الذكاء العاطفي مفهومه وأهميته وكيفية تطوير مهاراتك

الذكاء العاطفي هو القدرة على فهم المشاعر الشخصية وإدارتها، وفهم مشاعر الآخرين والتعامل معها بفعالية، وهو مهارة خفية تميز القادة الناجحين والأصدقاء المخلصين والشركاء الداعمين، فيوصف بأنه مهارة أساسية تساعد الفرد على فهم ذاته، وإدارة انفعالاته، وبناء علاقات صحية قائمة على الوعي والتقدير، فامتلاك مهارة الذكاء العاطفي لا يؤثر في الحياة الشخصية فحسب، بل يرفع من جودة التواصل في بيئات العمل والتعليم والأسرة، ويمنح الإنسان قدرة فريدة على التكيف والتأثير الإيجابي في من حوله.

في هذا المقال نتحدث عن مفهوم الذكاء العاطفي، وأهميته، وسبل تطويره، هل تساءلت يومًا لماذا يتفوق بعض الأشخاص في حياتهم المهنية والاجتماعية على الرغم من أنهم ليسوا الأكثر عبقرية؟ الإجابة تكمن في الذكاء العاطفي، إنها القدرة على فهم وإدارة مشاعرك ومشاعر الآخرين، وهي مهارة أساسية للنجاح في الحياة، وأحد أهم مفاتيح التنمية الذاتية.

لعلنا نقابل في حياتنا عددًا من الأشخاص الذين يتعاملون بأسلوب جامد، أو غير مفهوم، أو يستخدمون معايير خاطئة في معاملاتهم وعلاقاتهم، وهو ما يجعلهم يفقدون كثيرًا من المكاسب المادية والمعنوية، وهو ما يضعنا في حيرة، ويجعلنا نتساءل لماذا يفعل هذا الشخص ذلك الشيء الذي لا يصب في مصلحته؟ لماذا يتعامل هذا الشخص بهذا القدر من عدم التفهم والجمود؟

وقد نكون نحن ذلك الشخص في وقت من الأوقات، أو موقف من المواقف، ونبحث عن تفسير منطقي، لكن الأمر كله يصب في خانة نوع من المهارات المهمة والأساسية التي قد لا يلتفت إليها كثير من الناس، وهي مهارات الذكاء العاطفي.

مفهوم الذكاء العاطفي

الذكاء العاطفي مجموعة من المهارات الشخصية التي يستخدمها الشخص في معاملاته مع الآخرين، وبها يفهم مشاعرهم ويقيمها، ويتخذ القرارات المناسبة في طريقة التعامل معهم، ويستطيع انتقاء الكلمات المناسبة، وتحديد المكان والزمان الأفضل لكل قول ولكل فعل على نحو يمكنه من إدارة هذه العلاقات بنجاح، وقد صاغ العالمان بيتر سالوفي وجون ماير المصطلح أول مرة، ثم شهره الكاتب دانيال جولمان (Daniel Goleman) في كتابه الذي يحمل الاسم نفسه، مؤكدًا أن الذكاء العاطفي قد يكون أكثر أهمية من الذكاء العقلي في تحقيق النجاح. وعلى هذا حُددت أربع مهارات رئيسة في الذكاء العاطفي، وهي:

مفهوم الذكاء العاطفي

فهم الذات (الوعي العاطفي)

تعد مهارة فهم الذات عتبة الذكاء العاطفي، فالشخص الذي لا يستطيع أن يفهم مشاعره الخاصة، وكيف يتعامل معها لا يستطيع أن يفهم مشاعر الآخرين، ويتعامل معها، وبذلك سيكون بعيدًا عن الواقع على مستوى الوعي والإدراك وإن كان حاضرًا على المستوى الفيزيائي؛ لذلك فإن محاضرات مهارات الذكاء العاطفي وكتبه وكورسات التنمية تسعى في البداية إلى إكساب الشخص مهارة فهم الذات بعدِّه إحدى المهارات الأساسية في الذكاء العاطفي.

إدارة الذات  (إدارة العواطف)

إن إدارة العواطف تعني القدرة على التحكم في ردود الفعل الاندفاعية، والتفكير قبل التصرف، وهي المهارة الثانية بعد فهم الذات، فالشخص الذي يمتلك مهارة إدارة الذات يستطيع التعامل مع مشاعره وأهدافه وطموحاته وأغراضه، ويستطيع استخدام الأدوات المتاحة والظروف المواتية كلها وتوجيهها بطريقة صحيحة دون صدامات، أو الدخول في صراعات ليس لها فائدة، وهو ما يجعل الشخص الذي يمتلك مهارات الذكاء العاطفي يحصل على أفضل النتائج، ويتجنب الخسائر قدر الإمكان.

فهم الآخرين (الذكاء الاجتماعي)

يعد فهم الآخرين المستوى الثالث، أو المهارة الثالثة ضمن مجموعة مهارات الذكاء العاطفي، فبعد أن يفهم الشخص نفسه، ويستطيع إدارة ذاته يصعد درجة أخرى على سلم مهارات الذكاء العاطفي، فيفهم ويفسر ويحلل تصرفات الآخرين من الأطفال والكبار ومن النساء والرجال، ويستوعب الدوافع وراء أفعالهم وأقوالهم، ويرد عليهم ويتصرف معهم بالطريقة المناسبة التي تحقق له أهدافه وأغراضه دون الخروج عن قواعد الود والسلام، وهذا هو جوهر الذكاء الاجتماعي.

إدارة العلاقات مع الآخرين (التواصل الفعّال)

أعلى مرحلة يصل إليها الشخص الذي يمتلك الذكاء العاطفي هي قدرته على إدارة المشاعر والعلاقات مع الآخرين باستخدام المهارات السابقة لوضع الأمور كلها في المسار الصحيح، فيوظف المشاعر والعواطف والمعارف ولغة الجسد للوصول إلى أفضل النتائج دون أن تتضرر مشاعره، أو أن يتسبب بإضرار مشاعر الآخرين، وهو ما يجعل الشخص الذي يتحلى بمهارات الذكاء العاطفي شخصًا محبوبًا على المستوى الاجتماعي وعلى مستوى العمل نظرًا لقدرته على إدارة الأمور بأفضل طريقة ممكنة، وهو ما يتطلب مهارات التواصل الفعَّال.

مهارات الذكاء العاطفي

أهمية الذكاء العاطفي

يعد الذكاء العاطفي من أهم أنواع الذكاء في بناء العلاقات وإدارتها، وتخطي المشكلات بأنواعها المختلفة، وعلى هذا اكتساب مهارات الذكاء العاطفي وتطويرها أهمية كبيرة، ولعل أبرز النقاط التي تصب في خانة أهمية الذكاء العاطفي ما يأتي:

  • تحمل الضغوط: يستطيع الشخص الذي يمتلك مهارات الذكاء العاطفي أن يتحمل الضغوط المتواصلة على المستوى النفسي والشعوري، ويستطيع أن يفصل هذه الضغوط عن المسارات الأخرى الموجودة في حياته، فعلى سبيل المثال يستطيع فصل ضغوط العمل عن علاقته بأسرته، وكذلك يستطيع أن يفصل المشكلات الأسرية والمواقف والتحديات التي يمر بها في البيت عن علاقته بزملائه في العمل، وكذلك يفصل الضغوط الحياتية عما يجب أن يفعله بعدّه إنسانًا صاحب قيم وأخلاق، ولديه معايير لا بد أن يلتزم بها.
  • بناء علاقات صحية: إن مهارات الذكاء العاطفي تساعد صاحبها على بناء علاقات صحية مع الآخرين، وهو أمر يحتاج إليه الناس كلهم في الظروف كلها، والبيئات كلها، فلا يستطيع أي شخص أن يوجد في بيئة العمل دون أن تكون له علاقات مع الآخرين، وكذلك في العائلة، وفي الدوائر الاجتماعية التي ينتمي إليها جميعها، وهو ما يحتاج معه إلى فهم المشاعر وإدارتها ومراجعة نفسه والتحكم بتصرفاته وممارسة كثير من المهارات التي تنتمي جميعها إلى قائمة الذكاء العاطفي.
  • صحة نفسية أفضل: الأشخاص الذين يملكون مهارات الذكاء العاطفي هم الأشخاص الأقل تعرضًا إلى الأمراض النفسية نظرًا لقدرتهم على إدارة مشاعرهم وتوجيهها وتفريغها على النحو الصحيح، ويعود الأمر كله إلى نقطة مهمة، وهي فهم الشخص الذكي عاطفيًا لمشاعره، وبذلك يستطيع أن يصل إلى جذور المشكلات فيحلها، ويستطيع أن يتخطى أي عثرات أو أزمات شعورية أو نفسية بسرعة نظرًا لما يمتلكه من وعي وقدرة على الإدارة الذاتية، فيكون الشخص الذي يمتلك مهارات الذكاء العاطفي هو الأكثر جودة وفعالية وقدرة على المواجهة.

أهمية الذكاء العاطفي

  • القدرة على التكيف: من الأمور المهمة في مسألة مهارات الذكاء العاطفي أنها تمنح صاحبها القدرة على التكيف مع الأوضاع الجديدة والتطور أمام التحديات المستمرة في حين أن الأشخاص الآخرين يدخلون في دوامات نفسية، ويحتاجون إلى مساعدة من الآخرين سواء أكانوا أهلًا، أم أصدقاء أم معارف، أم أطباء ومعالجين نفسيين، وهو ما يستنزف الوقت والجهد والمال والطاقة النفسية على عكس ما يحدث مع أصحاب مهارات الذكاء العاطفي.

الذكاء العاطفي مقابل الذكاء العقلي 

من المهم الفرق بين الذكاء العاطفي والذكاء العقلي. الذكاء العقلي يقيس القدرات المعرفية مثل المنطق وحل المشكلات الرياضية. أما الذكاء العاطفي فيقيس قدرتك على إدراك وتقييم والتحكم في عواطفك وعواطف الآخرين. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن EQ هو مؤشر أقوى للنجاح في المناصب القيادية والحياة بشكل عام.

ما أهمية الذكاء العاطفي في مكان العمل؟

في بيئة العمل، لم يعد الذكاء التقني كافيًا. أهمية الذكاء العاطفي في مكان العمل تكمن في أنه يعزز مهارات القيادة، ويحسن العمل الجماعي، ويساعد في حل النزاعات، ويزيد من قدرة الموظفين على التعامل مع ضغط العمل والعملاء الصعبين، ما يؤدي في النها-ية إلى بيئة عمل أكثر إنتاجية وإيجابية.

كيف أعرف أني امتلك ذكاءً عاطفيًّا؟ (اختبار الذكاء العاطفي)

توجد اختبارات عدة معروفة يمكن بها قياس مستوى الذكاء العاطفي، ولعل أشهرها اختبار التقرير الذاتي لمستوى الذكاء العاطفي، وهو مجموعة من الأسئلة التي يجيب عنها الشخص بوضوح ومصداقية، ويُمنح على أساسها مجموعة من الدرجات التي توضح له مستوى مهاراته على سلم الذكاء العاطفي.

وتوجد أيضًا اختبارات القدرات التي لا تعتمد على الأسئلة فقط، وإنما تشمل دراسة سلوكية تحكم على مستوى الشخص بمواقفه العملية، وهو ما يحتاج إلى مراقب للشخص أو المجموعة التي تخضع إلى الاختبار، وهو ما يفعله البشر أو الذكاء الاصطناعي.

تنمية الذكاء العاطفي

وكيف أطوِّر ذكائي العاطفي؟ تطوير الذكاء العاطفي وتحسين الذكاء العاطفي ممكن بالممارسة الواعية. إليك بعض النصائح:

تصنيف المشاعر

يعد تصنيف المشاعر وترتيبها من أهم الخطوات نحو اكتساب مهارات الذكاء العاطفي بالتحدث عنها ووصفها، ووضع كل منها في مكانه باستخدام الكلمات الصحيحة والمصطلحات التي تصف المشاعر مثل: القلق والإحباط والحزن والخوف والسعادة والراحة؛ لذا يجب عليك أن تتجنب عبارات مثل: (أنا أختنق)، أو (أنا أشعر بشعور غريب)، ويجب أن تفكر في طبيعة الشعور الذي يسيطر عليك، وتضع له وصفًا وتصنيفًا محددًا، وهو تدريب بسيط يدفعك نحو فهم مشاعرك رويدًا رويدًا.

تصنيف المشاعر

إدراك تأثير العواطف

بعد إتقانك تصنيف مشاعرك ومعرفة الأمور التي تشعر بها يجب عليك أن تفهم وتدرك تأثير هذه المشاعر في سلوكك وأفكارك، فعلى سبيل المثال إذا كنت تشعر بالخوف فقد يؤثر هذا الشعور في قراراتك بالعمل، أو علاقاتك الشخصية، وإذا كنت تشعر بالوحدة، فقد يدفعك هذا الأمر إلى اتخاذ قرارات تندم عليها بعد ذلك؛ لذا يجب عليك أن تفهم جيدًا تأثير العواطف والمشاعر في الأفكار والقرارات؛ لتتجنب هذا التأثير الذي قد تدفع ثمنه بعد تغير المشاعر والعواطف.

المسؤولية العاطفية

يجب على الشخص الذي يبحث عن تطوير مهارات الذكاء العاطفي أن يتحمل المسؤولية العاطفية فعلى سبيل المثال يلقي الأشخاص اللوم على الآخرين في تعكير مزاجهم أو إحساسهم بالخوف أو الغضب أو الحزن أما الشخص الذي يتحمل المسؤولية العاطفية فيعرف أنه من سمح للآخرين بالتحكم في عواطفه، وبذلك يختار الطريقة التي يستجيب بها للآخرين وللظروف والأحداث ومع الوقت لا يستطيع شخص أن يفرض عليه مشاعر معينة أو أحاسيس لا يرغب هو بالدخول فيها  وهو ما ينقل الشخص إلى مرحلة رائعة من إدارة الذات التي يجني ثمارها سريعا في كل الدوائر الاجتماعية التي ينتمي لها.

مشاعر الآخرين

يجب أن يحرص الشخص على فهم مشاعر الآخرين بمراقبة حالاتهم العاطفية، والتركيز على فهمها، وهو ما يحتاج إلى كثير من الاستماع والمراقبة وعدم مقاطعة الأشخاص في أثناء حديثهم، وعدم الدخول في جدال مع الانتباه إلى الحالات التي يمر بها الآخرون في ظروف مختلفة، وهو ما يكسبك كثيرًا من الخبرة بمشاعر الآخرين التي تستطيع بها أن تعرف الطريقة التي تتعامل بها معهم على نحو صحيح، وهذا يا صديقي هو الذكاء العاطفي بعينه.

التطور المستمر

إذا أردت أن تكتسب مهارات الذكاء العاطفي فأنت تحتاج إلى أن تراقب تطورك على نحو مستمر وهو ما يجعلك تراجع نفسك يوميًّا وتستعيد المواقف والحوارات التي مررت بها على مدار اليوم لمراقبة مدى التحسن والتطور ومعالجة الأخطاء واكتشاف مواطن الضعف ومواطن القوة في تعاملاتك مع الأشخاص حولك؛ للتعلم من أخطائك وضمان التطور في المستقبل، إضافة إلى أن تطور مهارات الذكاء العاطفي أمر دائم بدوام المعاملات والعلاقات، فدومًا توجد حاجة إلى اكتساب مزيد من المهارات.

التطور المستمر

الابتعاد عن الأجهزة الإلكترونية

حين نتحدث عن تطوير مهارات الذكاء العاطفي فنحن نتحدث عن التعامل مع الآخرين، وهو ما يتطلب التقليل من استخدام الأجهزة الإلكترونية التي تستحوذ على معظم الوقت، ومنح الأشخاص الذين نتعامل معهم أكبر قدر من الاهتمام والوقت خاصة الشركاء العاطفيون، فاستخدام الأجهزة الإلكترونية مدة طويلة يؤدي إلى ردود أفعال جاهزة، ويؤثر سلبًا في قدرة الفرد على فهم عواطف الآخرين ومشاعرهم؛ لذا فإن تطوير الذكاء العاطفي يرتبط بتقليل التعامل مع الآلات في مقابل التعامل مع البشر.

إذن، من الشخص الذكي عاطفيًّا؟ هو ليس الشخص الذي لا يخطئ أو لا يشعر بمشاعر سلبية، بل هو الشخص الذي يمتلك الوعي العاطفي لفهم هذه المشاعر، والقدرة على إدارتها بفعالية، واستخدامها لبناء علاقات أفضل. إن تنمية الذكاء العاطفي هي رحلة مستمرة من التعلم والممارسة، وهي الاستثمار الأفضل الذي يمكنك تقديمه لنفسك ولعلاقاتك.

وفي نهاية هذا المقال الذي حاولنا فيه تغطية كل ما يخص مفهوم الذكاء العاطفي، وكيفية تطويره على نحو ذاتي نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال عبر مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة