الرجال مخابر وليسوا مناظر

«الرجال مخابر وليسوا مناظر» هذا مثل عميق يدعو للتأمل، ويحمل في طياته كثيرًا وكثيرًا من المعاني المهمة والمبادئ والقيم التي يجب اتخاذها منهجًا قبل إصدار الحكم على الأشخاص.

الرجال منطق، الرجال أسلوب، الرجال خُلُق، الرجال مبدأ وقيم، الرجال فكر، الرجال علم ومعرفة، الرجال عزائم وأفعال وطموحات كبرى، الرجال صُنَّاع تغيير. فلا يحكم على الرجال من مظاهرهم إلا جاهل، وصاحب مدى فكري محدود، ومستوى وعي ضئيل.

كم من قادة، وكم من ملوك وفرسان، وكم من مخترعين، وكم من مبدعين، وكم من شُعراء وكُتَّاب ومتحدثين وشيوخ قبائل، صنعوا المستحيل وسطروا أسماءهم في سجلات التاريخ! كانوا دميمي الخِلقة، وذوي مظهر يدعوك إلى السخرية منهم واحتقارهم في الوهلة الأولى، ولكنهم في الحقيقة عُظَماء وزعماء.

ومن الأمثلة على ذلك ما يأتي:

في أحد الأيام، انكشفت ساق الصحابي عبد الله بن مسعود، فضحك مجموعة من الحاضرين من دقة وهزالة ساقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتضحكون من دقة ساقيه! والذي نفسي بيده، لهما أثقل في الميزان من جبل أحد».

أما الأحنف بن قيس التميمي، فكان سيد قومه، وإليه ترجع الكلمة، وكان مضرب مثل في الحلم والأناة والصبر ورجاحة العقل. كان حكيمًا، عالمًا، من أئمة الإسلام، وسُمي الأحنف لكونه كان يمشي على بُرد، أي أعرجًا، ولم يكن جميل الخِلقة، ومع ذلك كان من عظماء عصره وقدوة يُحتذى بها، وسيرته تُروى إلى يومنا هذا.

أما الدكتور المصري طه حسين، فقد أصيب بالرمد الذي على أثره فقد بصره، بسبب جهل البلدان في تلك الأيام وشُح الموارد الطبية. في الرابعة من عمره، ذهبوا به إلى حلاق القرية، فوضع قطرة على عينيه أصابته بالعمى بعدها، ولعل هذا السبب هو ما جعله يسخر وقته وعمره لمحاربة الجهل.

رجل بذل، واجتهد، وناضل، وسعى، وصارع الظروف بكل ما أوتي من عزم وقوة، وأسهم في النهوض بمجتمعه، حفظ القرآن، أكمل تعليمه، لزم مجالس العلم والذكر، ورُزِق بذاكرة قوية جدًا، وأصبح من نوابغ عصره، وألَّف 48 كتابًا لا تزال تُقرأ إلى يومنا هذا.

بيت القصيد

يجب ألا نقيِّم ونحكم على الشخص مما يظهر خارجًا، أو هيئة، أو لون، أو عِرق، أو عاهة، أو أيٍّ كان، الشخص يُقاس بعقله ومنطقه وعلمه، لا بهيئته. فمن الظلم والإجحاف إصدار أحكام قطعية عن الناس بناءً على مظاهرهم.

وفي هذا السياق قال الشاعر «أبو الفتح البُستي»:

‏يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته         ‏أتطلبُ الربحَ فيما فيه خسرانُ؟!

‏أقبلْ على النفس واستكملْ فضائلها       ‏فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال رائع جدا ...احسنت النشر
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرًا لك ومرورك أروع ..
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.