جئت إليك مُهرولة وكُلي يقين أنني سأجد الراحة لروحي المُتعبة والسكينة لقلبي المضطرب، والرجاحة لعقلي المُشتت، أقاوم ذلك الشك الذي يراودني في الطريق، أتوقف كل حين لأتلفت حولي، فأسمع همسًا في أذني "الملتفت لا يصل"، فأعاود السير وأنا ممزقة، فتصير وحدك أنت دليلي في طريقي إليك.
الآن لا أخشى أن تفوتني فُرص، لا تُهمني المثالية، ولم أعُد أرغب بالتحليق، تكفيني نفسٌ هادئة، تسعدُ بمسرَّاتٍ صغيرة، ويا لسعدي لو رافقت كتفًا لا يميل.
أمَّا الفرص فالمناسبُ منها لن يُخطئني ولو مرَّت عشراتُ السنين، فالمثالية ضربٌ من وهم... فأظنُّها مأساةً أن تكون بلا عيب، وقد أدركتُ مؤخرًا أنّ التَّحليق لمن لا تسعُهم الأرض، وأنا لا أحتاجُ قِوًى خارقة، يكفيني أن أكون أنا وألا ألتفت.
الجميع يتحدث عنك، كلٌ يراك في مرآة نفسه، فمنهم من يحدثنا كأنه يراك رأي العين، ومنهم من غمت عليه مرآته فلا يجدك فيها..
أما أنا، فيقيني أنك هنا وحسب، لا أملكُ ما أحدثُهم به، ولا أجد حتى الرّغبة في إثبات ذلك لمن ينكره، فأنا أؤمن أنّك تُعرف بالقلب، وأن قلوبنا بين يديك، تُقلبها كيفما تشاء..
فأدعوك في سري وجهري
أن تُعرفنا جميعًا بك على النحو الذي أنت ترضاه، وليس كما ترضاه أهواءنا التي تدعي أنها تعرفك حق معرفة وتعرف السبيل إليك.
مُثقلون نحن بأرواحٍ محملة بأعباء كل الدّنيا، الّتي ندّعي دائمًا أنّها ليست في قلوبنا... لكنّ الرّحلة قصيرة...
قصيرة جدًا، فليس من الضّروريّ أن تكون قاسيًا وتجادل في كلّ شيء لأنّ "الرّحلة قصيرة"، إذا تنبه كلّ منّا أنّ رحلتنا في الدّنيا "قصيرة" لن نجعل هذه الحياة مظلمة، مليئة بالجدال والخصومة والكيد وعدم العفو عن الآخرين لكيلا يضيع جهدنا ووقتنا وبعض من جمالها..
هل كسر أحدهم قلبك؟
كن هادئًا فالرّحلة قصيرة.
هل ضايقك أو استهزأ بك أحدهم؟
كن هادئًا فالرحلة قصيرة.
مهما كان ما وقع عليك من ظلم ثقيل الوطأة، تذكّر دومًا أنّ الرّحلة قصيرة.
هل نسي أحدهم معروفك ووقفتك معه وسؤالك عنه؟
كن هادئًا فالرحلة قصيرة.
هل انتقص أحدهم قدرك ولم يقدرك حق التقدير؟
كن هادئًا فالرّحلة قصيرة.
رحلتنا هنا قصيرة جدًّا ولا يمكن الرّجوع إليها بعد تركها.
ولا أحد يعلم مدّتها ومتى تنتهي.
لا أحد يعلم هل سيبقى للمحطة التّالية أم لا؟
فالرحلة قصيرة.
لا أريد شيئًا يا إلهي، إلّا شيئًا واحدًا، شيئًا لا يُعجزك، أُريد الأمان في داخلي، الأمان فقط، الأمان من الحزن، والخذلان، ووحشة الوحدة والشك، الأمان من العثرات التي استهلكت عمري، الأمان من نفسي، فنفسي هذه هي أكثر ما أخشاه.
والحقيقة... أنه لا ضمانات لأي شيء دنيوي مهما تفانيت من شدة الحِرص ليحدث على نحوٍ معين أو ليبقى... الضمان الوحيد هو نيتك، إن أصلحتها فقد ضمنت ألّا يُضَيّعُكَ الله، يكفي أن يزيح كلّ هذا الحطام الّذي تدفن أجسادنا تحته..
ها أنا ألجأ إليك بكلّ ثُقلي، فقد صفعَتني الحياة وخذلني الآخرون، وتمسّك اليأس بقلبي الضّعيف؛ فهل لي بمخرج من عنق الزّجاجة الّتي وضعت نفسي بها؟
علمتني أعوامي الماضية أن المصائبَ لا تُشارَكُ، تحمِلُها وحدَكَ مُرغمًا، وينظُر إليكَ العارفون بها مُشفقين، لكنّهم لا يحملون عنك عبئًا واحدًا، يدعون لكَ وقد تبكي أعينهم شوقًا وحُزنًا عليك، لكنّك وحدك من تحملُ ما ثقُل على ظهرِكَ وأدماك، وإنه لا يجب أن يحزنك الفُراق.
فأنا أيضًا يُحزنُني التَخلي برغم تَجلي الحُبّ في عينيَّ، ولكن ما يُحزنُني أكثر أن أبذُل عُمري في مُحاولاتٍ لا تنتهي من العطاء الذي يُقَابَلُ بالنُكران والجحود.
فتعلّمت من الفراق أنّ كلُ شيء يمُرّ، فرح أو حزن أتذكرها كثيرًا حين تأخذني العزة بنفسي أو حين أهون على الأرض بمن فيها، فكُلّ ما يكلّل أيّامي سيمرُّ عاجلًا أم آجلًا، طبتُ بهِ أو حزنتُ.. سيمرُّ وستبقى ذكراهُ تضحكني وتُبكيني.
سبق أنّي خشيت ما أنا عليه الآن، فقد كان يخيفني أن أستيقظ ذات يوم لأجدني ذلك الشخص التائه الذي يقف حيرانًا متخبطًا لا يجد من الثوابت في حياته شيئًا؛ تلك الثوابت الّتي أصبحت تتسرّب واحدًا تلو الآخر، ولم يبق منها إلّا أنت يا الله، وكفى.
فقد كنت شخصًا لا يجيد الانسحاب، ولا يعرف الهزيمة، أمّا الآن فأنا أجيد الإفلات حدّ اللّامبالاة؛ واستسغت طعم الهزيمة.
عندما أتذكّر حالي منذ بضع سنوات أتأكّد أنّي تبدّلت.
أنا لا أبالغ إن قلت إنّ الفراشات كانت تتطاير من صدري من فرط الشّغف والحبّ، أمّا الآن فأشعر بثقل العالم على روحي، بل بثقل روحي على روحي إن صحّ القول.
فأنا لا أحمل الآن في داخلي شيئًا أكثر من أسف عميق وهائل على نفسي الّتي أرهقتها بالرّكض في كلّ درب مأهول بالخيبة...
بالنّظرِ إلى الماضي بحكمةٍ وعقل؛ أجد أنَّ الّذين أعطيتهم قدرًا كبيرًا.. لم يكونوا يستحقونه، وأنَّ الّذين غضضتُ الطّرف عنهم كانوا أولى بأخذ الفُرص كاملةً، ولكن قدر اللَّه دومًا كان لطيفًا بي، لقد علّمني ربّي أنَّ مقامات النّاس لا ثبات لها.
وأنَّ ليس كل مَن ادَّعى الحُبّ بصادق، وأنَّ الشّدائد دومًا مرآة الصّدق، وأنّها حتمًا ستمرّ.. ستمرّ؛ هي فقط باللَّه تمضي، وتُستبدَل بجبر اللَّه.
فأصلحني يا الله، علّ روحي تحلّق في رحابك آمنة مُطمئنة... وسلامٌ على الدّنيا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.