جلست هناك في هذا المقهى البعيد الذي كان خاليًا إلا من ظل طويل لرجل عجوز يجلس في الزاوية الأخرى، يحدق في فنجان قهوة بارد، وكأن الزمن توقف عند طاولته. على الطاولة ذاتها الجانبية، طلبت فنجانًا من القهوة الداكنة، وشردت متأملًا في الوجود أنتظر رفيقي الذي لا يأتي، وفي أثناء تلك اللحظة الخاطفة قدَّم لي النادل فنجانًا باهتًا للقهوة صُنع بلا اكتراث، فسكبت القهوة معترضًا، وصحت فيه محتدًا..
تداركت نفسي بعدها لماذا فعلت ذلك؟ كان يبدو أنه نادل جديد، نظرت له بإشفاق بعد أن وجدته يتعثر في صمته، قال لي بعد أن تمالك نفسه: سأعدُّ لك غيرها.. فتركته.. كل ما هنالك أني قد غضبت من غضبي عليه، فتركت المكان، لأجمع ذاتي الشاحبة مندفعًا..
لست ملاكًا ولست شيطانًا، وكثيرًا ما يكون رد فعلى غير مبرمج، وعابرًا لحاجز التوقعات.
في إحدى المرات كنت أجلس مع بعض الزملاء، فقال لي أحدهم: لماذا لا ترفع قضية ضده؟
بتعجب قلت: من؟ صديقي.. أكيد تمزح.
غادرتهم وتركت المكان.. هو كقطعة مني. كان هذا ردي، وكأني أحاول بث نفسي صداقة ثكلى، كاد رحيقها ينطفئ، ثم رحلت عنهم مبتسمًا..
أنا ذاك المغبون، الذي قدَّم استحقاق الصداقة، وآثر الصبر الجميل، والعتاب الرقيق على غدر رفيقه، دخل معه في شراكة للمال والعمر، فأخذ منه ما أخذ، ورحل عنه غير مكترث.
حماد الراوي اسم قد يكون قد مرَّ بك يومًا وأنت تقرأ العناوين بأحد الجرائد، كاتب مغمور، ومصلح اجتماعي، أما عن حياتي فوحيد بدرجة راهب، وعاكف بلا معبد..
اتصلت بصديقنا المشترك سليم وبادرته: لم يأتِ يا سليم لم يأتِ...
قال لي: لماذا تنتظره يا حماد؟ أخبرني، فقط لماذا؟
لا أعرف ولا أجد حلًا، ولم تهدهدني إجابة، فحياتي ذاتها أسئلة بلا إجابات...
سليم: أين أنت الآن؟
حماد: بمقهى الأصيل.
سليم: تمام، مكتب المحاماة ليس بعيدًا عنك، تعالَ سأنتظرك..
كانت المرآة المعلقة في أقصى الحائط المواجه للباب، بريقها يتقاطع مع أشعة الشمس مرتدًا كقطع متكسرة على وجهي..
سليم: كالعادة مازن لم يفِ بوعده، لا بد أن هناك شيئًا تخفيه عني.
يستطرد: كم جزءًا للحقيقة يا حماد؟
حماد: الحقيقة قاسية يا صديق. لا نرتشفها دفعة واحدة. نرتشفها قطرة قطرة، وبفواصل كبيرة، ونفس طويل.
فلندع موضوع مازن جانبًا.. دخلنا لمكتبه، أحضر لي كوبًا من الشاي. والآن، ماذا يؤرقك يا حماد؟ أخبرني.
يحرِّك قلمًا جافًا مكسورًا في جيبه بتوتر، وكأنما يحمل ذاكرة لم تُكتب بعد..
حماد: مشاعر مختلطة.. كأنه يخاطب طيفًا حاضرًا وهو يهمهم: كيف ضلَّ بنا الطريق يا أبي؟
يا معلمي أجب المريد...
يطرق سليم صامتًا. ثم يبادره: وهل وجدت إجابة..
حماد: لا أتقن الإجابات، أتقن الأسئلة... كان الشق الأول من حياتي، يبحث عن معنى، أدخل في صراع مع الوجود من منا على صواب: أنا أم أنت؟ حتى الآن تتملكني تلك الأسئلة الوجودية، فأنام على دهشة بيضاء، وأستيقظ على (لماذا)؟
سليم: لم تستطع أن تخفي صوت أبيك داخلك.
حماد: ربما...
يبادره سليم: كلنا في الهم سواء، تعرف يا حماد ما أتشاركه أنا وأبي هو العمل، وقد اكتفيت بهذا بعد صراع طويل..
كان سليم يقلب صورًا قديمة للمكتب وهو يتذكر كلمات أبيه: «المحاماة ليست مهنة... هي إرث!»، كنت دائمًا ذاك التلميذ الذي يجب أن يكمل تلك الرحلة المقدسة.
حماد: أظن أن الشيء الوحيد الذي ورثته عن أبي هو: أسئلة بلا إجابات..
سليم: كل شيء يمر يا حماد حتى تلك الفجوة التي كانت بيني وبين أبي، أصبحت تضيق هوتها بعد أن كانت تتسع كثقب أسود، وحين تتغاضى تصبح العلاقات صفقة رابحة.
يشير لنفسه باعتداد ظاهر كأنه أحد الفرسان: لم أعد أنكر هذا الدور المجيد.
يربت على قميصه بفخر مصطنع: أنا أداة لتحقيق مجد العائلة المقدس.
حماد مازحًا: طوال عمرك أسطوري.
سليم: لست أسطوريًا ولا يحزنون، أنا أمزح، دعك من ذلك، وقل لي: كيف التقيت بمازن؟ يبدو أنه لا يشبهك.
حماد: طفولة لم تشبه طفولتك يا سليم، لا أدري إن كنت ستتفهمها؟
سليم: ليس معنى أن نشأتي غير نشأتك ألَّا أفهمك.
حماد: حسنًا، كنت أركب القطار لبيع بعض البضائع الصغيرة، وهناك بعت المناديل والمقصات وحجائر البطاريات، وذات يوم اختلفت مع أحد العيال، ولد يصغرني بعامين، ويبيع بضاعتي نفسها، وجدته يأخذ جزءًا من بضاعتي، ويدسها في جيبه، فصحت به، وتشاجرنا معا.
سليم: هذا طبيعي.. ما المتوقع من مازن غير ذلك؟
حماد: كاد كل منا أن يسقط الآخر، كنت أكبر منه سنًا، إلا إنه عاجلني بلكمة قوية، وبسبب نحولي اهتزت الأرض تحت قدمي، كدت أسقط تحت عجلات القطار، لم أر إلا هذا الخط الحديدى الممتد، وتراءت حياتي أمام عينى كمشهد قصير، ونسيت الغيظ المكتوم، لم أبصر إلا المفترق القادم، وأحداث النهاية، وإذا بيد تندفع نحوي فجأة لتقطع كل تلك المشاهد المتسارعة، كانت تلك اليد هي يد مازن، وما أن استجمع مازن قوته حتى جذبني بشدة وحال دون سقوطي.
تلك كانت أول خلافاتي، وأول صداقتي مع مازن.
سليم: بداية غريبة.
حماد: ثم أجبرتنا الحياة على المصافحة حينًا، والخلاف أحيانًا، لكنا أصبحنا كظلين لا يفترقان، حماد ذو الوجه الوديع والنظرة العميقة، ومازن بوجهه المغامر وعيونه الثاقبة، ذاك الصديق غير المتوقع، القادم من أقصى المجهول.
سليم: وماذا بعد؟
انتقلنا معًا بعد أن سلمونا لمركز الشرطة، وبعدها لدار الأيتام، وبعدها تشاركنا الطعام والحكايات الصغيرة.
سليم: كل هذا لا يشفع له أن يأخذ أموالك ويهرب.
حماد: ليست أموالي، أموال من الناس وللناس، أردت أن أفعل خيرًا.
سليم يلقي أمام عيني بعض الجرائد: (تورط الكاتب حماد الرواي في مشروعات وهمية، وحسابات بلا رصيد).
قال حماد وهو يلتقط الجريدة بيد مرتعشة: غير معقول!
يستطرد: تركك صديقك المزعوم على خط المواجهة، الديون المستحقة ستدفع ثمنها وحدك.
يفك حماد رابطة العنق التي تتهدل حول رقبته، يأخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يحاول أن ينجو بعد أن أُحكم حول رقبته الخناق..
غادرت مكتب سليم، ذهبت للمنزل شاردًا، فتحت الباب، أشعلت الضوء الأصفر، وفتحت ألبومًا للصور وتصفحت الأوراق، توكأت على هذ الكرسي الكسول لعلي أهدأ، ودار في خاطري إحدى المرات التي كنت فيها مع مازن.
يظهر وجه مازن وهو يوقع بخفة ظله الظاهرة إمضاء على إحدى صوره معي: غدًا سأصبح مشهورًا، تذكَّر ذلك. الإمضاء مازن البلطجي، ووجه ضاحك.
مازن البلطجي كما كانوا ينادونه، وأنا المحتال الوديع، ذاك الصغير الذي كان يعد بالحضور في حلقات الذكر لينشد، يأخذ جزءًا من النقود مقدمًا، يحضر حينًا، وكثيرًا ما يختفي وتختفي حكايته معه، ثم يبدأ في مكان جديد وقصة جديدة.
مازن: أنت حكاية فعلًا.
حماد: صدقًا لم أتعمد ذلك، فقد كان يملؤني ذاك الإحساس بالفوضى الداخلية، أهرب كي أجمع أوراقي، ربما أحشد حصرًا ذاك الشتات. وفي النهاية أجدني أفر من نفسي إلى مكان جديد، ويأخذني القطار لأناس جدد.
مازن: قل لي حكاية من حكاياتك.
حماد: اختر اسمًا وسأحكي لك حكايته. اختر من بين هذه الأسماء؛ شريف، محب، يوسف، عمار..
ضحك مازن: كفى كفى.
فقلت له: لا.. تبقَّى اسمان.. فادي، وسعيد.
ضحك مازن حتى غاب صوته، أنت حكاية يا سعيد.
ذات يوم قال لي مازن: كيف وصلنا إلى هنا؟
يستطرد مازن: عن نفسي أعرف السبب، فأنا تركت أهلي وهربت، أما أنت لا تبدو من هذا النوع المغامر.
حلق مازن ببصره نحو هذا البناء المكتوب على واجهته دار الأيتام، ثم ارتد بصره لهذه الحجرة الصغيرة ذات الطلاء المتهالك.
ثم قال لي: هذه الحجرة لا تليق بك يا حماد. ألن تحكي لي قصتك؟
فقلت له: لا شيء، كل الحكاية أنني أبصرت نفسي وحيدًا في محطة القطار، ربما تركني أبي وذهب.
يتذكر حماد حين كان يمسك به أبوه بيده في لحظة خوف في أثناء عاصفة، ثم في لحظة تركه في محطة القطار وصوت صفير القطار، رائحة معطف الأب الممزوج بالتبغ، نظرات الندم الخاطفة في عينيه قبل أن يختفي.
مازن: لماذا لا تبحث عنه؟
حماد: لا أتذكر سوى المقهى والقطار، لا أتذكر ملامحه، تبدو صورته كوجه شاحب يتلاشى كلما تعاقبت السنين.
أتذكره في بعض المواقف حين كان يذهب إلى حلقات الذكر ويأخذني معه، كنت أحتضن الكون بصدري، وأكاد أقول للجميع هذا أبي..
مازن: يمكننا أن نبحث معًا.
حماد: لا، لا أذكر إلا بعض الصور القصيرة التي تقلبها الذاكرة، وجه أختي الصغيرة، ابتسامة أمي، وأبي ذي الملامح الشاحبة القادمة من بعيد...
مازن: حياتك شاقة مثلي، لكننا الآن تجاوزنا ذلك، وانتصرنا.
حماد: لا أعلم ولكن لا شك أننا نقاوم، كنت في الصباح أتجول مع البائعين، وفي المساء أبدل الملابس، وأجيد المراوغة. أدور في دروب المنشدين، أتنقل من ذات إلى ذات، ومن طريق إلى طريق شاردًا منطفئًا أبحث عن القمر الذي لن يتخلى عني، ويرافقني، مستغرقًا في الكون، محتضنًا هذا الضوء الشفيف.
مازن: اسمك حماد فعلًا أم شريف كما قلت لي سابقًا.
حماد: اطمئن هو حماد، لم أصارحك لأنني لم أكن أثق بك.
مازن مبتسمًا: وتصارحنى في وجهي.
حماد: هذا اسم من عشرات الأسماء، لكل مقام اسم يا صديق، أما الحقيقي فهو حماد؛ هذا هو اسم صاحبك المصون حتى يثبت العكس.
مازن: حماد وعرفنا، من هو الراوي.
حماد: مجرد لقب، أُطلق عليَّ، كل يوم أبدل الروايات، وأصنع لنفسي قصة جديدة، أنا الراوي وبطل الحكاية.
مازن: أرجو ألا تبدل روايتك حتى الغد؟ لكن الناس هنا تحبك وتثق برواياتك.
حماد: ربما لم يدرك أحدهم جل حقيقتي، ربما أضاف لى الإنشاد بعدًا روحيًا، فقد جعلني أحظى بالبركات، والمكافآت، وجعل لي طريقة ما لأعيش بها تلك الحياة.
مازن: هنيئًا لك يا عم حماد، ربما لن أكون في روايتك الجديدة.
حماد: لا تقل ذلك، أنت أفضل أصدقائي ولكنني لا أعرف لماذا أخشى الصداقات، وأدفع العلاقات الدائمة كما أدفع المجهول، وأعد الجميع، ولا أنتمي لأحد.
يستيقظ حماد على صوت سليم: أين أنت، الساعة الثانية عشرة ظهرًا.
حماد: لم أنم جيدًا... كنت أفكر..
قاطعه سليم: يا حماد أنت غاضب، لماذا تناقض نفسك؟
حماد: كان صديقي...
سليم: الأصدقاء لا يرحلون يا حماد. لا يرحلون..
حماد: دعني أمنح روابط الأخوة فرصة أخيرة.
ينتبه حماد لصوت زجاج يتكسر في الشارع.. كان الصوت ينذر بكارثة قادمة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.