الرحيل إلى بورسعيد

لم يتبقى لها أحد لتعيش معه في هذه المدينة المزدحمة، فرحيل والدتها أبعث في نفسها القنوط والوحشة، خصوصاً أن كل ركن من أركان البيت تذكرها بها. لم تعد تتحمل البقاء في البيت، لم تستطع حتى القيام بأقل النشاطات اليومية ك فنجان القهوة أو إعداد الفطور. أصبح البيت مصدر وحشة بعد أن كان مصدر طمأنينة و بهجة، حتى كلما حاولت الهرب من شبح المنزل، للجلوس في أي مكان أو التمشية، تطاردها ضوضاء المدينة، عوادم السيارات، الإزدحام و المعاكسات. فيزيد كل ذلك من إكتائبها، فتقرر العزلة في بيتها.

في يومًاً ما... كانت تتصفح صفحتها على الفيس البوك. لفت نظرها منشور عن محافظة بورسعيد، عن الشعر المكتوب في وصفها، بأنها مدينة جميلة صافية، بأنها قطعة من أوروبا. أخذت تتصفح صور العمارات المبنية على الطراز القديم. عن  صور العائلات و الأفراد الذين يمارسون رياضة الجري و المشي على طول البحر الذي هو مباح لكل سكانها. هذا المنشور أصاب قلبها برعشة أمل طفيفة لتتخبى وراء غمامة اليأس الذي تعيشه.

أخذ حديث خفيف يدور في ذهنها، لما لا؟ لماذا لا تهاجري ضوضاء العاصمة إلى هدوء تلك المحافظة؟ في اليوم التالي، أستيقظت و إرتدت بنطلون جينز و قميص أبيض ليخفف عنها وطأة الحر. و تركت شعرها ليداعبه الهواء كما يشاء كما إعتادت. ثم أرتدت حذائها الأبيض. أستقلت سيارة أوبر وحددت الواجهة لتكون إلى محطة الترجمان (للسوبر جيت) و إختارت طريقة الدفع لتكون عن طريق الكريديت كارت كما أعتادت. و ما أن وصلت إلى المحطة قامت بحجز  تذكرة ذهاب إلى محافظة بورسعيد. الساعة 8 ونص. و نظرت في الساعة وجدت إن الساعة 8 و 26 دقيقة. سألت موظف الحجز أين مكان السوبر جيت فأشار لها، بعد أن تنزل السلالم، ستجد جراج كبير به أتوبيسات. فشكرته و سارت كما أشار عليها. ثم وصلت و سألها الموظف ( رايحة فين) أجابته بورسعيد، أشار عليها بالأتوبيس الثالث.

صعدت إلى السوبرجيت، و أخذت تلقي النظر على رقم المقعد المذكور في تذكرتها و كان رقم 25 بجانب الشباك. فأثار في نفسها إنفراجة, ف هي كالأطفال تحب دائماً أن تجلس بجانب الشباك لترى الشوارع و البيوت، لتركز في تفاصيل وجوه الناس, و ما أن ترى حال لا يعجبها، تحمد الله على ما فيه، كان من الممكن أن تكون مكانه\ مكانها. تحرك قلبها فرحاً عندما تحرك الأتوبيس معلناً بدأ السير إلى بورسعيد. كانت مغامرة منها نسبياً بأن تذهب إلى محافظة جديدة وحدها، لأنها كانت تخاف من الإقبال على أي شيء جديد حتى لو أضاف لها ذلك في نهاية الأمر بهجة.  لكن أحياناً الأزمات التي تصيبنا تجعلنا نسير عكس رغباتنا أملاً في عوض عن ما نحن فيه.

ولأنها لأول مرة تستقل السوبر جيت, فكانت لا تعلم خط سيره. فتنبهت، إن السوبر جيت توقف في محطة ألماظة بمصر الجديدة، و الغريب أن المقاعد إمتلأت تماماً، و تحرك للمرة الثانية. بدأت حرارة الشمس ترتفع، فأرتدت نظرتها السوداء أرتدت سماعات الهاتف لتستمع إلى الراديو مع مراقبة الطريق. حتى وجدت نفسها أمام كارتة محافظة الإسماعيلية، ثم وجدت يافطة مكتوب عليها "محافظة الإسماعيلية تُرحب بكم". مروراً بالقنطرة، ثم وصلت إلى بورسعيد. نزلت من السوبر جيت و هي خفيفة لم تحمل سوى حقيبة يدها. نزلت و هي لا تدري أين ستذهب و لكن أول شئ خطر ببالتها أنها تريد الذهاب إلى البحر و تحتسي فنجان قهوة سادة بن فاتح, للقضاء على صداع الطريق.

فأشارت إلى تاكسي، ليتجه بها إلى البحر. وما أن تنفست رائحة اليود، حتى هدأت نفسها، و أرتسمت الإبتسامة على شفاها لأول مرة منذ وفاة والدتها، خلعت حذائها، لتمشي ب حرية علي الرمال الناعمة وأخذت تلقي نظرة سريعة على المحيط حولها، فوجدت سفن بعيدة تقف في طابور للوصول إلى ميناء القناة، رأت العائلات التى تجلس على البحر، و الأفراد التي تمارس رياضة الجري البطئ على البحر. الجميل إن كبار السن، نساء، رجال، شباب، مراهقين بل و أطفال يمارسونها. كم تمنت إنها لو جريئة كفاية لتمارس تلك الرياضة هي الأخرى.

تركت نفسها تسعد بكل ما تراه من عينيها، و أكتفت بأنها تتمشي لمدة طويلة على البحر، حتى إنها نست تماماً فنجان القهوة، و الأكل. بعد أن أكتفت من المشي على البحر. أخذت تتمشي في شوارع المدينة. ترتفع بعيونها إلى طراز العمارات القديمة. تشعر بعبق التاريخ في كل شبر تسير عليه. تمنت لو تستطيع أن تنقل حياتها إلى هنا، أن تستأجر بيت صغير حوالي سبعين متراً. ليس من المهم أن يطل على البحر، و لكن المهم أن تكون به بلكونة صغيرة، تشرق عليها الشمس كل يوم. و أن تجعل غرفة صغيرة في المنزل لتصميم الفساتين، و تعرض شغلها على مواقع التواصل الإجتماعي، ففرص العمل في المحافظات أقل نسبياً من العاصمة، فغالباً يتجه بعد قاطني المحافظات إما العمل الحر أو الرحيل إلى القاهرة. فهي بذلك حلت مشكلة توافر فرصة العمل.

أجهدت قدميها من السير، فتوجهت إلى أقرب مطعم سمك، فمن المعروف أن سمك بورسعيد لا يُعلى عليه. كانت سعيدة بتلك التجربة و قررت أن تنقل حياتها بعيداً عن إزدحام القاهرة. كانت تلك الزيارة فقط زيارة إستكشافية للجو العام، فكانت أكبر حافز لها بأن تنتقل من القاهرة ل بورسعيد، و تبدأ نشاط عمل مختلف تماماً عما كانت تعمل به، و تزوال مهنة تصميم الأزياء التي كانت شغفها الأول منذ الصغر.

أحياناً التغيير الجذري في حياة الإنسان يبدأ عندما تصيبه شدة يعتقد بإنه لا يستطيع مواجهتها فيواجهها.

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب