الرّاعي والرعيّة

لم أكن أتوقع يومًا أنّي سأسير مع القطيع حيث الطريق واحد والغاية واحدة، الكل يصرخ بحثًا عن قوت يومه يسيرون جميعًا في خطّ واحد نحو وجهة موحدة وهي البحث عن المرعى، يتحمّلون وخز الأشواك وتلقي الكدمات عند التزاحم والتسابق نحو الوصول إلى المرعى.

الكلّ متأهّب والأعناق مشرئبة، الوجلُ يعلو وجوههم، كُلٌّ ينظر إلى الآخر خلسةً يبحث عن فجّ أو ثنيّة يتسلل منها لكي يأكل المسافة أكلًا حتى يضمن وصوله قبل البقية، لا يهتم إن سقط من وراءه أو من بجانبه وهمّه الأكبر إسقاط من أمامه، المهم أن يصل إلى المرعى.

الكل خائف من المجاعة، العيون منفرجة والأحداق متّسعة والأفواه تلهث واللُّعاب يتقاطر فيصطدم بالأرض ويختفي بسرعة داخل أفواه الأرض الجائعة القاحلة، صوت الحوافر يخدش الأرض ويضربها، الجميع يتدافع هدوء غريب وسط الضوضاء، شيء ما سيحصل إنه هدوء ما قبل العاصفة، انتفض فجأة غبار وسط القطيع، صوت تصادم أو تناطح قوي.. عراك بين المتدافعين كلاهما ينتهز الفرصة لتجاوز بقية القطيع لكن وا أسفاه قد كان طريقهما مشترك وغايتهما واحدة وهذا ما ولَّد الحقد والخشية والخوف في قلبيهما حتى انفجرا غضبًا وانهالا على بعضيهما ضربًا حتى سالت دماؤهما وسالت لتتهاطل على الأرض العطشى.

الجميع يواصل سيره دون توقف يرمقونهما بنظرة فضول واستشفاء والأقدام لا تتوقف ولا تثبت تسير دون توقف لا أحد يكترث، فجأة علا صوت الراعي وهو يقول: "لا تكترثوا لهما لن يصيبهما شيء هيا واصلوا تقدمكم هيا تقدموا نحو الخيرات فهي تنتظركم، الجميع سيأكل ويشبع كلكم ستنعمون بما لذّ وطاب من عشب حيث المرعى الذي لا ينتهي خيره عليكم..."، كان كلما سمع القطيع هذا الكلام تأجج في قلوبهم عزم وسعي لا حد لهما وازداد العراك وسالت الدماء وتزايدت الكدمات والتدافع... الجميع يركض ويلهث بلا توقف.

بقي الحال هكذا حتى جنّ الليل حينها وصل القطيع إلى المرعى كان هناك نهر يفصل بين القطيع والمرعى وكان هناك قانون لعبور النهر والوصول إلى المكان المنشود... ما هي إلا لحظات حتى تقدم الراعي أمام القطيع وصرخ يزمجر بكل قوته "هناك قارب واحد لا يسع الجميع لذلك سأقرر من الذي سيركب القارب، سيركب من وصلوا أولا وهم في أوّل الصفّ، ولن يركب المصابون ومن لديهم كدمات، وكل من وصل متأخرًا لن يصعد، وسوف يركب قلة منكم وأولكم أنا، أما البقية فستبقى هنا وأنصحكم بأن تجدوا لأنفسكم مرعى آخر يأويكم قبل أن تحلّ عليكم الفاجعة.. الجوع مريع".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب