاوتت تلك الرسوم والنقوش حسب الجمال وقوة التعبير، لقد نفذ أو أفصح عن تعبيراته الفنية على مواد مختلفة مثل الأحجار والصخور والعظام التي صرف في تنفيذها كثيرًا من الوقت، مقرونة بشيء غير يسير من المهارة والخيال.
وعلى ذلك فإنه لمن الضروري أن يوليها الباحثون في تاريخ الفن اليوم كثيرًا من الاهتمام، وبكلمة أخرى لا بد من دراستها، لنتعرف بذلك التعرف على تطور الفنون منذ بدايته الأولى، وعبر مسيرة تاريخية لآلاف السنين.
وإن كان معظم أساتذة الفنون القديمة في العالم يرون أن الغرض من تلك الرسوم والتحزيزات على جدران الكهوف التي تنسب إلى العصر الحجري القديم، ولا سيما في جنوب فرنسا وشمال إسبانيا وشمال غرب إيطاليا لم تكن تعبيرات فنية، بل لأمور تتعلق بالسحر للسيطرة على تلك الحيوانات في سبيل تسهيل أمر اصطيادها.
إن هذا التطور الحياتي، وزيادة التراكم للخبرات الثقافية والتقنية لدى الإنسان أدت إلى ظهور الصناعات، وما صاحبها من تطور تدريجي عبر قرون متعاقبة، ومن أهم تلك الصناعات التي ظهرت في وقت مبكر جدًّا صناعة الفخار الذي ابتدعت في القرى الزراعية المبكرة في الألف الثامن قبل الميلاد.
اقرأ أيضًا التراث الشعبي السوري عبرالحضارة البشرية .
ظهور الأواني الفخارية
لقد حلت الأواني الفخارية تدريجيًّا محل الأواني الحجرية والخشبية والطينية، حتى صارت الأواني الفخارية تحمل ضروبًا يسيرة من الزخرفة ولا سيما الهندسية منها، مثل الخطوط المستقيمة أو المتموجة أو المتقاطعة.
وإذا كان ما يعرف بـ(طور حسونة 5800ـ5100ق.م) بداية المسيرة الفنية في صناعة الزخرفة؛ فإن طور سامراء (5000ق.م) في العصور قبل التاريخية تشير إلى تقدم واضح وتحسن ملموس في هذه الصناعة على الصعيدين التقني والفني.
ففي هذه المرحلة بالذات ازداد الاهتمام ليس فقط بالشكل بل غدت الأواني الفخارية غنية بالتعبيرات الزخرفية المشتركة بين الخطوط الأفقية والعمودية والمتموجة، فضلًا على التصاميم الهندسية البسيطة مثل المربعات والمستطيلات والمعينيات.
ثم ما لبث المزخرفون أن انصرفوا إلى العناصر الزخرفية الطبيعة، سواء كانت ذلك في رسوم الحيوان أو النبات، فقد لوحظ في زخارف سامراء قبل التاريخ أول اتجاه واضح وصحيح نحو الاستعانة في الزخرفة برسوم الحيوانات.
إنها في واقع الأمر أول تجربة لمثل تلك الزخارف على الفخار ليس فقط في بلاد الرافدين بل في العالم أجمع.
ولم يلبث الفنانون المبدعون في هذا الإقليم أن انصرفوا إلى تصوير الآلهة والبشر على حد سواء ليس فقط على الآثار المنقولة، بل أيضًا في رسوم الجدران، سواءً في المعابد وتجميل جدران القصور، أو في نحتهم للتماثيل إلى جانب ذلك.
وكما ذكرت في الزخرفة على الآثار المنقولة، مثل التي تظهر على الأواني الفخارية، والأختام المنبسطة والأسطوانية.
إن تلك الثروة الزخرفية كانت تعبر عن جوانب مختلفة ومتباينة من الحياة اليومية التي تشهد للفنان الرافديني في العصور السحيقة في القدم على براعته الفائقة في إظهار قدراته الفنية على مختلف المواد، مثل الحفر على العاج والأصداف والحجر، صورت عليها موضوعات معينة من الأعمال الفنية في عمليات البناء، أو تقدم الجيوش وانتصارها وهي ذات مناظر تعبر عن الحدث تفضل بينها زخارف هندسية.
اقرأ أيضًا جماليات العمارة عند زها حديد
الزخرفة على القصور والمعابد
وقد تنوع تنفيذ بعض الزخارف من المواد الإنشائية بتقنية رائعة، فنجد بعضها منفذًا على الأجر التي عرفتها العمارة السومرية في عصر الوركاء 3500-3000 ق.م، كما يرجح جميع المختصين في آثار العراق القديمة.
ولم تقتصر الزخرفة على تلك المواد فحسب، بل استعان الفنانون الآشوريون بالحجر والرخام في زخرفة قصورهم ومعابدهم، إضافة إلى نحت التماثيل والثيران المجنحة والمنحوتات الجدارية عامة، علمًا أن هذه المادة تجلب من المناطق الشمالية الجبلية من بلاد الرافدين إلى مراكز الحضارة في مدن الإمبراطورية الآشورية الرئيسة.
وفي العصر البابلي الحديث (612-539 ق.م) صارت للزخرفة دور كبير ومتميز بمبانيها العامة والخاصة، وربما خير مثل عليها بوابة عشتار، وشارع الموكب في مدينة بابل، والمحفوظة أكبر أقسامها في الوقت الحاضر في متاحف الدولة في برلين.
يعد سقوط مدينة بابل عام 539 ق.م على يد الفرس الأخمينين نقطة تحول في تاريخ بلاد الرافدين؛ لأنه يؤشر أول تاريخ لحكم أجنبي لبلاد الرافدين.
والذي استمر قرونًا عدة مرورًا بعهد الاحتلال الإغريقي والفرثي ثم الساساني، والذي انتهى بتحرير العراق عند الفتح العربي الإسلامي بسقوط آخر أباطرة تلك الدولة في سنة 33 هجرية (637م ).
وهناك الكثير من النماذج القديمة التي وصلت إلينا من الزخارف الجصية اكتشف بعضها في تزيين بعض مباني مدينة آشور المتاخرة، والتي تعود إلى القرن الأول، أو بداية القرن الثاني الميلادي، ومثلها التي وجدت في معبد كاريوس بمدينة الوركاء، الذي تعود أيضًا إلى القرن الأول، أو مطلع القرن الثاني الميلاديين.
وخير مثال على ذلك أيضًا نلاحظ في مدينة الحضر التي تعد من أواخر المدن العظيمة في تاريخ العراق قبل الإسلام وامتداد لتاريخه القديم، كونها تعتمد اتعمادًا أساسيًّا في مكوناتها الحضارية والفنية على حضارة العراق القديم.
اقرأ أيضًا الأخمينيون وتفوقهم في الفن المعماري
الفنون لزخرفية في العمارة الحديثة
تعد الزخرفة في الحضر من ابتكار المعمار الحضري الذي اقتبس عناصرها من العمارة العراقية القديمة، إضافة إلى ما اكتبسته المدينة من تأثيرات خارجية نتيجة لعوامل عدّة.
وقد اتصفت الفنون الزخرفية هنا بالتنوع طبقًا للتكوينات والعناصر الفنية. على ذلك يمكن القول: إن مدينة الحضر تعد من روافد الحلقات التطويرية بين العمارة العراقية القديمة والعمارة الإسلامية اللاحقة مرورًا بالفنون الساسانية.
لذا يعد الفن الفرثي مرحلة انتقال بين الفن الأخميني والفن الساساني، وقد ترك الفنان العربي بصماته على طرزه وتكوينه، لا سيما في العراق عبر العصر الساساني الذي استمرت هيمنتهم على مقاليد الأمور في العراق، بدءًا بسنة 226 م حتى ظهور الإسلام.
لقد بدا الفنانون العراقيون هذه الحقبة في تطوير فن العمارة، وكذلك في تطوير وتهذيب الفنون التشكيلية، ومنها اللوحات الجدارية والفسيفساء والنقوش الزخرفية المنفذة على الجص.
إن نماذج من هذه الفنون تظهر بوضوح في أهم متخلفات قصور هذا العصر ولا سيما في المدائن (طسيفون)، التي ما تزال بقاياها شاخصة إلى يومنا هذا، وعلى هذا الأساس يعد الفن الساساني وارثًا، ومكملًا للفنون التي سبقته ولا سيما للفن الأخميني.
ومع ذلك يمكن القول: إن فن الزخرفة عند العرب لم يقتصر على ما كان عند العراقيين في العصور التي سبقت الإسلام فحسب، بل كان لها دور بارزعند العرب في جنوب وشمال الجزيرة العربية.
فخير مثال على ذلك ما اكتُشف بواسطة الحفائر الأثرية في النصف الثاني من القرن العشرين التي قامت بها جامعة الرياض، فقد نفَّذت تنقيبات واسعة في قلب الجزيرة العربية في منطقة جبل الدواسر عند (مدينة القرية) قرب موقع (الفاو).
اقرأ أيضًا أناقة المرأة في القرن العشرين (1900 – 1920)
اكتشاف تحف فنية وأثرية
حيث اكتشفت في موقع عاصمة مملكة كندة العربية القديمة عددًا من التحف الفنية النفيسة، منها الأواني الفخارية المزججة وغير المزججة، وكذلك عدد من الأواني الحجرية ذات أشكال مختلفة، إضافة إلى التماثيل الحجرية والبرونزية والأختام والمسكوكات.
وعثر على بعض الرسوم التي تمثلت بمشاهد الصيد والقتال، فضلًا على رسوم عدد من الجمال والخيل، وهناك أيضًا رسوم آدمية بدائية.
إضافة إلى رسوم نباتية، كل ذلك ممثل في تحزيزات على الصخور المحيطة بالمدينة، وإلى جانب ذلك كشفت التنقيبات عن أن الجدران الداخلية للدور السكينة والقصور كانت مكسوة بطبقة سميكة من الجص، مرسوم عليها مشاهدة مختلفة.
وقد أعطت هذه الرسوم أهمية عظيمة في التدرج اللوني والاهتمام بموضوع النسب الدقيقة في ما يعرف بالتشريح.
إن لهذه الرسوم المائية على الجدران وكذلك المنحوتات والتماثيل أهمية عظيمة؛ إذ إن أكثرها قد نفذ على الأرجح بأيد عربية.
إن كل هذه المكتشفات التي وجدت في المناطق والمدن العربية الأخرى في جزيرة العرب تؤكد أصالة الحضارة العربية وقدرة الفنان العربي على الإبداع، فقد اتسمت باتساع الأفق في جميع الميادين الفنية والإبداعية.
ليس هذا فقط بل إنه من المؤكد أن الفنان العربي قد ابتكر عددًا من العناصر الفنية الجديدة، إضافة إلى براعته في الرسم والنحت.
ولعل أشهر المدن في الجزيرة العربية التي أولاها الفنانون العرب الاهتمام الكبير مكة المكرمة، التي كانت تعد وما زالت أهم المدن الدينية عند العرب والمسلمين عمومًا، ولا سيما قبلة العرب والمسلمين الكعبة المشرفة.
لقد عمل الفنانون قبل الإسلام على تزويق سقفها وجدرانها من الداخل بالرسوم المختلفة من الأشجار والنباتات، إضافة إلى صور الملائكة والأنبياء.
وكان من أهمها حسبما ذكر الأزرقي وغيره من قدامى المؤرخين والبلدانين صورة إبراهيم الخليل (عليه السلام) يستقسم بالأزلام، وصورة جدارية تمثل المسيح وأمه مريم عليهما السلام وصورًا للملائكة وكثيرًا من الأشجار.
فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الرقي الحضاري للعرب بواسطة تلك الإسهامات الفنية الإبداعية، في مجال العمارة والفنون قبل بزوغ نور الدين الإسلامي الحنيف.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.