الرواية العربية والغربية صراع الهوية ومستقبل السرد في عصر الصورة

في المشهد الأدبي العالمي، تقف الرواية العربية كيانًا فريدًا، تحمل على عاتقها هموم أمة وتاريخًا من الصراعات، في حين تواجه في الوقت نفسه تحديات الحداثة وسطوة الصورة. هل تختلف روايتنا العربية جوهريًا عن نظيرتها الغربية؟ وما التحديات الاقتصادية التي تمنع الكاتب العربي من التفرغ لإبداعه؟ في ظل صعود السينما والمنصات الرقمية، يطرح كثيرون سؤالًا وجوديًا: هل تموت الرواية؟

يستعرض هذا المقال هذه القضايا الشائكة، محاولًا رسم صورة واقعية لمستقبل الكلمة المكتوبة في عالمنا العربي.

الفرق بين الرواية العربية والغربية في الهموم والأهداف

تتمثل تلك الفروق في أن روايتنا العربية تطالع حيواتنا فقط، في حين تطرقت الرواية الغربية إلى شعوب كثيرة في العالم، على الرغم من أن النوعين لهما الأهداف نفسها.. كون الرواية بصفة عامة تنبع من احتياجات النفس البشرية ذاتها، والرواية العربية مثل بقية روايات العالم الثالث حافلة بالهموم الجماعية ضد كل أنواع القهر الإنساني.. «فكل كاتب عربي يحمل قضية قومه فوق كتفه، ولا يفرق في خصوصياته أو نظرته الفردية إلى الأمور إلا ما ندر»، بيد أن كثيرًا من النقاد يوجهون اتهامًا شائعًا إلى كل الروائيين العرب، أنهم من خلال إبداعهم لا يخلقون شخصيات متفردة بقدر ما يكتفون بصنع أنماط بشرية ذات خصائص عامة.

يقول الناقد علي الراعي: «المجد للرواية العربية فقد جعلها أفضل المبدعين فيها لسان حال الأمة وديوانًا جديدًا للعرب...»

وعلى الرغم من تقدم الرواية الغربية كثيرًا، إبداعيًا وفنيًا، فإن أمر تناولنا للقضايا التي تمور في أوطاننا لا يعني أنه ليس لدينا أدب أصيل ينافس وبقوة، سوى أن عوامل كثيرة تجمعت على تغييب الروائي العربي والتجهيل به، أهمها المطامع السياسية وغيرها الدائرة حول مقدراتنا وحضاراتنا.

يقول الناقد علي الراعي: «المجد للرواية العربية، فقد جعلها أفضل المبدعين فيها لسان حال الأمة وديوانًا جديدًا للعرب، ومستودعًا لآمال وآلام أمتنا العظيمة المقطعة الأوصال».

الكاتب العربي بين احتراف الهواية وهواية الاحتراف

ولكن في الوقت الذي تمنح فيه الرواية الكاتب الغربي مصدرًا كبيرًا للدخل ووضعًا مميزًا للعيش، يعجز الروائي العربي عن أن يصل إليه، فباستثناء نجيب محفوظ لم يوجد روائي عربي محترف، أي متفرغ لتنمية هذا الفن الصعب والتعيُّش منه، حتى نجيب محفوظ نفسه أمضى الردح الأكبر من عمره أسيرًا للوظيفة الحكومية؛ لذا لا تجد الروائي العربي إلا ويكتب هاويًا، ولا يستطيع العيش من هوايته وحدها دون أن يزاول مهنة أخرى، وتجد أكثر الجمل تكرارًا على ألسنتهم «الكتابة لا تُطعم الكاتب العربي الخبز حاف».

ولقد استفاد الكُتاب العرب من الأدب الغربي على مدى عقود مضت؛ فاستطاعوا أن يطوروا من أدواتهم ويصلوا إلى آفاق جديدة، ولعل الأمثلة اليوم باتت ملء الأعين والأسماع، على الرغم مما تعانيه كثير من النماذج العربية المغمورة من قصور شديد.

ومن المعروف أن الرواية على المستوى المحلي والعالمي تمر كل مدة بأزمة تقام فيها المآتم على روحها وبقائها، ولا سيما في أزمنة الصراع الاجتماعي العميق، والتغيرات السياسية العظيمة مثل أزمنة الحروب والثورات والانقلابات الشعبية. فعلى الرغم كل الخطوات التي قطعتها الرواية عبر تاريخها والأشواط المديدة الإيجابية التي طوتها، فإن ثمة سؤالًا قاسيًا يطرح نفسه بين تارة وأخرى.

هل تموت الرواية أم تستمر؟

لذا فهي قضية مطروحة طول الوقت، وتزداد حدتها في أزمنة الصراعات خاصة، لكنه وبعد كل مدة نكوص تخرج الأعمال الروائية أكثر نضجًا وتطورًا، لا من سلبيات هي في ذاتها آثار طبيعية لأوقات التحول، وكأنها تتوقف لتختزن طاقات تلك الأزمات، وما أن تختمر أفكارها وطاقتها، حتى يهرع الروائيون إلى أقلامهم ليخطُّوا أروع ما وصلت إليه إبداعاتهم.

الرواية في مواجهة السينما والمنصات الرقمية

تشهد الرواية الآن تحولًا غريبًا، فعدد كبير من الكُتاب الجادين الآن باتوا يتحولون من فن الكتابة إلى محاولة إيصال أفكارهم، تارة بواسطة الأعمال الدرامية التلفزيونية أو السينمائية «في صورة مسلسلات وأفلام» حيث الأضواء أشد إبهارًا، وتارة أخرى عن طريق فيديوهات المنصات الإلكترونية «التي تحوِّل الرواية من حيز الكلمات والورق إلى الصورة المجسدة»، وذلك أن الكلمة المسموعة والمرئية أرغمت الكلمة المطبوعة في ظل الظروف الضحلة الحالية على القيام بدور ثانوي ومتواضع -لاسيما الأدبية منها- حيث تضاءلت دائرتها حتى كادت تنتهي إلى أن يقرأ الأدباء بعضهم بعضًا فقط.

«إنني أرنو إلى اليوم الذي يمكن فيه أن يحل الفيلم السينمائي محل الأدب ولا تبقى فيه حاجة إلى القراءة».. هنري ميلر

لذا أصبحت تستقطب عددًا كبيرًا من المشاهدين والمتابعين، ممن يقرأون وممن لا يقرأون، ولعلها كانت مُنية في خلد بعض الأدباء أمثال هنري ميلر الذي صرح يومًا ما: «إنني أرنو إلى اليوم الذي يمكن فيه أن يحل الفيلم السينمائي محل الأدب ولا تبقى فيه حاجة إلى القراءة». ويرى هذا النوع من الأدباء أن هذا التطور يُعد مكسبًا في صالح الرواية وكتابتها، قيمة مضافة، فضلًا على أن بعضها يدر عائدًا أفضل على المؤلف، ما بات يؤثر وبشدة في فنية الرواية وطريقة كتابتها، لكنه على الرغم من ذلك ستظل كتابة الرواية هي الأصل، والمرسى الأخير الذي لا يجد الروائي راحته ومنيته، وطلاقته الإبداعية، إلا فيه.

وهذا لا يقلل من طاقة تلك الوسائل الإبداعية وتفردها بأدواتها الخاصة، لكن الكتابة الروائية هي ركن حصين له قواعده وأساسياته.. ووسائله منقطعة النظير في التحليق والإبداع، فمنذ بدء البشرية إلى الآن ما تمكنت أداة إبداعية من تخريج نتاج العقل وشطحاته الإبداعية مثلما فعل القلم، لذا فلا وجه للمقارنة.

بقاء الرواية فن الزمن الصعب

فضلًا على أن صناع السينما العالميين أنفسهم يرون أن الرواية الأدبية مصدر اهتمام على أكثر من نحو، فهي لهم مشروع سينمائي تسبقه شهرته، فالنص الروائي دومًا هو اللبنة الأولى للأعمال السينمائية الموثوق في كفاءتها وجودتها، أيضًا فجماهيرية وسيلة دون أخرى لا تعبر عن علو قدرة وسيط عن غيره، فلم تكن قدرات التلفزيون أو السينما يومًا مُحقرة لطاقات الرواية وإمكانياتها، فضلًا على عدم قدرتها على الشطح الإبداعي مثلما تفعل الرواية، وهذا الصخب حول المسلسلات والأفلام إنما هو لاعتبارات أخرى، لا تمس إبداعية العمل ولا تعبر عنه، والكل يعرف ذلك على الرغم من تجاهلهم وتعاليهم، ومن يبحث عن الإبداع الأصيل حتمًا سيجد وسيلته على قدر همته وطاقته وعبقريته.

وعلى الرغم من بعض النظرات المتشائمة فيما يخص مستقبل الرواية، فإنني شديد الوثوق والإيقان بأنها محروسة بأقلام روادها المخلصين، وأن خمودهم لبعض الوقت لا يعني إعلانهم لموت العمل الإبداعي، فالرواية دومًا ما تثبت أنها فن مراوغ وغير قابل للموت بسهولة، كونها فن الزمن الصعب القادر على تحويل الأشياء الجامدة من حياة لأخرى بأسلوب مذهل.

إنما الانطوائية والوحدة هي أحد تبعات التأثير والتأثر المبالغ فيه أحيانًا، هي محطات جُبل الكُتاب على المكوث فيها لبعض الوقت، وما هو بمكوث الموت، إنما الإحياء والاجترار لأفكار أجهدها الصراع في مغاليق عقولهم في أثناء فترات الخمود، وما يتبعها إلا انبثاق بركان الإبداع بدفقات قد تكون في كثير من الأحيان مرعبة وصادمة، وتلك في ظني رسالة الرواية العامة التي تدفع بالجمود إلى المرونة والفاعلية، فتذيب جبال الأفكار الثلجية الراسخة، وتغير معروفات ومألوفات الناس، بما يؤهلهم للاستمرار والمد الحضاري والثقافي المختلف.

الرواية العربية ليست فنًا في طور الاحتضار، بل كائن حي يخوض معاركه مع التحولات الكبرى، قد تتراجع في حضورها، لكنها تحتفظ دومًا بقدرتها العجيبة على العودة. وبين تجليات الشاشة، وضجيج المنصات، تبقى الرواية هي الفضاء الأرحب للتأمل والتجاوز والابتكار، إن ما نراه اليوم من تراجع هو مرحلة كمون لا موت، ومن يقرأ جيدًا التاريخ الثقافي يعلم أن الرواية لا تموت، بل تعود كل مرة أقوى، وأكثر جنونًا، وأشد قدرة على إعادة طرح الأسئلة الكبرى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.